إعداد وتحرير: صباح جلّول
يواصل المعرض الاستعادي للمصوّرة الفوتوغرافية نان غولدين (المولودة في الولايات المتحدة عام 1953) تجواله بين المدن الأوروبية. بعد ستوكهولم وأمستردام وبرلين وميلانو، محطة المعرض الحالية هي العاصمة الفرنسية باريس[1]. عنوان المعرض تحذيرٌ صريح في تشاؤمه مِن الفنانة المعروفة باشتباكها السياسي الملتزِم مع كل مواضيع أعمالها: "لن ينتهي هذا على خير".
في متحف "غران باليه" (القصر الكبير) في باريس، وضمن أجنحة خاصة صممتها المهندسة المعمارية هلا وردة، تتوزع أعمال نان غولدين الفوتوغرافية كأفلام مصنوعة من الصور الثابتة المتتابعة، عبر تجهيزات من الشاشات تضيء بعروض شرائح مؤلفة من آلاف الصور التي التقطتها غولدِن منذ عام 1979 حتى الآن.

يستقي المعرض أهميته من كونه المعرض الاستعادي الأول لأعمال مصوَّرة توصف بالـ"أيقونية"، أحدثت ثورتها الخاصة في التصوير الفوتوغرافي المعاصر ومجمل الثقافة البصرية في عالمنا، لقدرتها على عكس حميميّةٍ صادقة في مواضيعها، شخصية كانت أم عامة، من الذات، العائلة، الجنس، العنف، الإدمان، إلى الحب ويوميات الحياة العاطفية. لكنّ أهمية مسيرتها المهنية بمجملها، والتي يعكسها هذا المعرض، تأتي مما هو أعمق وأبعد من ذلك كله. نان غولدين فنانة تركت علامة فارقة بالذات بسبب خياراتها السياسية على امتداد سنوات عملها، بنضالها بصوت عال، وأنَفتها الدائمة من الحياد والنّصف موقف. غولدين من القلائل جداً في دوائر الأسماء الفنية "الكبيرة" ممن يمنحون الأولوية للموقف الأخلاقي والمبدئي، قبل النجاح الشخصي والفرص. هي مستعدّة دوماً للعراك مع المموِّلين والمتاحف والمؤسسات وأصحاب النفوذ، إذا وجدت تعارضاً مع مبادئها المنحازة أبداً إلى مهمَّشي المجتمعات والمتروكين في الأسفل، والمسلوبين حقوقهم والقابعين تحت الاحتلال والقمع والإبادة.
غولدين، الأميركية اليهودية، وصاحبة المكانة العليا في عالم الفن والثقافة، تصبّ تركيزها حالياً على غزة ومناهضة الصهيونية والصراخ ضد الإبادة. تركيزها واعٍ تماماً، منطقه يتبع منطق تلك المنطلقات التي جعلت منها نصيرة من يسكنون الشوارع في الليل بلا حماية مجتمعية، مرضى الإيدز، والعابرين جنسياً، والمعنّفين في عائلاتهم، والمتصارعين مع الإدمان، ويتسق مع المنطلقات التي تجعل منها تشترط على المتاحف التي تعمل معها عدم التعامل مع الممولين اللا-أخلاقيين، حتى تقبل أي تعاطٍ معهم.
من هنا بالذات تنبع أهمية هذه الفنانة، أي عند التقاطع بين ممارساتها الفوتوغرافية وحساسيتها نادرة الصدق، وبين التزامها السياسي. وهو ما تشهد له الأعوام الخمسين التي التقطت فيها نان غولدين صورها.

من أمام بورصة نيويورك يوم 14 تشرين الأول/ أكتوبر 2024.
في هذه اللحظة الفاصلة من التاريخ، تضع غولدين غزّة في مركز الاهتمام، فتخاطب القادمين لرؤية أعمالها من خلال سياق الحدث الأهم والأفظع الذي نشهد عليه، أي الإبادة، ومن خلال موقفها من الحرب والاحتلال. قررت غولدين أن تُدرِج مع كل فيلم من شرائط الصور، أيّاً كانت موضوعاتها المختلفة، عبارة "تضامناً مع غزة"، وذلك في معرضها بنسخته الباريسية. يتميز هذا المعرض عن النسخ السابقة منه أيضاً بإضافة غولدين لعملٍ غير مكتمل، يعرض مشاهد ولقطات من غزة بعد السابع من أكتوبر، وقبله، يتضمن مقاطع فيديو من مواقع التواصل الاجتماعي أو مرسَلة من أصدقاء ومعارف هناك، لتُعرَض بشكل دائري يعيد نفسه باستمرار، كما حرب الإبادة المستمرة الآن.
على الرغم من أن هذا العمل المعنون "غزة" هو "قيد الإنجاز"، إلا أنها أصرّت على تضمينه ليكون نقطة يعود إليها روّاد المعرض، تذكيراً بالمكان والموضوع الذي ينبغي رؤية كل شيء في سياقه الرهيب. فهي عبَّرت في معرضها السابق عن رغبتها الملحّة بأن لا تكون غزة غائبة عن أي مما تُقدِّم في هذه الفترة، كما فسّرت بوضوح في برلين عام 2024: "هذا معرض استعادي شامل لمسيرتي الفنية. لا يوجد فيه أي شيء من العام الماضي، وهذا ما ينقصه. لقد وفى المتحف بوعده بالسماح لي بالحديث، وأنا ممتنة، لكنهم يدّعون أن نشاطي السياسي وفنّي منفصلان، مع أن هذا لم يكن صحيحاً قطّ. لقد كان العام الماضي بالنسبة لي هو عبارة عن فلسطين ولبنان. منذ السابع من أكتوبر، أجد صعوبة في التنفس. أشعر بالكارثة في جسدي، لكنها ليست حاضرة في هذا المعرض". حرصت غولدين بعدها على إحضار غزة معها حيث تذهب.
في تلك الليلة الافتتاحية لمعرضها الاستعادي في برلين، في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، في قاعة المتحف الوطني الجديد، ألقت نان غولدين خطاباً ثقافياً-سياسياً رائعاً يستحقّ أن يكون مرجعياً. فبعد أن طلبت من الحضور أربع دقائق صمت على أرواح شهداء غزة، سألت ألمانيا، بما تُمثِّل في تلك اللحظة، وبما تمارِس من إسكاتٍ للأصوات المناهضة للصهيونية، كلّ أسئلتها الصعبة.
"هل شعرتم بعدم الارتياح؟"، سألت بدايةً، وتابعت: "أتمنّى ذلك. نحتاج أن نشعر بعدم الارتياح، وأن نشعر بأن أجسادنا مُحاصَرة، ولو للحظة".
وسألت غولدين: "لماذا أتحدث إليكِ يا ألمانيا؟"، ثمّ أجابت بنفسها: "لأن الألسنة مُكمّمة. الأفواه تكممها الحكومة والشرطة وحملات القمع الثقافي. هذه مدينة كنا نعتبرها ملاذاً آمناً. الآن، تمَّ إلغاء أكثر من 180 فناناً وكاتباً ومعلماً منذ السابع من أكتوبر، بعضهم لأسباب تافهة كالإعجاب بمنشور ما على إنستغرام. كثير منهم فلسطينيون، و20 في المئة منهم يهود". أعلنت غولدين للموجودين أنها لا تستطيع التحدث بلغة ألمانيا تجاه ما يحدث، لأن لغتها تخلط بين انتقاد إسرائيل ومعاداة السامية: "لا علاقة لمعاداة الصهيونية بمعاداة السامية. هذه مقارنة زائفة تُستَخدم للحفاظ على احتلال فلسطين وقمع كل من يجرؤ على الكلام".
بانكسي يضع مرآة أمام أوروبا
11-09-2025
هكذا، في ذلك الخطاب الجريء، في عاصمة أوروبية كانت ما تزال تحرِّم استخدام لفظ "إبادة" في الإعلام والمظاهرات والنقاشات العامة، حاولت هذه الفنانة استخدام نفوذ اسمها وأعمالها لحفر طريق. استعملت منصّتها وحضور الإعلام لتُخرِج كلّ سؤالٍ صعب إلى العلن: "هل تسمعين يا ألمانيا؟"، "هل تخشين سماع هذا يا ألمانيا؟ إنها حرب ضد الأطفال"، "ماذا تعلمتم يا ألمانيا؟"، "ما الذي لا ترونه يا ألمانيا؟"، "هل تتخيلون لو كان بالإمكان مشاهدة حرب فيتنام، أو التطهير العرقي في البوسنة، أو حتى المحرقة مباشرةً عبر هواتفكم؟ هل كنا سنُدير ظهورنا؟ حتى لو كنا عاجزين عن تغيير ما يحدث، علينا أن نشهد، وأن نُعلي أصوات الفلسطينيين. لا تزال هناك فرصة للعالم للتدخل ووقف هذه الفظائع"..

بعد 13 دقيقة من الأسئلة والغضب والشجاعة، علا تصفيقٌ هادر في القاعة، ولوّح الشباب بكوفياتهم، وارتفعت أصوات الهتافات بالحرية لفلسطين، وسط ذهولٍ سمته "عدم الراحة". لقد تخطت غولدين خطوط ألمانيا الحمراء بسلام وحرّضت الحاضرين على فعل المثل.
لمشاهدة خطابها [2]كاملاً:
****
لعلّ هذا هو المعرض الاستعادي الحقيقي لنان غولدين، وما أرادت إظهاره في تجوالها على العواصم. استعادة لا المنتَج فحسب (الصور)، بل المعنى خلف ما تُنتِج. في مقابلة لمجلة "فايس"[3] مع الفنانة، تُسأل غولدين: "لو كان بإمكانكِ حثّ الناس على فعل شيء ما الآن، فماذا سيكون؟".
تجيب: "الخطر الأكبر يكمن في الرقابة الذاتية. علينا أن نبقى متيقِظين وحذرين رغم وابل التهديدات والمعلومات المضلِّلة التي تُحيط بنا. أعتقد أن أسوأ ما في الأمر هو خوف الناس من التعبير عن آرائهم، فثمة الكثير مما قد يخسرونه. علينا أن نستمر في الحوار. لم أتخيل يوماً أن أواجه كل هذا الرفض لأفكاري. أعلم أن الأمن الاقتصادي الشخصي مهم، ولكن ما هو مقدار ما يمكننا تحمله كبشر؟ لا بد من وجود ما هو أكثر من مجرد توقيع الرسائل وإرسالها، مع أن هذه الأمور مُهمّة أيضاً. أحثّ الناس على أن يكونوا أكثر من مجرد ناشطين إلكترونيين، وأن يخرجوا إلى الشوارع، وأن يخاطروا بحياتهم، وأن يتّحدوا مع الآخرين…"
كل تأخُّر عن ذلك يعني شيئاً واحداً فقط: لن ينتهي هذا على خير. دور الفنان أن يقولها…
_________________________
- افتتح المعرض في 18 آذار/مارس 2026 ويستمر حتى 21 حزيران/يونيو 2026. ↑
- نصّ خطاب نان غولدين الشهير ليلة 22-11-2024 في برلين بالانجليزية، عن موقع "ذا كالتشراليست":
- https://www.dazeddigital.com/art-photography/article/68050/1/nan-goldin-print-sale-trans-rights-activism-photography-signed ↑



