في الثامن والعشرين من شباط/فبراير 2026، استيقظ العالم على خبر استهداف الجيش الأمريكي لمدرسة ابتدائية في مدينة ميناب الإيرانية، استشهد فيها على الأقل 160 طفلاً وطفلة. بعدها بأيام، في الثاني من آذار/ مارس، بدأت إسرائيل الحرب على لبنان، ليستشهد خلال أسبوعين أكثر من 800 لبناني، بينهم أكثر من 100 طفل. ثم في السادس عشر من آذار/ مارس، قصفت الطائرات الباكستانية مستشفى لعلاج الإدمان في مدينة كابول الأفغانية، ليستشهد فيها أكثر من 400 شخص ويُصاب المئات. ثلاثة مشاهد، ثلاثة بلدان، وردّ فعلٍ واحد، عناوين إخبارية عابرة واستنكار على استحياء، ثم صمت مطبق وسريع.
كيف صارت أخبار المجازر حدثاً عادياً، بدءاً من غزّة وحتى لبنان وإيران ودولاً أخرى؟ إجابة هذا السؤال تكمن في الآلية التي استُدرج بها وعينا الجمعي ليعتاد على هذا الموت، عبر إعادة برمجة أجهزتنا العصبية والحسية لرفع درجة تحملنا الألم والوحشية، بإسقاط آلية عمل الجهاز العصبي.
تشريح الألم
تبدأ رحلة الألم كإشارة سريعة، تنتقل من مكان الإصابة عبر الأعصاب لتصل إلى الدماغ. واللحظة التي نبدأ فيها بالشعور بالوجع تُسمّى "عتبة الألم"[1]. ومع تكرار هذا الوجع، يبدأ الدماغ بالتأقلم معه ويفرز مسكنات طبيعية داخلية ليرفع "قدرة التحمل"، وهي أقصى طاقة يمكننا الصمود أمامها قبل الانهيار[2].
العالم العربي: الصحة النفسية، رهان سياسي
26-06-2024
حين يفوق الألم طاقة الجسم، نلجأ إلى المسكنات الخارجية التي تعمل بطريقتين: إما بتهدئة الالتهاب من مصدره، أو بقطع "خطوط الاتصال" تماماً بين الجرح والدماغ، مما يخلق حالاً من الصمت الوظيفي[3]، إذ نصبح أكثر تحملاً للألم، ليس لأن الخطر زال، بل لأن عقولنا توقفت عن استلام رسائل الاستغاثة.
غزة.. المختبر الكبير
كانت إبادة غزة إعادة تعريف للوضع الطبيعي في الوعي العالمي. فكانت إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية طوال عامين تختبران وتوسعان من حدود ما يمكن للعالم قبوله، عبر عدة منهجيات عصبية ونفسية، أهمها التكرار كآلية تدريب، مع رفع سقف العنف تدريجياً في كل تكرار، فالنفس البشرية تتخذ التكرار كأقصر طريق للتعود.
مشهد مجزرة مستشفى المعمداني[4] مثلاً الذي هزّ العالم بداية الإبادة، تكرر عشرات المرات بعدها، بطرقٍ أفظع وأكثر وحشية. تكرار هذه الأخبار والمشاهد، ورفع درجة توحشها بالتدريج، حوّلها إلى شيء مستهلَك، يقوم العقل الجمعي بفلترته لضمان بقائه الوظيفي.
كانت مجزرة المستشفى في السابع عشر من تشرين أول/ اكتوبر 2023، هي الاصطدام الأول بعتبة الألم العالمي، إذ ملأت صور المذبحة الإنترنت، خرجت الهاشتاغات، وقامت مظاهرات في عدد من الدول أمام السفارات، لتبقى المجزرة حديث الإنترنت لأيام، وقد كانت لحظةً فاصلة، لم يدرك العالم قبلها هذا المستوى من الوحشية، وعلى الرغم من ذلك، تكرر الأمر عشرات المرات بعدها وبمستوى أقسى، ولم يلقوا الضجيج نفسه الذي أحدثته المعمداني.

هند رجب التي شهدت قتل عائلتها وحوصرت مع جثثهم، وقُتلت بـ335 رصاصة في جسدها، تحولت قصتها إلى أيقونة، تأثر بها العالم، بكى لأجلها، أقامَ لها الوقفات، وصنع لها الأفلام والرسومات والمعارض.
لكن كم من هند رجب، باسمٍ مختلف، حوصِر وقُتِل، ولم يأخذ حتى حيّزاً في خبرٍ عاجل؟ أطفال مستشفى النصر الخُدّج، الذين تُرِكوا وحيدين حتى تعفنت جثثهم على الأَسِرّة.. كُلها أحداثٌ قاسية، تفوق قدرة العقل على التخيل، ولكن ما هو أقسى وما يثير رعباً أكبر، أن كل ما تلاها من أحداثٍ مؤلمة صار عادياً، لأنه تكرر يومياً، ولم يُثِر الصدمة الأولى نفسها.
كانت مجزرة المستشفى في السابع عشر من تشرين أول/ اكتوبر 2023، هي الاصطدام الأول بعتبة الألم العالمي، إذ ملأت صور المذبحة الإنترنت، خرجت الهاشتاغات، وقامت مظاهرات في عدد من الدول أمام السفارات، لتبقى المجزرة حديث الإنترنت لأيام، وقد كانت لحظةً فاصلة، لم يدرك العالم قبلها هذا المستوى من الوحشية، وعلى الرغم من ذلك، تكرر الأمر عشرات المرات بعدها وبمستوى أقسى، ولم يلقوا الضجيج نفسه الذي أحدثته المعمداني.
عرفتُ قصّة لطفلٍ كان يتلقى علاجاً نفسياً، قصفت إسرائيل والده أمامه، ذهب ليسعفه فقصفتهم ثانيةً، وحين هَمَّ آخرون لإسعافهم قصفتهم الطائرات مرةً ثالثة، فبُترت يد وقدمَ الطفل، الذي حوصِر لاحقاً في مستشفى كمال عدوان شمالي قطاع غزّة. اقتحم الجيش الإسرائيلي المستشفى وسخر أحد الجنود من وضع الطفل، قبلَ أن يُطلق رصاصةً على جسده، لينجو مرةً رابعة بجهود الأطباء.
هذه الملحمة التي عاشها طفلٌ واحد، كانت كفيلة بقلب العالم رأساً على عقب، لكنها ليست سوى قصة مثل آلاف القصص غيرها. هكذا يتلقى العالم الصدمة ويمتصّها، ليصبح كل ما بعدها مجرد ضجيج في الخلفية، يمكن التعايش معه.
الإعلام كمادة تخدير
لعب الإعلام دوراً مهماً في هذا السياق، وفيما يمكن تسميته بـ "العلاج بالصدمة"، وقد أخذ دوراً في عرض لحم الغزيين المحروق وأشلائهم على الشاشات باستمرار، من دون احترام لحرمتهم، نازعاً عنهم إنسانيتهم، حتى صار مشهد الدم والأشلاء مألوفاً. إضافةً إلى المخدرات الإعلامية والسياسية، كإشاعة أخبار المفاوضات الكاذبة في كل مرة يتعرض لها الناس لموتٍ أو توحش.
وما كان أكثر تأثيراً هو تصوير بعض وسائل الإعلام المحلية والعربية لغزة كجيش عظيم ضمن معركة. ففي ذروة المجازر، كانت بعض القنوات تتعمد استضافة محللين سياسيين، يحولون مشاهد الإبادة إلى معركة متكافئة، الغزيّ هو بطلُها.
عرفتُ قصّة لطفلٍ كان يتلقى علاجاً نفسياً، قصفت إسرائيل والده أمامه، ذهب ليسعفه فقصفتهم ثانيةً، وحين هَمَّ آخرون لإسعافهم قصفتهم الطائرات مرةً ثالثة، فبَترت يد وقدم الطفل، الذي حوصِر لاحقاً في مستشفى كمال عدوان شمالي قطاع غزّة. اقتحم الجيش الإسرائيلي المستشفى وسخر أحد الجنود من وضع الطفل، قبلَ أن يُطلق رصاصةً على جسده، لينجو مرةً رابعة بجهود الأطباء.
كل ما حدث مجتمِعاً، درّب العالم على أن يرى موت الفلسطيني طبيعياً وقدراً لا مفر منه، ومن هنا صار ممكناً أن يموت اللبناني أيضاً، والإيراني، والسوداني، واليمني، والأفغاني، بالدرجة نفسها من اللا مبالاة. هذا هو جوهر رفع تحمل الألم في الوعي الجمعي.
هذا التأطير البطولي عمل كآلية دفاعية تُقلل العبء الأخلاقي الذي يشعر به المشاهد، فخَلَق جمهوراً ينتقي الأخبار، يبدأ بالتفاعل مع أخبار المقاومة لأنها تُشبع رغباته وتُسقِط عنه المسؤولية، ويهرب من أخبار الموت والمجاعة لأنها ثقيلة على نفسه. كما يفعل المورفين تماماً، الذي يمنح العقل نشوة بينما الجسم في خطر، في حالة تتجاوز مجرد الانفصال التام.
لا يطال النقد فعل المقاومة بذاته كحق وواقع تفرضه المعاناة، ولا ينتقص منه، لكن الضرورة هُنا في نقد إعلام استغل المقاومة في منح المُشاهِد راحةً نفسية، بترويج أن الموت تضحيةٌ ضرورية وثمنٌ مقبولٌ للبطولة، وهو ما رأيناه كثيراً في مواقع التواصل الاجتماعي، ولا نزال نراهُ حتى اليوم، حينَ يتحوّل البعض للدعوة إلى مشاركة غزّة من جديد في الحرب الإقليمية، أو التشجيع على استمرار تسليح غزّة، باعتبارها البطل الذي لا يُقهَر، فيما يبقى سكان القطاع مرهقين متألمين لم تزُل عنهم آثار الحرب، ويعيشون في الخيام وبينَ الرُكام، ولا يزالون يركضون وراء سيارات المياه وطوابير الخُبز.
عدا عن ذلك، فقد استُخدمت ورقة المساعدات الإنسانية لتحويل حرب غزّة من إبادة إلى حالة إنسانية تستدعي الصدقة والتبرعات، لا التحرك الحقيقي والجاد، مما جرّد العالم من فعاليته السياسية، وشعر بتبرعه أنه يفعل شيئاً، فتصبح أخبار المذبحة أقل إلهاباً لنفسه.
والآن بعد الحرب، يعيش الغزيون حروباً أخرى، وتستهدفهم نيران إسرائيل يومياً، أفراداً وجماعات، ولكن لأن أعداد الضحايا لم تتجاوز سقف مجزرة من مجازر الإبادة، فلا تُرى أخبارها، ولا تتداولها القنوات الإخبارية.
كذلك الأمر مع لبنان وإيران وغيرها من المناطق، لا تُرى أخبار الحرب على لبنان بكثافة وربما نادراً ما تجدها، إلا حين تقع مجزرةً كُبرى، مثل مجازر بيروت الأخيرة. أمّا في إيران واليمن والسودان وغيرها، فلا أحد يتحدث عن مشهد المعاناة أو أثر القصف، إلا إذا استوفت شروط تحقيق الصدمة للمُشاهِد، ليعمل الإعلام هنا كمادة تخدير تمنع وصول الخبر.
استُخدِمت ورقة المساعدات الإنسانية لتحويل حرب غزّة من إبادة إلى حالة إنسانية تستدعي الصدقة والتبرعات، لا التحرك الحقيقي والجاد، مما جرّد العالم من فعاليته السياسية، وشعر بتبرعه أنه يفعل شيئاً، فتصبح أخبار المذبحة أقل إلهاباً لنفسه.
كيف صارت أخبار المجازر حدثاً عادياً، بدءاً من غزّة وحتى لبنان وإيران ودولاً أخرى؟ إجابة هذا السؤال تكمن في الآلية التي استُدرج بها وعينا الجمعي ليعتاد على هذا الموت، عبر إعادة برمجة أجهزتنا العصبية والحسية لرفع درجة تحملنا الألم والوحشية، بإسقاط آلية عمل الجهاز العصبي.
هذا الاعتياد والتعاطي مع إبادة غزة على مدار عامين، خلق مستوى أعمق من التكيف، سماه عالم النفس مارتن سليغمان بـ "العجز المكتسَب"، وهو فشل الاستجابة بعد التعرض للأخبار السلبية بشكل متكرر من دون القدرة على إحداث تغيير، فيستسلم الفرد للواقع[5].
حرب مستمرة.. على أطفالنا
19-03-2026
كل ما سبق مجتمِعاً، درّب العالم على أن يرى موت الفلسطيني طبيعياً وقدراً لا مفر منه، ومن هنا صار ممكناً أن يموت اللبناني أيضاً، والإيراني، والسوداني، واليمني، والأفغاني، بالدرجة نفسها من اللا مبالاة. هذا هو جوهر رفع تحمل الألم في الوعي الجمعي.
-
“How does the human body feel pain?”: https://tinyurl.com/34zwd34s ↑
-
“Neural habituation to painful stimuli”: https://tinyurl.com/mteanze7 ↑
-
“How do painkillers actually kill pain?”: https://tinyurl.com/2eevku4c ↑
-
- يعمل المستشفى مُنذ عام 1882، وقد أسسته جمعية الكنيسة الإرسالية التابعة لكنيسة إنجلترا، وأداره لاحقًا المذهب المعمداني الجنوبي كبعثة طبية بين عامي 1954 و1982. عادَ المستشفى تحتَ إدارة الكنيسة الأنجليكانية في الثمانينيات. ↑
-
“Theory of learned helplessness.”: https://tinyurl.com/364rde8s ↑



