موسم الهجرة إلى الحرب... "توابون جدد" و"وطنجية" على جبهات الرأي العام

بين "التوابين" و"الوطنجية"، ينفجر انقسام جيل حاول بناء هوية وطنية، ليعود في زمن الحرب الإقليمية إلى اصطفافات تعيد تعريفه بين الدين والدولة، فيما تتآكل شرعية القوى الشيعية وتتقدّم الفصائل كبديل... في الحروب، تتحدّث الأسلحة، ولا يجد التفكير والنقاش مقعداً بين أصوات الصواريخ والانفجارات الصاخبة، ولكن لا يوجد سلاح لا تقف وراءه قصة أو سردية ما، تمثل بوصلة تحدد الزوايا التي ستضبط اتجاهات السلاح وقبلته.

علي الأعرجي | موقع "جُمّار"


14 نيسان/ ابريل 2026

في الحروب، تتحدّث الأسلحة، ولا يجد التفكير والنقاش مقعداً بين أصوات الصواريخ والانفجارات الصاخبة، ولكن لا يوجد سلاح لا تقف وراءه قصة أو سردية ما، تمثل بوصلة تحدد الزوايا التي ستضبط اتجاهات السلاح وقبلته.

تكتب الحروب قصصاً قاسية، يجد الإنسان نفسه فيها مرغماً. وفي أرضٍ زاخرة بالقصص، مثل العراق، لن تكون الحرب الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية خالية من الانغماس المجتمعي التام، ولا من التحولات الفكرية، خصوصاً أن الحروب تعيد تشكيل الوعي والثقافات في المجتمعات.

الأسئلة الصعبة والأجوبة البسيطة 

من الجغرافيا إلى العقيدة وحتى هويّة الأطراف المتحاربة (إيران وأمريكا، الفاعلَين الرئيسيَين في العراق)، لن يجد العراقيون مخرجاً من هذا الوضع الصاخب، الذي كانوا جزءاً منه بدعوة أو بدونها طوال العقدين الماضيين. لكن التعقيد والمفارقات التي تملأ هذا الوضع التدميري ستجعل كل شيء استثنائياً، سيحتاج المتفاعلون بداخله تحضير إجابات لأسئلة لا تنتهي: من يناصر إيران اليوم “لأنها تواجه الكفار” كيف ناصر الكفار بالأمس ضد بلده المسلم في 2003 بل وواجه المقاومة ضد “الصديق الأمريكي”؟

 من قاوم الأمريكي بالأمس لأنه “إمبريالي استعماري ضد بلاد العرب والمسلمين” كيف يقف على الحياد أو يناصر الولايات المتحدة اليوم ضد إيران؟ من كان يهتف ضد إيران بالأمس ويتهمها وفصائلها بقتل نحو 800 شاب وإصابة وإعاقة نحو 20 ألفاً من العراقيين في انتفاضة تشرين كيف له أن يهتف لإيران و”المقاومة”؟ من كان تنويرياً كيف يتحرك في إطار السردية الدينية؟

أسئلة ملغومة وثقيلة انفجرت في المجتمع العراقي خلال جولة الـ40 يوماً من الحرب. وعموماً، إذا لم يكن بين السنة والشيعة مشتركات يمكن ذكرها فسيكون سلوك “الاصطفاف مع الأمريكي” للخلاص من “الظلم الصدامي”، أو “الاستضعاف الفصائلي” لكل طرف، مشتركاً مناسباً يجعل كلاً منهما يتفهم موقف الآخر، أو هكذا يُفترض.

الهجرة العكسية  

لكن الوجبة الدسمة على مائدة الأسئلة الثقيلة تتعلق بأنصار حراك تشرين أو الليبراليين أو التنويريين، بمختلف أسمائهم، الطبقة الشابة التي طرحت الأسئلة الكبيرة بعد مأساة داعش، وأقامت ورشاً كبيرة لإعادة التفكير بالهوية وهدم الأسوار الطائفية، وحملت مشروع الإجابة عن: “ما هو الوطن؟ وكيف يكون للعراق هوية؟”

عندما حلّت تشرين 2019 كانت بمثابة “يوم الفتح المبين” لترسيخ الهوية الضائعة بعد سنوات من الاغتراب، كان الباحثون عن هوية عراقية خالصة قد وجدوا “العائلة الكبيرة” في ساحات الاحتجاج، بعد أن كانت مجموعات صغيرة وأفراد يظنون أنهم يعيشون وحدهم في العراق ولا يوجد من يشبههم.

قبل ذلك، كانت الصدمة من الدماء والقتل المتبادل لأسباب طائفية وعقائدية قد دفعت هؤلاء نحو النظم الغربية و”المبادئ الوضعية”، كونها تكفل حياة الإنسان وتمنح العدالة للجميع ولا توزع الموت بناءً على الهوية والدين والطائفة، وصولاً إلى إعادة النقاش حول الثوابت الدينية الإسلامية.

لكن بعد طوفان الأقصى وآلة التدمير الإسرائيلية التي طالت البشر والحجر والأطفال والنساء في غزة ولبنان، بدعم أمريكي وصمت أوروبي وعجز دولي، عادت هذه الطبقات الشبابية إلى لحظة الصدمة الأولى، فبعد هروبهم من المبادئ الدينية نحو النظم الغربية بحثاً عن حقوق الإنسان واحترام الدماء، توصلوا إلى زيف المبادئ الغربية المدافعة عن حقوق الإنسان، ومن هنا انطلقت رحلة “الهجرة العكسية”.

النقاش حول زيف المبادئ الغربية من عدمه طويل، لكنّ سؤالاً عرضياً يقفز: لماذا لا يُنظر إلى خروج 45 ألف تظاهرة في أوروبا خلال عامين لدعم الفلسطينيين، بمشاركة عشرات الملايين من الناس، بوصفها الانعكاس الحقيقي للمبادئ الغربية وليس ممارسات ترامب ونتنياهو؟

“التوابون“ و“الوطنجية“.. انقسام من ولدوا لرتق الانقسام 

الطبقات الشعبية هذه التي ظهرت كـ”ضدٍّ نوعي” على الانقسام الطائفي والمناطقي من “التشرينيين ومناصري الليبرالية”، وصلت إلى ما كانت قد هربت منه، انقسمت إلى فريقين يخوّن أحدهما الآخر، فريق أُطلِق عليهم اسم “التوابين”، وهم من ناصروا إيران ومحور المقاومة بمن فيهم الفصائل العراقية التي كانوا يهتفون ضدها قبل سنوات. ومفردة “التوابين” هي استعارة عن الجنود العراقيين الأسرى الذين قرروا القتال إلى جانب إيران بعد انشقاقهم عن الجيش العراقي في حرب الثمانينات. أما الفريق الآخر فأُطلِقَ عليهم مصطلح “الوطنجية”، الذين ينظر إليهم كمجاميع “تهاجم الشيعة والحركات الشيعية فقط” ولا تطالب بالثوابت الوطنية ضد أي طرف آخر.

إذا ما استبعدنا فرضية أن هنالك سياقات منفصلة، وأن من يصفّ مع إيران ضد إسرائيل لا يصطف معها بالضرورة في ملفات الداخل العراقي، فسنجد أن “التوابين” يتحرّكون من منطلق “اغتراب آخر”، اغتراب من العولمة وزيف المبادئ الغربية. لكنهم بدلاً من إيجاد مقاربة بين ما كانوا يعارضونه من مبادئ دينية مذهبية تسحق الهوية القائمة على أساس “الداخل الوطني”، وبين الصدمة بالمبادئ الغربية، قرروا الهجرة العكسية نحو “الهوية الدينية المذهبية”، وباتوا يرفعون رصيد السردية التي كانت تعيش عليها بالفعل الفصائل والبيئة الشعبية المضادة، والقوى السياسية الحاكمة على أساس حماية الهوية المذهبية والمبادئ الإسلامية ضد الغزو الثقافي الغربي، الذي يتعامل مع كل منفتح على المبادئ الغربية على أنه “عميل”.

مقالات ذات صلة

أما “الوطنجية”، فهم يتحركون من منطلق الأولويات، ولا يعتبرون أنفسهم “حراساً للمبادئ العالمية”، وإذا لم تتمسك الحكومات الغربية بالمبادئ التي رسختها أو سوّقتها بلدانهم بعد الحرب العالمية الثانية، فلا يجب الارتماء بحضن السرديات الحاكمة المحلية، التي يحصدون ضررها يومياً على حياتهم ومستقبلهم، فالخيارات عديدة وليست محصورة في مبادئ دينية مقدسة، تجعل للمعسكر الذي يحملها الحق في كل شيء لأنه “معسكر الحق” قبالة معسكر الباطل، لأن بناء الدولة لا يقوم على أساس هذه الثنائية، ولا يمكن الوصول إلى حق مطلق أو باطل مطلق.

أم المفارقات  

بانتقالهم من اليسار إلى اليمين الديني المذهبي المناصر للمقاومة، لم يكن “التوابون”، كما أُطلِق عليهم، الوحيدين الذين تحركوا بين ضفتين، بل إن بيئة الفصائل والحشد -البيئة الشيعية العقائدية- تحركت هي الأخرى بالنقمة على قادتها، الذين منحتهم أصواتها الانتخابية بالأمس، فخونت وهاجمت قادة الإطار، ووصفت مواقفهم من الحرب تجاه إيران وقصف الحشد والفصائل بـ”المخزية”.

ولعل أبرز مثال تطبيقي على هذا الشعور المتصاعد هو الاعتداء على زعيم حركة بدر هادي العامري، وطرده وإطلاق النار الكثيف فوق موكبه من قبل عشائر في محافظة ذي قار، خلال تجمع عشائري لإحياء مرور أربعين يوماً على اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي.

تشوّهت صورة قادة الشيعة بالعراق في أنظار جمهور الحشد والفصائل، وهم ينظرون إلى القادة الإيرانيين يُقتلون وينزلون إلى الشوارع مضحين بأنفسهم، حتى طال الموت الشخص الأهم على الإطلاق في محور المقاومة علي خامنئي. بينما يغرق قادة الشيعة في العراق بالخطابات و”التاهوات” وصناعة الثراء، ولم يُقبل الشيعة على إيران وقادتها بهذا التبجيل إلّا بحثاً عن “الفخر والكرامة”، مقابل “الخنوع” الذي منحهم إياه قادة الشيعة هنا في العراق، فبينما تحملت البيئة الشيعية في العراق تردي الخدمات والمعيشة كان من المفترض أن يكون كلّ ذلك على الأقل ضريبة الحصول على “الكرامة والعزة ضد أعداء الشيعة”، لكن بفقدان الأمرين، ما الذي يجعل لقادة الشيعة في العراق “شرعية قيادة الشيعة أساساً”؟

تغيير النظام.. القوى المقربة من إيران ليست قريبة بما يكفي 

منذ اندلاع معارك الشرق الأوسط الجديد والمتغيرات التي حصلت في المنطقة، ذهبت القراءات نحو إمكانية حصول تغيير في النظام السياسي في العراق، أو على الأقل أن يطال التغيير موازين القوى في المشهد السياسي العراقي، الذي بالضرورة سيطال قادة الإطار التنسيقي ويقلّل من نفوذ القوى المعروفة بأنها “قريبة من إيران”، لكن ما يحصل اليوم هو أن القوى ذاتها متهمة أساساً من قبل جماهيرها بـ”الخيانة” وعدم الوفاء لإيران.

أصبحت شرعية القوى المقربة من إيران مهددة شعبياً، وهذه المرّة ليس لقربها من إيران، بل لأنها ليست قريبة منها بما يكفي، فتزعزعت شرعيتها في نظر البيئة الشيعية-الحشدية، بالإضافة إلى سقوطها مسبقاً في نظر البيئة الشيعية الليبرالية، ما يضعها أمام أزمة تمثيل حقيقية تتجاوز حدود الخلاف السياسي.

يفسح هذا الوضع المتشكّل حديثاً المجال أمام قوى الفصائل التي اصطفّت بحزم مع إيران خلال الحرب، ولعل نموذج كتلة حقوق الممثلة لفصيل “كتائب حزب الله” هي الأقرب لهذا النموذج، خصوصاً أنها لا تمتلك علاقة واضحة مع الإطار التنسيقي، فضلاً عن نواب آخرين يتحركون في الحيّز نفسه.

المسألة هنا تتجاوز التمثيل الانتخابي إلى طبيعة النظام السياسي نفسه. فخلال العقدين الماضيين، بقيت السلطة بيد قوى شيعية إسلامية، من دون أن تحسم موقع الدولة في الصراع الإقليمي، ومن دون أن تُترجم خطابها بشأن “العدو” إلى سياسات واضحة في التسليح أو الردع. هذا الوضع أنتج حالة مستمرة من تداخل مواقف الدولة مع مواقف الفصائل، من دون حدود واضحة بينهما.

طرْحُ انتقال الفصائل إلى موقع القيادة المباشرة يبدو، نظرياً، فرصة لإنهاء هذا الالتباس، فعندها تصبح قرارات المواجهة جزءاً من سياسة رسمية، ويُعاد تعريف موقع الدولة بصورة واضحة. هذا النوع من الحسم قد يبدو خياراً أفضل حتى لخصوم الفصائل، لأنه يضع حداً لحالة الغموض التي تحكم شكل الدولة والعلاقات الخارجية للبلاد، ويحوّلها إلى علاقة محددة يمكن قراءتها سياسياً.

مع ذلك، تبقى حظوظ تحقّق هذا السيناريو ضئيلة. فنمط عمل الفصائل يقوم على البقاء في منطقة تسمح بالتحرك من دون تحمّل المسؤولية الكاملة؛ والانتقال إلى سلطة مكشوفة يفرض اختباراً مباشراً في الأمن والاقتصاد والعلاقات الخارجية، ويُسقط هوامش المناورة والإنكار المتوفّرة في منطقة الظلّ التي يتحرّكون فيها. وفي هذه الحالة، تتحول القوة إلى عبء، وتفقد السردية قدرتها على الصمود. لهذا، يبدو أن استمرار الفصائل في هذا الموقع “البيني” هو خيار يضمن بقاء هذا الشكل من القوة لأطول فترة ممكنة.

تنشر هذه المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية ”نيريج“. 

مقالات من العراق

للكاتب/ة