لم يعد سؤال السلام في النظام الدولي المعاصر مرتبطاً فقط بإرادة إنهاء النزاعات، بل بالجهة التي تملك حق تعريفه وإدارته وتحديد شروطه. ففي لحظة يتزايد فيها الشلل داخل مجلس الأمن وتتآكل قدرة الأمم المتحدة على فرض مسارات تسوية مُلزِمة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، عن إطلاق "مجلس السلام"، كإطار جديد يضم دولاً مختارة، من بينها المغرب، في خطوة تعكس انتقال واشنطن من منطق إدارة النزاعات عبر الشرعية الدولية متعددة الأطراف، إلى منطق بناء هندسة سياسية انتقائية تقودها القوة والنفوذ.
ولم يكن إدراج الرباط ضمن هذا الترتيب مجرد تفصيل بروتوكولي، بل إشارة سياسية مكثفة إلى إعادة تعريف موقع المغرب داخل الاستراتيجية الأمريكية، بوصفه فاعلاً إقليمياً، يُعوَّل عليه في إعادة تشكيل توازنات النزاعات من الشرق الأوسط إلى الساحل الإفريقي.
ويأتي هذا التطور في سياق دولي، تتراجع فيه قدرة المؤسسات الأممية على إنتاج تسويات قابلة للتنفيذ، في ظل انقسامات حادة بين القوى الكبرى، وعجز متكرر عن وقف الحروب أو فرض حلول سياسية، من فلسطين إلى أوكرانيا، مروراً بليبيا والساحل. في المقابل، تتجه الولايات المتحدة إلى إنشاء دوائر نفوذ موازية تقوم على تحالفات سياسية وأمنية خارج الأطر القانونية التقليدية، بما يسمح لها بإدارة الأزمات وفق أولوياتها الاستراتيجية، بعيداً عن قيود التوافق الدولي.
ضمن هذه المقاربة، يصبح اختيار الدول المشارِكة فعلاً سياسياً بامتياز، يعكس تصور واشنطن لمن هم حلفاؤها الأكثر موثوقية، والقادرون على لعب أدوار وظيفية في إدارة النزاعات، أو على الأقل في تثبيت التوازنات التي تخدم رؤيتها للنظام الدولي.
بالنسبة إلى المغرب، يفتح هذا الانضمام أفقاً سياسياً معقّداً، يتجاوز رمزية المشاركة إلى إعادة تموضع فعلي داخل معادلة القوة الدولية. فمنذ الاعتراف الأمريكي بسيادته على الصحراء في كانون الأول/ ديسمبر 2020، تحوّلت العلاقة المغربية –الأمريكية من شراكة تقليدية إلى علاقة ذات حمولة استراتيجية واضحة، إذ لم يعد المغرب مجرد حليف إقليمي، بل طرفاً في تصور أمريكي أوسع لإعادة ترتيب المجال الجيوسياسي، الممتد من شمال إفريقيا إلى غربها.
وفي هذا السياق، يكتسب إدماج الرباط في "مجلس السلام" دلالة مزدوجة، فمن جهة، يعزز موقعها كشريك سياسي وأمني موثوق، ومن جهة أخرى، يربط حضورها في هندسة السلام الجديدة بحسابات واشنطن المتعلقة بملفات شديدة الحساسية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، حيث يحتفظ المغرب بوضع خاص، من خلال رئاسة لجنة القدس، وكذلك ملف الصحراء الذي لا يزال رسمياً تحت رعاية الأمم المتحدة.
غير أن هذه الخطوة تطرح أيضاً أسئلة تتجاوز المغرب نفسه، لتطال طبيعة النظام الدولي الذي يتشكل أمام أعيننا. فهل يمثل "مجلس السلام" بداية انتقال فعلي من نظام دولي قائم على الشرعية القانونية إلى نظام قائم على شبكات النفوذ؟ وهل يشكل إدماج دول مثل المغرب اعترافاً بدورها كقوة إقليمية صاعدة، أو إعادة توظيفها ضمن استراتيجية أمريكية لإدارة النزاعات، خارج الأطر التي لم تعد واشنطن قادرة على التحكم الكامل فيها؟ في هذا المفترق، يبدو انضمام المغرب علامة على تحولات أعمق، إذ يعاد رسم موقع الدول ووظائفها ضمن هندسة دولية جديدة، تتراجع فيها الحدود بين السلام كقيمة قانونية، والسلام كأداة في ميزان القوة.
مجلس السلام: إدماج المغرب في هندسة نزاعات خارج الأمم المتحدة
بطبيعة الحال، لم يكن إنشاء "مجلس السلام" في واشنطن مجرد مبادرة إنسانية لتنسيق إعادة إعمار قطاع غزة، بل بدا أقرب إلى إعلان سياسي غير مباشِر، عن انتقال الولايات المتحدة إلى نمط جديد في إدارة النزاعات الدولية، يتجاوز البنية القانونية التي مثلتها الأمم المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ويؤسس لمنطق يقوم على تحالفات انتقائية، تُصاغ وفق أولويات القوة، لا وفق قواعد التمثيل الدولي.
علامات العصر الجديد
08-01-2026
ففي لحظة عجِز فيها مجلس الأمن عن فرض وقف دائم للحرب أو إنتاج مسار سياسي ملزِم، اختارت واشنطن إنشاء إطار موازٍ يسمح لها بإدارة المرحلة التالية للحرب، ليس بوصفها قضية نزاع سياسي مفتوح على تسوية تفاوضية، بل باعتبارها مسألة إعادة استقرار وإعادة بناء، تقودها الدول التي تتمتع بالموثوقية الاستراتيجية من وجهة نظرها.
اعتمدت الرباط تاريخياً، على موقعها كفاعل قادر على التحرك بين مستويات متعددة: حليف استراتيجي للغرب، وشريك داخل الفضاء العربي والإفريقي، وفاعل ملتزم بالمرجعية الأممية في النزاعات. غير أن المشاركة في ترتيبات أمنية وتنموية تُصاغ خارج الأمم المتحدة، تحمل خطر إعادة تعريف هذا الموقع بحيث يصبح المغرب، في نظر شركاء وخصوم على السواء، جزءا من شبكة نفوذ تقودها الولايات المتحدة.
تتجه الولايات المتحدة إلى إنشاء دوائر نفوذ موازية تقوم على تحالفات سياسية وأمنية خارج الأطر القانونية التقليدية، بما يسمح لها بإدارة الأزمات وفق أولوياتها الاستراتيجية، بعيداً عن قيود التوافق الدولي. ويبدو انضمام المغرب علامة على تحولات أعمق، إذ يعاد رسم موقع الدول ووظائفها ضمن هندسة دولية جديدة، تتراجع فيها الحدود بين السلام كقيمة قانونية، والسلام كأداة في ميزان القوة.
وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قدّم هذا التوجه بصراحة، حين اعتبر أن إنشاء المجلس جاء نتيجة "انسداد الأطر التقليدية"، وأن إعادة إعمار غزة ليست خياراً سياسياً قابلاً للنقاش، بل ضرورة لمنع عودة العنف. وفي هذا الطرح، لم يعد السلام نتيجة تسوية سياسية بقدر ما صار عملية إدارة للنتائج المادية للنزاع، أي تثبيت واقع جديد على الأرض يمكن البناء عليه لاحقاً. أما الممثل الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز، فقد ركّز على البعد العملياتي، متحدثاً عن انخراط أكثر من سبعين دولة في مركز القيادة المدني العسكري، وتحسّن مؤشرات الإمدادات الإنسانية، في إشارة إلى أن الشرعية الجديدة تُبنى من خلال القدرة على التنفيذ، لا من خلال قرارات تصدر عن مؤسسات دولية تعاني من الشلل.
ضمن هذا الإطار، لا يبدو اختيار المغرب مجرد مشاركة رمزية لدولة عربية في جهد إعادة الإعمار، بل جزءاً من تصور أمريكي أوسع لإعادة ترتيب شبكة الحلفاء الذين يمكن الاعتماد عليهم في إدارة النزاعات خارج القنوات الأممية. فالمغرب، الذي نسج خلال العقدين الأخيرين علاقة استراتيجية متصاعدة مع واشنطن، تحول تدريجياً من حليف إقليمي تقليدي إلى شريك وظيفي في ترتيبات الأمن الإقليمي، مستفيداً من موقعه الجغرافي عند تقاطع أوروبا وإفريقيا، ومن استقراره الداخلي مقارنة بمحيطه الإقليمي، ومن قدرته على الحفاظ على علاقات متوازِنة، مع أطراف متعارِضة في الشرق الأوسط وإفريقيا.
العقيدة الدبلوماسية المغربية وسياسية التوازن
إعلان وزير الخارجية ناصر بوريطة عن دعم المغرب لأية مبادرة تروم تحقيق سلام دائم، مع التشديد في الوقت نفسه، على أن إعادة الإعمار يجب أن تبقى مرتبطة بحل سياسي قائم على المرجعيات الدولية، يعكس إدراك الرباط لحساسية اللحظة، فمن جهة، يتيح الانخراط في المجلس موقعاً داخل دائرة إنتاج القرار المرتبط بمرحلة ما بعد الحرب، ومن جهة أخرى، يفرض الحفاظ على مسافة سياسية، تمنع اختزال القضية الفلسطينية في بعدها الإنساني أو التقني.
وهذا التوازن ليس جديداً في السياسة الخارجية المغربية، التي سعت تاريخياً إلى الجمع بين الانخراط في التحالفات الغربية والحفاظ على موقع داخل الإجماع العربي، خاصة في ظل رئاسة الملك محمد السادس للجنة القدس، وهي صيغة تمنح الرباط دوراً رمزياً، في الدفاع عن المرجعية السياسية للقضية الفلسطينية، حتى وهي تنخرط في ترتيبات تقودها واشنطن.
غير أن ما يجري يتجاوز البعد الفلسطيني نفسه، ليعكس إعادة توزيع أوسع للأدوار داخل النظام الدولي قيد التشكل. فإشراك دول مثل المغرب في ترتيبات أمنية وتنموية مرتبطة بإدارة النزاعات، يعكس انتقالاً من نظام كانت القوى الكبرى تحتكر فيه إنتاج الأمن، إلى نظام يعتمد على "قوى وسيطة"، تُمنح أدواراً تنفيذية مقابل إدماجها في دوائر النفوذ.
في هذا السياق، يصبح الانخراط في "مجلس السلام" اعترافاً ضمنياً بالمغرب، كشريك قادر على لعب أدوار خارج حدوده، سواء عبر المشاركة في جهود إعادة الإعمار أو عبر المساهمة في ترتيبات الاستقرار الإقليمي.
وهذا التحول يكتسب دلالة خاصة، إذا ما قُرئ في ضوء قضية الصحراء، التي ظلت لعقود ملفاً تحت رعاية الأمم المتحدة، لكنه شهد تحولاً نوعيا مع الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الإقليم سنة 2020. فانتقال واشنطن إلى إنشاء أطر موازية لإدارة النزاعات يفتح نظرياً، إمكانية نقل معالجة بعض القضايا من الفضاء الأممي، حيث تتوزع موازين القوة بين أطراف متعددة، إلى فضاءات تقودها تحالفات سياسية أكثر قابلية للتأثير الأمريكي فيها.
ضمن هذا المنظور، لا يمكن فصل إدماج المغرب في ترتيبات أمنية جديدة، عن الرهان الأمريكي على حلفاء إقليميين مستقرين، يمكن الاعتماد عليهم في تثبيت التوازنات، سواء في شمال إفريقيا أو في الساحل، حيث يتزايد التنافس الدولي على النفوذ.
هناك إعادة توزيع أوسع للأدوار داخل النظام الدولي قيد التشكل. فإشراك دول مثل المغرب في ترتيبات أمنية وتنموية مرتبطة بإدارة النزاعات، يعكس انتقالاً من نظام كانت القوى الكبرى تحتكر فيه إنتاج الأمن، إلى نظام يعتمد على "قوى وسيطة"، تُمنح أدواراً تنفيذية مقابل إدماجها في دوائر النفوذ.
وفي عالم يتجه نحو تجاوز المركزية الأممية، لصالح شبكات نفوذ متعددة المستويات، يصبح السلام نفسه مجالاً لإعادة توزيع القوة. وضمن هذا التحول، يبدو انضمام المغرب إلى "مجلس السلام" أقل ارتباطاً بإعادة إعمار غزة وحدها، وأكثر ارتباطاً بإعادة تعريف موقعه داخل نظام دولي، يتشكل على أنقاض التعددية الكلاسيكية، إذ لم يعد السؤال فقط كيف تنتهي الحروب؟ بل مَن يملك سلطة إدارة نهاياتها؟ ومَن يُمنَح موقعاً داخل النظام الذي يولد من تحت أنقاضها؟
في الوقت نفسه، يمنح هذا التموضع الرباط فرصة لتعزيز موقعها كفاعل يتجاوز دوره الإقليمي التقليدي، عبر الانتقال من موقع المتلقي للقرارات الدولية إلى موقع المشارِك في صياغتها. فالمغرب، الذي راكم خبرة طويلة في عمليات حفظ السلام، وفي الوساطات الإفريقية، وفي بناء شبكات تعاون أمني وديني في غرب إفريقيا، يسعى إلى تحويل هذا الرصيد إلى نفوذ سياسي داخل ترتيبات الأمن الجديدة. غير أن هذا الانتقال يحمل أيضاً مفارقة أساسية، فكلما توسع دور الدولة داخل هندسة الأمن التي تقودها قوة عظمى، ازداد ارتباط موقعها الاستراتيجي بتوازنات تلك القوة ومصالحها.
وفي عالم يتجه نحو تجاوز المركزية الأممية، لصالح شبكات نفوذ متعددة المستويات، يصبح السلام نفسه مجالاً لإعادة توزيع القوة. وضمن هذا التحول، يبدو انضمام المغرب إلى "مجلس السلام" أقل ارتباطاً بإعادة إعمار غزة وحدها، وأكثر ارتباطاً بإعادة تعريف موقعه داخل نظام دولي، يتشكل على أنقاض التعددية الكلاسيكية، إذ لم يعد السؤال فقط كيف تنتهي الحروب؟، بل من يملك سلطة إدارة نهاياتها؟، ومن يُمنَح موقعاً داخل النظام الذي يولد من تحت أنقاضها؟
كلفة الانخراط في هندسة سلام خارج الشرعية الأممية
من جهة ثانية، فإن الانخراط في "مجلس السلام" لا يفتح أمام المغرب فقط أفق التموقع داخل دوائر القرار الجديدة، بل يضعه أيضاً أمام مفارقة دقيقة، تتعلق بكلفة هذا التموضع في لحظة يعاد فيها تعريف معنى السلام نفسه، خارج الأطر التي منحت لعقود غطاء قانونياً وأخلاقياً لمشاركة الدول في إدارة النزاعات.
فالمغرب، الذي بنى جزءاً مُهمّاً من صورته الدولية على الالتزام بالشرعية الأممية، وعلى الدفاع عن الحلول السياسية متعددة الأطراف، يجد نفسه اليوم داخل إطار تقوده قوة عظمى أعلنت صراحة، عن أن هذا المجلس جاء نتيجة "انسداد الأطر التقليدية". وهذه الصيغة تحمل في جوهرها تحولاً في مركز إنتاج الشرعية، من مؤسسة دولية تقوم على التوافق، إلى تحالف انتقائي يقوم على القوة.
وفي سياق شديد الحساسية مثل غزة، حيث لا يزال النزاع مفتوحاً على أبعاده السياسية والرمزية، قد لا يُقرأ الانخراط في ترتيبات إعادة الإعمار باعتباره مساهمة إنسانية فقط، بل كجزء من عملية أوسع لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، وفق شروط القوة التي تفرض الوقائع على الأرض.
الناس ليسوا على دين ملوكهم
04-03-2026
سيون أسيدون.. "الجسر بين العوالِم"
13-11-2025
وهنا تحديداً تكمن المخاطرة الرمزية. فالدول المشارِكة في هندسة الإعمار تصبح، بحكم وجودها جزءاً من النظام الذي يتشكل فوق أنقاض النزاع، حتى وإن أعلنت عن تمسكها بالمرجعيات السياسية التقليدية. وفي فضاء عربي وإسلامي لا تزال فيه القضية الفلسطينية معياراً للشرعية الأخلاقية والسياسية، قد يتحول أي انخراط داخل إطار تقوده واشنطن إلى موضوع مساءلة، ليس بقدر ما يحققه من نتائج عملية، بل بقدر ما يعكسه من اصطفاف داخل موازين القوة القائمة.
قد يوفِّر الانخراط للمغرب فرصاً لتعزيز موقعه، لكنه يربطه أيضاً بدرجة أكبر بالتحولات في الاستراتيجية الأمريكية، بما تحمله من استمرارية محتملة، أو من تغيرات مفاجِئة، تفرضها التحولات السياسية داخل واشنطن نفسها.
إلى جانب البعد الرمزي، يطرح الانخراط في مثل هذه الأطر سؤالاً، يتعلق بهامش المناورة الذي لطالما شكّل أحد أهم موارد السياسة الخارجية المغربية. فقد اعتمدت الرباط تاريخياً، على موقعها كفاعل قادر على التحرك بين مستويات متعددة: حليف استراتيجي للغرب، وشريك داخل الفضاء العربي والإفريقي، وفاعل ملتزم بالمرجعية الأممية في النزاعات. غير أن المشاركة في ترتيبات أمنية وتنموية تُصاغ خارج الأمم المتحدة، تحمل خطر إعادة تعريف هذا الموقع بحيث يصبح المغرب، في نظر شركاء وخصوم على السواء جزءا من شبكة نفوذ تقودها الولايات المتحدة.
في هذه الحال، لا يعود الأمر مجرد انخراط في مبادرة محددة، بل تحولاً تدريجياً في صورة الدولة، من وسيط محتمل إلى طرف داخل هندسة سياسية محدّدة المعالم. كما أن الطبيعة العملياتية لمثل هذه المجالس تحمل في طياتها احتمال التوسع التدريجي في الوظائف. فالتجارب الدولية السابقة تُظهِر أن الأطر التي تبدأ كمبادرات إنسانية لإعادة الإعمار غالباً ما تتطور إلى ترتيبات أمنية تهدف إلى حماية المشاريع، وتأمين خطوط الإمداد، وضمان الاستقرار الميداني.
في هذه المرحلة، يصبح الفصل بين العمل الإنساني والعمل الأمني أكثر هشاشة، وتتحول المشاركة إلى عنصر داخل معادلة ميدانية معقدة، إذ لا تُقاس النتائج فقط بمدى نجاح إعادة البناء، بل أيضاً بمدى ارتباط الأطراف المشارِكة بموازين القوة التي تحكم النزاع.
ولا يمكن فصل هذه المخاطر عن السياق الأوسع الذي يتحرك فيه المغرب، وعلى رأسه قضية الصحراء التي ظلت لعقود ملفاً يُدار ضمن إطار الأمم المتحدة. فكلما توسعت آليات إدارة النزاعات خارج هذا الإطار، تغيرت البيئة السياسية التي تتحرك داخلها هذه الملفات.
العبودية الجديدة
06-10-2025
صحيح أن إدماج المغرب في "مجلس السلام" لا يعني نقل ملف الصحراء إلى فضاء مماثِل، لا سيما بعد القرار الأممي الأخير باعتبار مبادرة الحكم الذاتي المغربية هي الأساس المرجعي لأي حل، لكنه يعكس تحولاً في طبيعة النظام الدولي نفسه، حيث تصبح القدرة على بناء التحالفات، والانخراط في ترتيبات تقودها القوى الكبرى، عاملاً حاسماً في تحديد موازين النفوذ.
في هذا السياق، قد يوفر الانخراط للمغرب فرصاً لتعزيز موقعه، لكنه يربطه أيضاً بدرجة أكبر بالتحولات في الاستراتيجية الأمريكية، بما تحمله من استمرارية محتملة، أو من تغيرات مفاجئة، تفرضها التحولات السياسية داخل واشنطن نفسها.





