"اغتيال الناشطة النسوية العراقية ورئيسة منظمة حرية المرأة في العراق يَّنار محمد[1]، على أيدي مسلحين أمام بيتها، يوم الثاني من مارس/آذار، في منطقة شعبية في بغداد". سقط الخبر كمطرقة ثقيلة على رأسي، فأطلق يأساً كبيراً كنت أحاول جاهدة مقاومته، على الرغم من كل ما يحدث من حولنا من أهوال. أسرعتُ أرسل لكل من أعرف قربهن من يَّنار عسى أن ينفينَ الخبر، لكن للأسف جميعهن أكّدْنَ صحته. إحدى الصديقات التي كانت يَّنار وحراك تشرين 2019 سبباً رئيسياً في تعارفنا كتبت لي بعد خبر اغتيالها: "كنا نحلم أن السلطة ستكون للجماهير المنتفِضة، كما كان مكتوباً على اللافتة المعلقة بين نخلتين، فوق خيمة اعتصام منظمة حرية المرأة في ساحة التحرير. قطعوا النخلتين أولاً، والآن قتلو يَّنار، وقريباً سيقضون على الشعب".
التقيت يّنار في بغداد في تشرين الثاني/ نوفمير عام 2019 . كان حراك تشرين في أوجه، وشوارع بغداد تضج بالمتظاهرين ضد فساد الحكومة والبطالة وسوء الخدمات. دخلتُ من البوابة الحديدية لمنظمة حرية المرأة في العراق إلى مقرها في شارع السعدون، إلى بيت يشبه كل بيوت بغداد التي أتذكرها في طفولتي. استقبلتني حديقة مزروعة بالورود وفسحة أمامية تملأها شمس بغداد بدفءٍ لا يزيد عليه سوى الدفء الذي استقبلتني به موظفات المنظمة في الداخل. كانت رفيقتي متحمسة لتريني المكان الذي تعرفه جيداً، بحكم عملها مع المنظمة وتحديداً مع يَّنار محمد إحدى مؤسِسات المنظمة ورئيستها. أدخلتني إلى غرفة صغيرة فيها طاولة بيضاوية يحيطها عدد من الكراسي وسبورة بيضاء معلقة على الحائط أمامها "هنا تتعلم "البنات" القراءة والكتابة، وأيضاً اللغة الإنجليزية"، أعلنت بابتسامة فخورة فهمتها جداً. بالنسبة إليّ، كانت هذه الغرفة كافية لأن يمتلئ قلبي بالامتنان لمن خلقتْ هذه المساحة الآمنة لنساء وفتيات لم تكن الحياة حنونة عليهن، حتى وصولهن إلى هذه المنظمة. فكثير منهن، وبسبب ظروفهن الصعبة، لم تسنح لهن الفرصة ليستمررن في التعليم، و في أحيان كثيرة لم يكنَّ قد دخلن المدارس أصلاً، ولا تعلمن القراءة والكتابة.
كانت هذه الغرفة كافية لأن يمتلئ قلبي بالامتنان لمن خلقتْ هذه المساحة الآمنة، لنساء وفتيات لم تكن الحياة حنونة عليهن، حتى وصولهن إلى هذه المنظمة. فكثير منهن، وبسبب ظروفهن الصعبة، لم تسنح لهن الفرصة ليستمررن في التعليم، وفي أحيان كثيرة لم يكنَّ قد دخلن المدارس أصلاً، ولا تعلمن القراءة والكتابة.
معظم من كن يعملن هناك كنَّ من فتيات تم إنقاذهن من تعنيف أسري أو ظروف أكبر هددت حياتهن. كان يرافق بعضهن أطفالهن الصغار، يملأون المكان بصوت لعبهم وضحكاتهم، ويجدون العناية من كل النساء من حولهم، فكأن لديهم قرية من الأمهات.
تجولت في باقي البيت ومكاتبه، مكتباً لإصدار جريدة "المساواة" النسوية، مكتباً لإذاعة راديو المساواة، ومكتباً للإدارة، ومطبخاً صغيراً تحلقنا فيه حول أكواب الشاي العراقي المعطر بالهيل وأحاديث تعارف ونقاشات عن حراك تشرين. لم يكن "البيت" مجرد مركزٍ للمنظمة، كان أشبه بالمأوى لفتيات ونساء وجدنَ فيه العمل والأسرة البديلة. فمعظم من كن يعملن هناك كنَّ من فتيات، تم إنقاذهن من تعنيف أسري أو ظروف أكبر هددت حياتهن. كان يرافق بعضهن أطفالهن الصغار، يملأون المكان بصوت لعبهم وضحكاتهم، ويجدون العناية من كل النساء من حولهم، فكأن لديهم قرية من الأمهات.
تعرفت على يَّنار في مكتبها الصغير في المنظمة. تلك المرأة التي تركت عملها المريح كمهندسة معمارية في كندا، حيث لجأت مع أسرتها عام 1993، لتعود إلى العراق عام 2003 لتؤسس إحدى أقوى المنظمات النسوية الحقوقية في العراق. كانت تعيش أعواماً طويلة تحت التهديد بالأذى والتصفية واتهامات ملفقة بالاتجار بالبشر، بسبب نشاطها في انتشال الفتيات والنساء وإنقاذهن، إضافة إلى تأسيسها بيوت إيواء سرية آمنة في عدة مدن عراقية، لحماية النساء المعرضات للخطر. كانت يَّنار دافئة وجدية في الوقت نفسه، متحمسة للحديث عن المنظمة وكأن في عينيها تمر مئات الأفكار في ثوانٍ قليلة. انتقلنا معاً، بعد حديث تعارف قصير، إلى غرفة الاستقبال حيث ارتفعت أصوات الفتيات وهنَّ يتحدثن عما يحدث في اعتصام ساحة التحرير، عن خيمة الاعتصام التي نصبتها المنظمة، وعن البيانات التي تصدر عنها. كن يحذرنَّ بعضهنَّ من خطر استهدافهنّ، ويطمئنَّ بعضهن على بعض. ناولتني يَّنار نسخة من جريدة المساواة التي تصدر عن المنظمة، وعرفتني إلى الناشطة الشابة المسؤولة عن متابعة إصدارها. أشارت إحدى الفتيات إلى مقالة في الجريدة، عن مطعم "سمرة" التابع للمنظمة، والذي تعود جميع أرباحه إلى النساء اللواتي يقمن بإدارته، وكن أيضاً ممن أنقذتهن المنظمة، ووفرت لهن المأوى الآمن.
"زَوَّجَها والدها في سن الحادية عشرة، من رجل في سنه هو، كان مَديناً له بالمال، فقدمها بديلاً من سد دينه. تزوجها الرجل ثلاث سنوات، ثم رمى بها في الشارع حاملاً بطفلتها التي تحملها على كتفها الآن. لم يعد يريدها بعد أن صارت بطنها ممتلئة بمسؤولية لم يكن مستعداً لتحملها، ولم تكن لتعود إلى أسرة باعتها وباعت طفولتها مقابل سد دين، فلجأت إلينا".
تعرفت في المنظمة أيضاً إلى باحثتين شابتين من العراقيات المغتربات، صرن صديقات مقربات فيما بعد، جئنَّ ليشهدنَ لحظة حراك تشرين التاريخية وليتواصلن مع هذه الأرض التي اقتلعن منها، مثلي أنا. كنا نتحدث مع بعضنا ومع الناشطات، تملأ أصواتنا وأفكارنا المكان ونتحلق حول يَّنار. كانت أهدأ مَن فينا، تمتلئ عيناها بالفخر كلما تحدثت إحدى الفتيات اللواتي أنقذتهن المنظمة من براثن الخطر والإهمال، وحتى الموت في أحيان كثيرة. كان صوت يَّنار يأتي فقط لتقدم إحداهن: فُلانة "شاطرة، تدرس لتصبح محامية قريباً، لتدافع عن النساء وحقوقهن. فتعلوا الابتسامة وجه محامية المستقبل، وتنفرد أكتافها بثقة، لتبدأ بالحديث عن كيف أعطتها المنظمة المساحة الآمنة لتكْمل دراستها وتحقق نفسها. أما فلانة فقد جاءت إلى المنظمة مع طفلين هاربة من زوج معنِّف كاد أن يقتلها، فصارت ناشطة تنقذ نساء يمررن بمثل ما مرت به. اعتصر قلبي عندما حكت لي يَّنار عن مراهقة لا تتعدى الخامسة عشرة كانت تلاعب الأطفال وتركض معهم من حولنا بين المكاتب والحديقة، وهي تحمل طفلة رضيعة تلاعبها بين يديها. "زَوَّجَها والدها في سن الحادية عشرة، من رجل في سنه هو، كان مَديناً له بالمال، فقدمها بديلاً من سد دينه. تزوجها الرجل ثلاث سنوات، ثم رمى بها في الشارع حاملاً بطفلتها التي تحملها على كتفها الآن. لم يعد يريدها بعد أن صارت بطنها ممتلئة بمسؤولية لم يكن مستعداً لتحملها، ولم تكن لتعود إلى أسرة باعتها وباعت طفولتها مقابل سد دين، فلجأت إلينا".
ريهام يعقوب، بنتُكَ يا وطن...
23-08-2020
"ما الذي بينك وبين الله يا بان؟"
19-08-2025
نمت ليلتها بعد عودتي من اعتصام ساحة التحرير، في أحد البيوت الآمنة السرية التابعة للمنظمة، بسبب إغلاق الجسور والطرق في بغداد، وتعذّر وصولي إلى بيت أقاربي. استضافتني في البيت الآمن امرأة تعيش مع طفلها المريض، وحكت لي قصة إنقاذ يَّنار لها من التعنيف الأسري في إحدى المحافظات، وكيف حوَّلها ذلك هي أيضاً إلى ناشطة في مجال حقوق المرأة ومنقذة للنساء. حدثتني عن محاولة اختطاف تعرضت لها مؤخراً، بعد مغادرتها اعتصام ساحة التحرير، وكيف استطاعت مغافلة من كانوا يلاحقونها والهرب منهم.
يَّنار كانت تعرف جيداً أن نشاطها سيؤدي إلى قتلها يوماً، وحاولت تفادي ذلك أطول فترة ممكنة، لكنها لم تتراجع لحظة عما آمنت به، وتركت حياتها الآمنة البعيدة من أجله.
تعرفتُ في تلك الرحلة إلى نساء و رجال، عملن/عملوا مع يَّنار محمد وكثير منهن/منهم كانوا مدينين/مدينات لها، سواء بفرص أخرى للحياة، أو بفرص عمل في بلد تشح فيه فرص الحياة والعمل معاً، فآمنوا برسالتها رغم تعرضهم للتهديدات والمخاطر. قابلتها مرة واحدة فقط، صرنا بعدها صديقات على الفيسبوك، نعلق على بعضنا أحياناً بموَّدة. لم ألتق بها بعد هذه الرحلة أبداً، لكن تأثيرها كان محيطاً بي في كل مكان، حتى قبل لقائنا القصير في بغداد. كنتُ أشعر بأنني أعرفها جيداً، ليس فقط لأنها كانت سبب صداقات أعتزُ بها، ولكن لأن كل ما كتبته عن نضال المرأة العراقية بعد عام 2003، كان دائماً ما يعيدني إلى يَّنارمحمد، ومنظمة حرية المرأة في العراق، ودورها الكبيرخلال 23 عاماً في إنقاذ الآلاف من النساء العراقيات، والمدافعة عن حقوق ملايين أخريات في مواجهة جرائم "شرف"، والاتجار بهن والاستغلال الجنسي، مشرِّعين لقوانين تظلم المرأة، ومليشيات وأحزاب حاكمة، وسلطة عشائرية، وتهجير وإهمال حكومي متعمَّد للأقليات العرقية والكثير الكثير من الظلم.
العراقيون غير متساوين، والقضاء يفقد سلطته
18-09-2025
نساء العراق يقاومن العسف في بلدٍ منكوب
08-01-2022
يَّنار كانت تعرف جيداً أن نشاطها سيؤدي إلى قتلها يوماً، واختارت أن تحاول تفادي ذلك أطول فترة ممكنة، لكنها لم تتراجع لحظة عما آمنت به، وتركت حياتها الآمنة البعيدة من أجله. في إحدى مقابلاتها المصورة في النرويج بعد استلامها جائزة رافتو لعام 2016، التي تمنحها منظمة رافتو لحقوق الإنسان، وبعد سؤالها عن كيفية تعاملها مع الخطر المستمر الذي يحيط بعملها كناشطة ورئيسة منظمة نسوية في العراق، ردت يَّنار بصوتها الهادئ الثابت وبلغة إنجليزية لا تخلو من لكنة عراقية واضحة "العراق هو وطني. أنا ولدت في بغداد، وهي مدينتي التي عشت وكبرت فيها. كل من أحب وأحترم موجود فيها، لذلك فكرة أن أتنحى جانباً ليست الحل. العيش في أمان بالنسبة إليّ لا يعني شيئاً، إن لم أستطع أن آخذ شيئاً من ذلك الأمان إلى العراق".
-
يّنار محمد، ناشطة عراقية نسوية وعضوة مؤسِّسة لمنظمة حرية المرأة في العراق، معروفة بنضالها الكبير من أجل حقوق المرأة العراقية منذ عام 2003 وهي حاصلة على العديد من الجوائز المهمة في مجال حقوق الإنسان، مثل جائزة جربر لحقوق المرأة عام 2008، وجائزة رافتو لحقوق الإنسان عام 2016، وجائزة حقوق الإنسان الفرنسية الألمانية عام 2025. ولدت ينار في بغداد عام 1960، وحصلت على بكالوريوس وماجستير في الهندسة المعمارية. وقد انتمت إلى الحزب الشيوعي العمالي العراقي مذ كانت طالبة جامعية. هاجرت إلى كندا مع عائلتها، وعادت إلى العراق عام 2003 لتؤسس منظمة حرية المرأة في العراق. اغتيلت على يد مسلحين أطلقوا النار عليها، وهي تغادر بيتها، في حي شعبي في بغداد صباح 2 آذار/ مارس 2026. ↑






