"باليناله" أو مهرجان فلسطين: أوجِدوا البديل إن لَم يوجَد

المتحدّث باسم الحكومة الألمانية قال في عز حرب الابادة على غزة إنه "لا يمكن السماح لذلك بالاستمرار".. وكان يقصد التضامن العلني مع فلسطين برموز مثل الكوفية، وتصريحات لفنانين وصناع أفلام يهاجمون فيها الاحتلال الاسرائيلي بصورة مباشرة. فجاء جواب المتضامِنين تنظيم مهرجان باليناله" Palinale الخاص بفلسطين مقابل "مهرجان برلين" المنحاز لاسرائيل. شكّل موقف المهرجان في محطّات عِدّة، في دورتيه السابقتين عامي 2024 و2025، وأثناء ذروة أيام حرب الإبادة الإسرائيلية، لا خيبة أمل فقط، إنما تواطؤاً كاملاً مع موقف ألمانيا الرسمية، وبالتالي مع جرائم الحرب الإسرائيلية.
2026-02-12

شارك
لقطة من الفيلم القصير "الزهور تقف بصمتٍ تشهد" (2024)، للمخرج اليوناني-الفلسطيني ثيو باناغوبولوس، يُعرض في مهرجان "باليناله"، ويستند إلى صور فوتوغرافية أرشيفية وجدها المخرج لرحّالة اسكتلندي وثّق أزهار فلسطين البرية في فترة الانتداب البريطاني.
إعداد وتحرير: صباح جلّول

عام 2025، دعت الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل (PACBI) إلى مقاطعة مهرجان برلين السينمائي الدولي "برليناله"، بسبب "تواطئه في الإبادة الجماعية التي ترتكبها دولة الاحتلال الإسرائيلي في غزة". والحملة الفلسطينية للمقاطعة الثقافية هي عضو مؤسِّس للجنة الوطنية لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات (BDS)، وقد وجهت دعوتها في مثل هذه الأيام من شهر شباط/ فبراير من العام الماضي إلى المشاركين وصناع الأفلام من حول العالم، والعرب بشكل خاص، إلى مقاطعة المهرجان والانسحاب منه، بناء على موقف المهرجان في العام الذي سبقه، أي 2024.

جاء في بيان حملة المقاطعة استعراض للمواقف التي أدانت فيها المؤسسة السياسية والإعلامية الألمانية صُنّاع الأفلام المشاركين في المهرجان "الذين طالبوا بوقف إطلاق النار في غزة وانتقدوا نظام الاستعمار الاستيطاني والأبارتهايد الإسرائيلي"، بما فيها مواقف وزراء وساسة ألمان، بينهم وزيرة الثقافة ورئيس بلدية برلين وعضو مجلس الشيوخ الثقافي، وصولاً إلى المستشار الألماني حينها، أولاف شولتز، وقول متحدّث باسم الحكومة الألمانية إنه "لا يمكن السماح لذلك بالاستمرار"، تعليقاً على التضامن العلني مع فلسطين برموز مثل الكوفية وتصريحات لفنانين وصناع أفلام يهاجمون فيها الاحتلال بصورة مباشرة.

إزاء كل ذلك، وبدل أن يقف المهرجان السينمائي العريق مسانداً للفنانين في وجه محاولات خنق حرية التعبير، كان أن اختار مهرجان برلين السينمائي "الانحياز بشكل مخزٍ إلى الحكومة الألمانية الغارقة في العنصرية ضد المسلمين والعرب عموماً والفلسطينيين خصوصاً"، بكلمات بيان حركة المقاطعة أيضاً، حيث صرّح مدير المهرجان التنفيذي بأنهم "يتفهمون غضب... الساسة الألمان"، لا الفنانين وصناع الأفلام المناهضين للإبادة!

ترافقت تلك المواقف مع حادث خطير أدّت فيه إدارة المهرجان دور المُخبر، عبر التبليغ عن أحد أعضاء طاقم المهرجان للشرطة الألمانية بسبب التعبير عن تضامنه مع فلسطين، مما عرّضه للخطر والمساءلة القانونية.

شكّل موقف المهرجان في محطّات عِدّة، في دورتيه السابقتين عامي 2024 و2025، وأثناء ذروة أيام حرب الإبادة الإسرائيلية، لا خيبة أمل فقط، إنما تواطؤاً كاملاً مع موقف ألمانيا الرسمية، وبالتالي تواطؤاً ضمنياً مع جرائم الحرب الإسرائيلية.

لم يعد هذا مهرجان سينما مُلهِماً، لم يعد مساحة للتفكير والتعبير، فقد تسلّح بانتمائه لألمانيا الضيّقة، العالِقة أبدياً في علاقة ذيلية مع دولة الإبادة، وقد تيقّن الفنانون وصناع الأفلام الفلسطينيون والمتضامنون مع فلسطين من أن لا مجال للتفاوض مع تعنت إدارة "برليناله". هنا جاء دور العاملين في مجال الثقافة والفنون والناشطين المقيمين في برلين لخلق فضاء بديل، لا يفصل بين قضايا التحرر من القمع والاستعمار وبين السينما وغيرها من الفنون.. فكانَ مهرجان "باليناله".

يعرّف "باليناله" (Palinale)، الذي يجمع اسمه بين كلمتي "فلسطين" و"برليناله"، عن نفسه بأنه مهرجان برليني للأفلام والموسيقى والفنون يهدف إلى تعزيز الحوار حول تحرير فلسطين والمقاومة العالمية ضد القمع والاستبداد.

ملصق مهرجان "باليناله" لهذا العام 2026.

ينظَّم المهرجان بالتوازي تماماً مع مهرجان "برليناله"، وتقام دورته لهذا العام بين 12 و22 شباط/ فبراير الحالي. وقد تأسّس عام 2025، في ظلّ الدعوات لمقاطعة مهرجان برلين السينمائي الدولي، على يد ناشطين ومتطوعين عاملين في مجالات السينما والفنون السمعية والبصرية، ليكون فضاءً بديلاً منحازاً لقضايا التحرر ولفلسطين من دون تحفّظات. هذا العام، ينطلق المهرجان حديث التأسيس في دورته الثانية فقط، لكن بزخمٍ أكبر، مستفيداً من تجربة العام الماضي، ومتشعّباً في برامج متنوّعة تتعدى عروض الأفلام.

لقطة من وثائقي "الأسود على نهر دجلة" (2025)، للمخرج العراقي زرادشت أحمد، ضمن الأفلام المعروضة في "باليناله". يوثق روح مدينة الموصل بعد الحرب والمعارك التي دمرتها عام 2017.

"نحن منصة شعبية متعددة التخصصات، تُركز على الأصوات الفلسطينية من خلال الأفلام، والندوات، والمعارض، والعروض. برزنا كبديل للمشهد الفني المؤسسي في ألمانيا، ونعمل باستقلالية تامة عن التمويل الحكومي"، يؤكد القيمون عن "باليناله".

بعيداً عن شروط وجماليات وإقصاءات مهرجانات السجادة الحمراء، يقدم "باليناله" نفسه نموذجاً متمرداً ضرورياً. فالمهرجان مبادرة يديرها متطوعون بالكامل، وتعتمد نشاطاتها على نموذج التبرعات بالكامل أيضاً، حيث لا تذاكر للبيع، إنما تبرعات طوعية من الحضور. على ملصق اليوم الافتتاحي لهذا العام كُتبت جملة "لن نمنع أحداً من الدخول لعدم امتلاكه المال". ليس المهرجان لا-ربحياً فقط، بل هو يتعهّد بإحالة جميع العائدات الآتية من التبرعات لدعم قطاع غزة.

في هذه الدورة الثانية من المهرجان، يقدّم المهرجان نحو 70 فعالية مختلفة، تدور على 15 موقعاً في العاصمة الألمانية برلين، وتشمل 34 عرضاً سينمائياً، 14 معرضاً وورشة عمل، 15 حلقة نقاش، وغيرها من فعاليات التشبيك والحفلات الموسيقية.

من ضمن هذه الفعاليات معارض صور من غزة وفلسطين، إضافة إلى عدد من الندوات التي تركِّز على مناقشة "الصهيونية الثقافية" وتمثيلات العرب، الفلسطينيين ودول الجنوب في سينما هوليوود ودول الشمال.

الممثل الراحل محمد بكري وابنه الممثل صالح بكري، في لقطة من فيلم "واجب" (2017) لآن ماري جاسر.

من العروض الخاصة لهذا العام برنامج تكريمي للممثّل والمخرج الراحل محمد بكري، الذي غادرنا أواخر العام الماضي، عبر عرض فيلم "واجب" (2017)، للمخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر، ويقوم فيه بكري بدور البطولة. يُذكر أن شبكة ARD الألمانية التلفزيونية كانت برمجت عرض هذا الفيلم في تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، لتتراجع وتسحب عرضه بعد بدء حرب الإبادة في غزة بزعم أنه "ليس الوقت المناسب لعرض فيلم فلسطيني".

يتضمّن المهرجان برنامجاً تكريمياً للمخرج الفلسطيني ميشيل خليفي، تُعرض فيه أفلامه "الذاكرة الخصبة" (1981)، "عرس الجليل" (1987)، بالإضافة لفيلم "الطريق 181" من إخراج خليفي مشتركاً مع إيال سيفان. كذلك يضم المهرجان برنامجاً تكريمياً للمخرج اللبناني محمد سويد، تُعرض فيه أفلامه "سينما فؤاد" (1994)، "عندما يأتي المساء" (2000)، و"ما هتفتُ لغيرها" (2008).

____________________________________

للاطلاع على برنامج مهرجان "باليناله" كاملاً: https://shorturl.at/tFcus

مقالات من فلسطين

أطباء.. بحدود؟

2026-02-05

"بعد عدّة أشهر من محاولات التواصل غير المثمرة مع السلطات الإسرائيلية، وفي ظل غياب أي ضمانات تكفل سلامة موظفينا أو تتيح لنا إدارة عملياتنا بشكل مستقل، خلصت منظمة أطباء بلا...

الحكم الذاتي الفلسطيني يدخل حقبة جديدة مع "اللجنة الوطنية لإدارة غزة"

مع التاريخ الطويل والتجربة المريرة من أشكال ونماذج الحكم الخارجي المعادي، المفروض على الشعب الفلسطيني، وتعاقبها، فإن الثابت كان مقاومة ذلك الشعب في كافة ساحات المواجهة، لسياسات الإبادة والحرمان والإقصاء،...