هل حَوَّلَت الانفعالات الكروية المغرب إلى "جزيرة"؟

انتقلت الانفعالات من القراءة الرياضية إلى مساءلة الانتماء الجغرافي نفسه، إذ شككت تعليقات في جدوى الرهان على الفضاء الإفريقي، ودعت إلى "إعادة النظر" في سياسات الإدماج والهجرة المعتمدة خلال السنوات الأخيرة تجاه مهاجري دول جنوب الصحراء. كما طُرحت تساؤلات عن مسار الاستثمارات المغربية، في عدد من البلدان الإفريقية. وتصب هذه الخطابات في استنتاج ضيّق، مفاده أن المغرب لا ينتمي، في النهاية، إلا إلى ذاته.
2026-02-12

سعيد ولفقير

كاتب وصحافي من المغرب


شارك
مشجعو منتخب المغرب يتابعون مباراة كرة قدم (الصورة لعبد الرحمن مختاري)

"حِنّا ماشي إفريقيين، وحنا ماعندناش لامونتاليتي (la mentalité) ديال إفريقيا" (نحن لسنا أفارقة، ولا نتحلى بالذهنية الإفريقية).

تحدثت شابة مغربية بهذه العبارات، في مقطع مصوّر قصير، وبدا على وجهها الحنق ممزوجاً بنبرة صوت متشنجة، وذلك عقب مباراة نهائي كأس أمم إفريقيا المقامة في المغرب يوم 18 كانون الثاني/ يناير2026.

تداول مستخدمون مغاربة هذا المقطع وسواه، فتجاوز سياقاته الفردية، وتحول إلى مادة أشعلت سجالاً واسعاً في منصات التواصل الاجتماعي. وواكب انتشار هذا المقطع تداول شعارات وتعليقات، من قبيل: "المغرب فقط" و"المغرب للمغاربة". وأسهمت في تضخيم الانفعال وتكثيفه، المنصات الرقمية، فصار التعبير الغاضب جزءاً من مناخ متشنج يتجاوز حدود المباراة نفسها.

في البدء كان سجالاً رياضياً

استضاف المغرب كأس أمم إفريقيا 2025 في سياق رياضي قاري، اتسم بارتفاع سقف التوقعات المرتبطة بالتنظيم والبنية التحتية، التي أكدت تقارير إعلامية إقليمية ودولية جاهزيتها، من خلال تنوع الملاعب وجودة العشب وسلاسة النقل والخدمات المصاحبة، وتمت الإشادة بتوفر الظروف اللوجستية والتنظيمية الملائمة، مع تسجيل ملاحظات تقنية محدودة لا تخرج عن الإطار المعتاد في بطولات قارية ودولية.

تحوّل الاهتمام الجماهيري والإعلامي من التركيز على الجوانب التنظيمية وجاهزية البنية التحتية إلى متابعة تفاصيل المباريات ومساراتها التقنية والفنية-الرياضية، وعلى رأسها القرارات التحكيمية. وقد أثارت بعض الحالات التحكيمية التي رافقت مباريات المنتخب المغربي ومواجهات أخرى جدلاً واسعاً، خاصة ما تعلّق منها بتقدير الأخطاء داخل منطقة الجزاء، واحتساب أو عدم احتساب ضربات جزاء، وحدود تدخل تقنية الـvar. وقد غذّى هذا التكرار النسبي للحالات المثيرة للنقاش لدى بعض المتابعين - خاصة خارج المغرب - انطباعاً بوجود ميل تحكيمي مزعوم لصالح البلد المنظِّم.

في المقابل، سعت قراءات تقنية رياضية إلى تفكيك هذه القرارات ضمن إطارها التحكيمي العام، معتبرة أن معظمها يندرج ضمن هامش التقدير الذي يسمح به قانون اللعبة، وأن الجدل المثار لا يخرج عن الأنماط المألوفة التي رافقت نسخاً سابقة من كأس أمم إفريقيا. كما ربطت هذه القراءات الإشكال ببنية التحكيم القاري نفسها، من حيث تفاوت المعايير وحدود توحيدها، وتأثير الضغط الجماهيري وسياق المباريات الحاسمة على أداء الحكّام، بدلاً من اختزاله في فرضية الانحياز المتعمَّد، أو ما يوصف بـ"الكولسة" المرتبطة بالبلد المنظِّم.

بيد أن هذا السجال الرياضي حَمِيَ وَطِيسُهُ في لحظات مباراة النهائي بين المغرب والسنغال، إذ امتدت المقابلة إلى الأشواط الإضافية، وتم إلغاء هدف للسنغال واحتساب ركلة جزاء للمغرب في الدقائق الأخيرة، قبل أن يضيّعها اللاعب المغربي إبراهيم دياز، ليسجّل - في نهاية المطاف - المنتخب السنغالي هدف الفوز بهذه الكأس الإفريقية. وُصفَت هذه المباراة بأنها "الأكثر درامية" في تاريخ كرة القدم الإفريقية، كونها أشعلت غضب جمهورَي البلدين، فالسنغاليون ومناصروهم اعتبروا القرارات التحكيمية متحيزة دائماً للمغرب، في حين رأى المغاربة بأن السنغاليين استخدموا آليات الاحتجاج "العنيف" مثل اقتحامهم للملعب وإتلافهم لتجهيزات رياضية، كسبيل للضغط والتأثير النفسي على مجريات اللحظات الأخيرة من المباراة، بغية إضعاف خصمهم.

استضاف المغرب كأس أمم إفريقيا 2025 في سياق رياضي قاري، اتسم بارتفاع سقف التوقعات المرتبطة بالتنظيم والبنية التحتية، التي أكدت تقارير إعلامية إقليمية ودولية جاهزيتها، من خلال تنوع الملاعب وجودة العشب وسلاسة النقل والخدمات المصاحبة، وتمت الإشادة بتوفر الظروف اللوجستية والتنظيمية الملائمة، مع تسجيل ملاحظات تقنية محدودة لا تخرج عن الإطار المعتاد في بطولات قارية ودولية.

دفع هذا السياق الكروي المتشنج الجمهور المغربي إلى تحميل المدرب أو اللاعب إبراهيم دياز مسؤولية الخسارة، فيما ذهب جزء آخر إلى توسيع دائرة الاتهام، فاعتبر أن دولا إفريقية و"عربية" مجاورة وغير مجاورة، ترفض صعود المغرب إلى موقع ريادي قاريّاً. وانتقلت الانفعالات من القراءة الرياضية إلى مساءلة الانتماء الجغرافي نفسه، إذ شككت تعليقات في جدوى الرهان على الفضاء الإفريقي، ودعت إلى "إعادة النظر" في سياسات الإدماج والهجرة المعتمدة خلال السنوات الأخيرة تجاه مهاجري دول جنوب الصحراء. كما طُرحت تساؤلات عن مسار الاستثمارات المغربية، في عدد من البلدان الإفريقية. وتصب هذه الخطابات في استنتاج ضيق، مفاده أن المغرب لا ينتمي، في النهاية، إلا إلى ذاته.

قدره أن يكون "جزيرة"؟

تعود مقولة "المغرب جزيرة" إلى الواجهة في قلب هذه العاصفة، إذ تداول رواد السوشال ميديا مقطعاً مرئياً قديماً للمفكر المغربي عبد الله العروي، تحدث فيه عن قدَر المغرب في أن يكون مجرد جزيرة، وشدد على ضرورة أن يتصرف المغاربة كسكان جزيرة.

لا يتوقف كثيرون عند البعد التحليلي للمقولة، بل يقتطفون هذا الاقتباس ويختزلونه بصيغة شعار ضيق التأويل. إذ تستدعي تعليقات كثيرة هذه العبارة وتلصقها بصور خرائطية، تُظهِر المغرب معزولاً ومحاطاً بالمياه من أربع جهات. ولم توظف كلمة "جزيرة" بوصفها مفهوماً يساعد على فهم تمفصل السلطة والمجتمع في حيز جغرافي طرَفي، بل باعتبارها ذريعة رمزية، تبرر الانسحاب الوجداني من فضاءات الانتماء المتعددة (العربية والإفريقية).

____________
من دفاتر السفير العربي
كرة القدم: لماذا تهمّنا؟
____________

لا يمكن قراءة هذا الاقتباس بوصفه انزلاقاً شعبوياً أو سوء توظيف لفكرة نخبوية، بل ينبغي فهمه أولاً في سياقه النفسي والاجتماعي. فلحظات التوتر الجماعي، خاصة عندما ترتبط بالرياضة والتمثيل الوطني في المحافل الرياضية، تُعلن عن حاجة عميقة إلى خطاب يعيد ترتيب الانفعال ويمنحه معنى يتجاوز الحدث العابر. في هذا السياق، يبحث مستخدمو السوشال ميديا (وعلى رأسها فيسبوك) عن مفردات مكثفة ومجتزأة وقصيرة، قادرة على التعبير عن الغضب والاعتزاز والتعصب القومي والقبلي في آن واحد وفي عبارة واحدة. لذا، يلبي الاقتباس الفكري هذا الاحتياج، لأنه يمنح للانفعال شرعية "فكرية"، إذ يُشعِر المستخدِم بأنه لا يكتفي بالصراخ فحسب، بل "يفكّر" ويستند إلى سلطة معرفية.

حمي وطيس السجال الرياضي في لحظات مباراة النهائي بين المغرب والسنغال، إذ امتدت المقابلة إلى الأشواط الإضافية، وتم إلغاء هدف للسنغال واحتساب ركلة جزاء للمغرب في الدقائق الأخيرة، قبل أن يضيّعها اللاعب المغربي إبراهيم دياز، ليسجّل في نهاية المطاف المنتخب السنغالي هدف الفوز بهذه الكأس الإفريقية.

بيد أنّ هذا الفهم المبدئي لا يُغني عن ضرورة التفكيك النقدي. فمقولة "الجزيرة" عند عبد الله العروي، ضمن تصوّره الفكري، لا تُقرأ باعتبارها دعوة إلى الانغلاق العدائي أو القطيعة الوجدانية مع المحيط الإفريقي و"العربي"، بل بوصفها استعارة تحليلية، تُحيل على شروط تاريخية وجيوسياسية معقّدة، وعلى ضرورة تدبير العقل السياسي للمصالح والحدود بمنطق براغماتي واقعي، وليس بانفعال غرائزي أو شحن هوياتي. غير أنّ ما جرى تداوله في سياق كأس أمم إفريقيا، قد كشف عن انزياح لافت في توظيف هذا الاقتباس، إذ جُرِّد من عمقه النظري، وأُعيد شحنه بدلالات آنية تُغذّي سردية "هم ضدنا".

احتواء رسمي للانفعالات

اتسع نطاق هذه السردية في منصات السوشال ميديا ليشمل منشورات ذات نبرة تحريضية ومتنمّرة، دفعت المستخدمين من كلا الطرفين إلى تبني سجالات حادّة تقوم على الاستقطاب والقطيعة، تُحرّكها نزعة شوفينية واضحة. كما تناسلت مقاطع مرئية وصور رمزية تضمّنت إيحاءات عنصرية، أو سخرية من لون البشرة، أو توظيف استعارات حيوانية في توصيف الآخر، وهو ما يشي بانتقال التنافس الرياضي من مستواه الرمزي المشروع إلى مستوى عدائي وهوياتي، يُعاد فيه إنتاج تمثّلات نمطية وإقصائية.

لم تغضّ الجهات الرسمية والمؤسساتية الطرف عن هذا السياق. إذ سارعت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم إلى إصدار بلاغ أعلنت فيه عن لجوئها إلى المساطر القانونية لدى الكاف والفيفا، بغية مقاضاة وتغريم المخالفين في أحداث النهائي، خاصة انسحاب لاعبي السنغال المؤقت، ومحاولة جزء من مشجعيهم اقتحام الملعب.

تعود مقولة "المغرب جزيرة" إلى الواجهة في قلب هذه العاصفة، إذ تداول رواد السوشال ميديا مقطعاً مرئياً قديماً للمفكر المغربي عبد الله العروي، تحدث فيه عن قدَر المغرب في أن يكون مجرد جزيرة، وشدد على ضرورة أن يتصرف المغاربة كسكان جزيرة. لا يتوقف كثيرون عند البعد التحليلي للمقولة، بل يقتطفون هذا الاقتباس ويختزلونه بصيغة شعار ضيق التأويل.

ليس هذا الاقتباس انزلاقاً شعبوياً أو سوء توظيف لفكرة نخبوية، بل ينبغي فهمه في سياقه النفسي والاجتماعي. فلحظات التوتر الجماعي، خاصة عندما ترتبط بالرياضة والتمثيل الوطني في المحافل الرياضية، تُعلن عن حاجة عميقة إلى خطاب يعيد ترتيب الانفعال ويمنحه معنى يتجاوز الحدث العابر. في هذا السياق، يبحث مستخدمو السوشال ميديا عن مفردات مكثفة ومجتزأة وقصيرة، قادرة على التعبير عن الغضب والاعتزاز والتعصب القومي والقبلي في آن واحد وفي عبارة واحدة.

بالموازاة، أكد ملك المغرب محمد السادس في بيان الديوان الملكي أن الأحداث التي رافقت المباراة لا يمكن أن تمس بروابط الأخوّة الإفريقية، مبرزاً أن هذه الروابط ستنتصر بمجرد تراجع حدّة الانفعال. كما دعا البيان إلى عدم الانسياق وراء الضغينة وخطاب القطيعة، مشدداً على أن نجاح المغرب في تنظيم البطولة يُعدّ نجاحاً للقارة ككل، وأن ما جرى لن يؤثر على المسار الذي اختاره المغرب لتعزيز التعاون والشراكات داخل إفريقيا.

بدوره، أقر رئيس الحكومة بحجم الخيبة التي شعر بها المغاربة، لكنه شدد على أن كرة القدم مجال يحتمل الفوز أو الخسارة، وأكد أن هذه النتيجة لا تقلّل من قيمة ما تحقق على مستوى التنظيم. في المقابل، حافظ الجانب السنغالي على نبرة رسمية هادئة ودبلوماسية، إذ وصف أحداث نهائي كأس أمم إفريقيا بـ"المؤسفة"، معتبراً إياها نتاج انفعالات مرتبطة بشغف كرة القدم. وأكد أن هذه الوقائع ينبغي أن تبقى في إطارها الرياضي، ولا تعكس أي قطيعة سياسية أو ثقافية بين المغرب والسنغال.

في السياق نفسه، ناشدت منظمات حقوقية مغربية بتفعيل القانون ضد كل من انخرط في خطاب عنصري أو تحريضي، معتبرةً أن هذه المحتويات الرقمية تمس السلامة والكرامة الإنسانية، وتخالف التشريعات الوطنية والالتزامات الدولية للمملكة، ودعت إلى تفعيل القانون وتطبيق المقتضيات القانونية في حق كل من بث أو شجّع خطاب الكراهية والعنصرية، بما يضمن حماية السلم الاجتماعي وكرامة جميع الأفراد داخل المجتمع.

كاد أن يتحول إلى "جزيرة"

هدأت الأصوات المتشنجة تدريجياً بعد أسابيع من النهائي، فعاد كثير من المشجعين إلى روتين متابعة الأندية والمنتخبات، وانشغل آخرون بقضايا معيشية وسياسية واجتماعية جديدة، بينما بقي أثر تلك الليلة عالقاً في وعي جمعي نَمَتْ حساسيته تجاه سؤال الانتماء الجغرافي.

تقاطعت الجغرافيا المادية مع "جغرافيا الانفعالات" التي خلّفتها تلك الليلة، فطرحت أسئلة عملية عن كيفية تعميق الانتماء الإفريقي من دون إنكار البعد "العربي" والمتوسطي، وكيفية تحصين هذا الانتماء من تقلبات غضب رقمي عابر. دفعت هذه الأسئلة إلى إدراك أن السوشال ميديا لم تعد مجرد مرآة تعكس ما جرى، بل صارت فضاء يُقلِّص تعزيز المساحات المشتركة بين المغرب ومحيطه.

في المحصلة، ظلّت كرة القدم تمنح لحظات كثيفة من الفرح والانكسار، غير أنّ ما رافق نهائي الرباط أظهر محدودية هذا الدور حين انتقلت المباراة من الملعب إلى الفضاء الرقمي. إذ لم تُوجِّه هذه المنصات الحدث نحو نقاش عقلاني، بقدر ما أعادت ترتيبه وفق منطق السرعة والتكثيف، فوسّعت أثر الانفعال وضيّقت إمكانات التهدئة، إذ كادت هذه الخطابات أن تحول البلد إلى "جزيرة" رمزية. لكن، وبعد انحسار الضجيج، صار تدبير ما خلّفته تلك اللحظات في الوعي الجمعي شرطاً أساسياً للحيلولة دون تحوّل الغضب العابر إلى قطيعة معنوية، تُربِك علاقة المغرب بمحيطه الجغرافي، القريب والبعيد.

مقالات من المغرب

للكاتب/ة

"المستشفى أولاً والملعب عاشراً": جيل زد المغربي يرفض الأولويات الحكومية

كثيراً ما يُوصف شباب هذا الجيل بأنهم يفتقرون إلى النزعة التأطيرية الكلاسيكية، ويَنْزعون إلى الانفعالية والعنفوان، ويحتجون من دون تبنيهم لمشروع مجتمعي مؤطَر أو رؤية ناضجة. لكن يحضر خلف هذا...