إعداد وتحرير: صباح جلّول
"هذه الكتب جزءٌ لا يتجزأ من كياني، من روحي. لا أستطيع تخيّل فقدانها يوماً. أحملها معي كما لو كانت أحد أبنائي. اليوم، أحملها من شمال غزة إلى جنوبها، وأحفظها بأمانٍ عند أحد أصدقائي بانتظار أن أجد مكاناً لي ولعائلتي". نشر عمر حمَد من غزة هذه الكلمات على صفحته على انستغرام، في السادس من أيلول/ سبتمبر 2025، مرافِقة لفيديو يقوم فيه بتوضيب مجموعة من الكتب في شنطة، استعداداً لنزوحه الحادي عشر خلال حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة.
" كاتب وخيّاط وصيدلاني فلسطيني من غزة، شاهِدٌ على الإبادة"، هكذا يعرِّف عمر عن نفسه باختصار. طوال فترة الإبادة، كان هاجس إنقاذ مكتبته الشخصية عِلة بقائه. نقل مكتبته معه خلال عمليات النزوح المتكررة والمنهِكة، من الغرف إلى الخيام، ومن بيته إلى بيوت الأصدقاء. المهمّ أن تبقى المكتبة.
غزة فوق العالم
09-09-2025
على مدى عامين من الإبادة، ومع تزايد مصاعب مهمات إنقاذ الكتب التي هوَت إلى جانب أصحابها وغشّاها الردم والرماد، مثلَ الأبنية التي احتوتها يوماً، كان مشروع عمر يتبلور ويزداد إلحاحاً. لم يعد ينقذ كتبه الشخصية فقط، بل صار يتبنى كتب غزة التي مزقتها الصواريخ وأكلها التراب. صار عمر، ومعه صديقه إبراهيم، في مهمة لإعادة بناء أول مكتبة عامة في غزة. جهدٌ هائل، دافِعه الحبّ وحِفظ أوعية الثقافة والذاكرة والمعرفة: الكتب.
"هناك لحظات في التاريخ يصبح فيها إنشاء مكتبة فعلاً من أفعال التحرّر بحدّ ذاته"، جاء في تقديمٍ للحملة الشعبية التي حاول من خلالها عمر وابراهيم جمع تبرعات لمكتبة غزة، "هنا في غزة، بعد الإبادة الجماعية، أدرك عمر وإبراهيم أن الأحلام التي تحميها الكتب لا تنكسر، وأن للمعرفة قوةً قادرة على انتشال مدينة من الخراب، لذا شرعا في بناء أول مكتبة تولد من قلب المأساة، شاهدةً على أنّ شعباً يقرأ هو شعبٌ لا يُقهَر".
في استعادته لكيفية تورطه - عن قناعة ومحبة - في هذا المشروع، يتذكّر عُمر: "خلال إحدى فترات وقف إطلاق النار، ذهبتُ مع صديقيّ، إبراهيم وحسام، إلى مكتبة في بيت لاهيا، وأنقذنا كتبها من تحت الأنقاض. لم تعش فرحتنا طويلاً، فما لبث أن استؤنفت الإبادة الجماعية. نزحتُ مجدداً إلى مدينة غزة، حاملاً مكتبتي، لأجد مكتبة الجامعة الإسلامية قد دُمّرت. شعرتُ وكأن جزءاً من روحي قد احترق معها. هرعنا أنا وإخوتي إلى الحرم الجامعي، وأنقذنا أكبر عدد ممكن من الكتب من النيران والردم".


عمر وإبراهيم ومجموعة من الكتب التي أنقذاها، التي ستتحول إلى مكتبة غزة. في المنشور على اليسار، يكتب عمر: "هذه المكتبة كانت تحتوي ما يزيد عن 100 ألف كتاب. أحرق جيش الاحتلال 90 بالمئة منها تقريباً ورمى الكتب الباقية في حفرة حفرها الجنود بأنفسهم. حاولت إنقاذ ما تبقّى من هذه الكتب".
أمّا إبراهيم، فيقول: "بدأت رحلتي مع الكتب خلال سنوات دراستي الجامعية، حيث كنت أدرس لأصير معلّم لغة إنجليزية في جامعة الأقصى، وهي مؤسسة تحمل اسم أحد أقدس معالم وطني... هناك، في قاعات دراسية خافتة الإضاءة بسبب انقطاع التيار الكهربائي وعواقب الحصار، تيقّنتُ أن المعرفة ليست خياراً، بل واجب أخلاقي ووطني.. خلال دراستي، قرأتُ هاملت وتأملتُ في أسئلة الوجود، وهربتُ إلى عالم هاري بوتر عندما ضاق بي العالم الحقيقي تحت الحصار. لكنني وجدتُ ذاتي الحقيقية في الأدب الفلسطيني، في كلماتٍ شعرتُ أنها وطني، في بيت محمود درويش: "على هذه الأرض، ما يستحق الحياة"".
حرب الاحتلال على المكتبات
13-02-2025
رغم قصف بيته وتدميره في بيت حانون، تمكَّن إبراهيم من العثورعلى بقايا مكتبته الصغيرة. يقول إبراهيم إنّه شعر في تلك اللحظة أن "جزءاً منه قد نجا"، ومذّاك انضمّ إلى صديقه عمر في بناء مكتبتهما التي تخرج صفحات كتبها من بين الأنقاض، "لتعلن أننا ما زلنا هنا، ما زلنا نقرأ، ما زلنا نحلم، وما زلنا نصنع المستقبل الذي حاولوا محوه".


إبراهيم وعُمر يقرآن فوق المباني المدمرة. (الصور من صفحة جمع التبرعات لمشروع المكتبة)
أين المشروع اليوم؟
بعد اتفاق ما سمي "وقف إطلاق النار"، أعلن عمر وإبراهيم أواخر شهر كانون الأول/ ديسمبر 2025 تمكّنهما من إيجاد مساحة تليق بالمكتبة الحلم، في قلبِ مدينة غزّة.
لم تكن الرحلة سهلة بطبيعة الحال، فأسعار الإيجارات جنونية، لكنّ التبرعات والدعم من كل أنحاء العالَم ساعدت في تغطية جزء غير قليل من التكاليف. في ظلّ غلاء أسعاء التجهيزات ومواد البناء الداخلية من جبس وإسمنت ومواد الكهرباء والسباكة وغيرها، ومع استمرار الاحتلال بمنع دخول مواد البناء إلى غزة، خانقاً محاولات إعادة الإعمار واستعادة بعض ملامح الحياة، تستمر المصاعب والعوائق أمام المكتبة، دون أن تُوقِف المشروع.
"طاقات" غزّة: فرصةٌ خيرٌ وأبقى
08-08-2025
يكافح الشابان من أجل المكتبة، أمام واقع يفرض عليهما استعمال الموارد القليلة المتاحة للبقاء أولاً. "هذا أيضاً جزءٌ من سياسة ممنهَجة تهدف إلى تقويض التعليم وإسكات المعرفة ونشر الجهل وحرمان الناس من أبسط حقوقهم: القراءة والتعلم والتفكير"، يقولان. يشارك الاثنان أحلاماً بتخصيص مساحة للأطفال وتوفير مستلزمات التعليم الأساسية لهم، كما يهتمان بالتوجه لذوي الإعاقات والحاجات التعلّمية الخاصة. يكبر حلمهما كل يوم في مساحات تضيق بما رحبت الفكرة.
يوم 20 كانون الثاني/ يناير الحالي، نشر عمر حمد على صفحته الخاصة على انستغرام تحديثاً بخصوص المكتبة، باللغة الإنجليزية، مرفِقاً كلامه بصور تبيّن تطوّر العمل على المكان الذي سيحوي المكتبة، باتجاه افتتاحها.

"هذا هو الأسبوع الرابع من العمل [على استصلاح المساحة الداخلية للمكتبة] والجهد والإرهاق. الأسبوع الرابع من التحدي والنهوض - النهوض كطائر الفينيق، من العدم، من الفراغ. هنا، حيث آمنا بأحلامنا وغرسنا البذرة الأولى، الكلمة الأولى. تراكمتْ الكلمات حتى صارت كتاباً، فكتاباً تلو كتاب. بدأنا ببناء مكتبتنا: أول مكتبة تُبنى خلال الإبادة الجماعية في غزة.
لم يكن الطريق سوى أكوام من الرماد. تحدّينا الصعاب وخرجنا منها، ناهضين بأنفسنا، كما يتعلم الطفل خطواته الأولى. يسقط، ثم يقف، يسقط مجدداً، ثم يقف مجدداً - حتى تمكنّنا من المشي أخيراً".
أنهى عمر رسالته بشكر كلّ مَن ساهم ويساهم في دعم الحلم، ووعد بافتتاح المكتبة لتكون نواة أولى للثقافة والتعليم في غزة.



