وجوه المدينة: عن الحياة في شمال غزّة

هناك أكثر من 14 ألف مفقود، لا يُعرَف مصيرهم بالأصل، لكن الأغلب يُدرِك أنهم إما أشخاص صاروا تحتَ الرُكام، وإمّا أشخاصٍ دُفنوا في مقابر جماعية، أو قبور مجهولة وطارئة في شوارع المدينة. قد تجد قبراً بلا اسم، كُتبت عليه مواصفات الشخص أو لون ملابسه، علّ أحداً من أهله يتعرف إليه. على هذه الشاكلة، صارت القبور.
2025-02-27

المقداد جميل مقداد

كاتب وباحث من غزة


شارك
غزة المدمرة

قرأت نُكتة مأساويّة عن الوضع في مدينة غزّة وشمالها، بعد أيامٍ قليلة من العودة من رحلة النزوح، يقول فيها أحدُهم لصديقه إنهُ عاد إلى بيته، لكن "البيت ما فيه أيّ شيء"، ليسأله صاحبه، "فعلاً؟ ممتاز"، يرُد الآخر "صحيح، ولا شيء فيه". وهذه النكتة قد لا تبدو مُضحكة، ولا تبدو مأساوية، عند قراءتها بهذا الشكل، لكنها في اللهجة الغزاويّة والحوار اليومي تبدو مُضحكة، مأساوية، مُعبّرة، تحملُ وجوهاً عدّة.

"ما فيه أيّ شيء"، تحمل معنيين، الأوّل ألاّ شيء في البيت، أي إنه بخير، وكما هو، لا غُبار ولا رُكام ولا أضرار، والثاني، وهو المعنى الحرفي، أيّ مسروق ولا يحتوي على شيء، أو أنه غير موجود أصلاً، مُدمَّر ومُنتهي، وبالتالي لا شيء منهُ موجود.

مقالات ذات صلة

تبدّل وجه غزّة، فصارت أوجهَ عدّة، كُلها تدل على تشوهها، الذي خلقتهُ الحرب. ليس شيئاً مؤقتاً، بقدر ما صارَ وجهها الدائم، كما لو احترقَ وجهُ شخصٍ ما، فذاب جلده. وجوهٌ كثيرة ستبقى كالندوب في شكلّ المدينة، في ذاكرة أهلها وأطفالها، الذين سيعونَ على نمطٍ لا يُشبه النمط الطبيعي للحياة الآدمية.

وجهُ الرُكام

الرُكام هو الندبة الأبرز في وجهِ غزّة الحديثة التي خلَّفتها الحرب. فمدينة "غزّة" هي أول من حصل على نصيبه من الدمار والإبادة في القطاع، قبل أن ينتقلَ شكلُ هذا الدمار لاحقاً إلى "خانيونس"، ثّم "جباليا"، و"رفح" وغيرها من المحافظات التي واجهت المصير نفسه خلال حربِ الإبادة. وقد بلغت نسبة الدمار في القطاع ككُلّ 59.8 في المئة من المباني، التي إمّا تضررت وإمّا دُمرِّت بالكامل.

أقلّ الضرر أن تكون نصف المباني في شارعٍ واحد مُدمرة، أو محترِقة أو أكلت نصيبها من القذائف المدفعية، أو دُمّر أحد طوابقها. ينعكسُ ذلك على غيرها من المباني الباقية، فمن المُستحيل أن يكون بيتٌ في غزّة بقيت شبابيكه وأبوابه سليمة، باعتبار شدّة القصف.

مقالات ذات صلة

شوارع مُغلقة بالركام، شوارع مُجرَّفة ومُدمَّرة، تُصعِّب من حركة السيارات والمارّة، تزيد الازدحام والأزمات. تزيد الغبار، وتُراكم أضرارها البيئيّة والحياتية على وجوه أبنائها وحياتهم اليوميّة. هذا الوجه كما يقول عنهُ المختصون، يحتاج على الأقل إلى خمس سنواتٍ كي يُزال وينتهي.

وجهُ الخيام

تخيّلنا جميعاً أن شكل المعاناة الذي كان مؤقتاً ما بقيت الحرب، سينتهي في غيرها ويذهب مفعوله، لكنهُ وهم ترسمه عقولنا، التي تُريد المدينة بشكلها الأصلي. انتقلتْ مُعاناة النزوح والخيام إلى غزّة وشمالها، لكن على شكلٍ أصعب وأكبر، صارت الخيمة تُجاوِر الرُكام والدمار.

تحوّلت مباني ومؤسسات "غزّة" القليلة الباقية إلى مراكز للإيواء، على الرغم من أنها مُدمَّرة ومتضّرِرة، تُجاورها الخيام بكل أشكالها. خيام كاملة جاهزة مهيأة من مؤسسات أو جرى شراؤها، خيام من "الشوادر" و"النايلون"، أو خيام من القماش والأغطية المهترئة.

وجه الطوابير

في كُل مكان من "غزّة"، طوابير. طابور طويل على المخابز، مخبز "العائلات"، مخبز "الشرق"، مخبز "اليازجي"، مخبز "عجور"... طوابير من الانتظار لأشخاصٍ ملّوا حياة العجن والخبز على النار، لِما راكمته من ألمٍ في الصدور والعيون، وتعبٍ للأيدي والظهور، فيلجؤون إلى المخابز القليلة المهيأة والقادرة على العمل، بأقلّ الموارد وبدعمٍ من "برنامج الغذاء العالمي"، علّها تُحسن مستوى المعيشة المعدومة في المدينة.

طابور طويل في كلّ شارع من شوارع المدينة على سيارات المياه. فقدتْ المدينة كل مصادر المياه، أو أغلبها، حيث دمّرت الحرب حوالي 330 ألف متر طولي من شبكات المياه، عدا عن تدمير مئات آبار المياه، التي كانت المصدر الوحيد لمياه الناس.

لذلك؛ يلجأ الناس إلى بدائل، فلا طريقة الآن سوى أن يُعبئ الناس المياه من خلال غالونات صغيرة مستعملة سابقاً، لتأمين المياه ليومٍ أو يوميْن، ورُبما أقل للعائلات كبيرة العدد.

أمّا المياه المُحلاة الصالحة للشُرب، فلا حل للحصول عليها سوى سيارات تعبئة المياه، التي صارت تتجوّل في شوارع المدينة، خاصة في الأحياء المعدمة والمدمّرة، ما يدفع الناس إلى الوقوف أمامها في طوابير طويلة، وفي أغلب الأحيان لا تكفي سعة هذه السيارات للعدد الكبير الذي ينتظر دوره. من المهم الإشارة إلى أن هذه السيارات لا تعمل إلّا من خلال المساعدات الذاتية والتبرعات الخارجية من "أهل الخير"، الذين يُقررون تقديم الصدقات كـ"سُقيا المياه" لأهل "غزّة"، فلا خدمات رسمية أو كبرى أو مؤسساتية حتى لتقديم المياه المحلاة للناس، ولولا هذه التبرعات القليلة، لمات الناس عطشاً.

طوابير أُخرى من الناس، تنتظر توزيع المساعدات. فأغلب المخازن و"البركسات" الكبرى في غزّة، تحولت إلى ملجأ للمؤسسات الدولية والمحلية التي توزِّع المُساعدات. وصلت هذه المعونات إلى كلّ الناس، وهي فعلاً تسهم في التخفيف من عبء الحياة عليهم ، حتى أصحاب الرواتب ومن لديهم فرص العمل، تزيد أعباؤهم، فتُخفف منها هذه المساعدات. لكن هل هي كافية؟ قُلت كلمة في لقاءٍ مُغلق قبل حوالي شهريْن مع مسؤول "مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية" ("أوتشا")، وأنا متأكد منها. مهما دخل من المعدات والغذاء والمساعدات، فإنّ الفجوة كبيرة، وهي لا تكفي كلّ الاحتياج الذي تعيشه غزّة، ولا تعوِّض ما فقده الناس.

وجهُ القبور

أحد أقبح الوجوه التي وجدتُها في "غزّة" عند عودتي، هو الوجه الذي جعلَ الشوارع والطُرقات، مقابر طارئة. ففي الشارع وأنت تمشي، قد تجد على جنب قبراً لشهيدٍ مجهول، اضطرَ الناس إلى دفنه بشكلٍ طارئ هنا. وفي أماكن كثيرة تحوّلتْ بعض الأراضي إلى مقابر جماعيّة، أو مقابر لأشخاص لم يجدوا من يدفنهم، فاضطر أحد المشاة إلى القيام بالمهمة.

هذا الوجه يحكي عن حكايا أكثر من 14 ألف مفقود، لا يُعرَف مصيرهم بالأصل، لكن الأغلب يُدرك أنهم إما أشخاص صاروا تحتَ الرُكام، وإمّا أشخاصٍ دُفنوا في مقابر جماعية، أو قبورٍ مجهولة وطارئة في شوارع المدينة. قد تجدُ قبراً بلا اسم، كُتب عليه مواصفات الشخص أو لون ملابسه، علّ أحداً من أهله يتعرف إليه. على هذه الشاكلة، صارت القبور!

وجهُ البسطات

بدّلت الحرب اقتصاد البلد، فقد تحوّل كلّ شيءٍ يُشترى فيها ويُباع، إلى "بسطات" صغيرة في الشوارع. مثلاً بعض الصيدليات تحوّلت إلى بسطة، على قارعة طريق، يُباع فيها مختلف أنواع الأدوية، من أشخاصٍ رُبما لا يعرفون شيئاً فيها. كذلك صارت في كل الشوارع بسطاتُ متناثرة، إما تبيع السجائر أو الطعام... فقد دمّرت الحرب أغلب الأسواق الكبيرة والمولات الفاخرة التي شُيِّدت في غزّة، والتي أسهمت في تسهيل حياة الناس خلال السنوات الأخيرة.

عدا عن ذلك، فإنّ البسطات صارت ملجأً للناس من شبح الفقر والمجاعة، فكلّ شخص بلا مهنة، أصبح يُقرر أن يتجه إلى العمل الأسهل، إنْ توفّر معهُ رأس مال بسيط، فيقوم بإنشاء بسطة لبيع المواد الغذائية أو لبيع أيّ شيءٍ آخر يرى أن للناس إقبالاً عليه.

أوجه لا تنتهي

للحياة في "غزّة" وشمالها، أوجهُ لا تنتهي، ولا تُقاس. حياة أصعب من أن تصفها الكلمات. لكن قلوب الناس في شوارعها وعلى أنقاض منازلها تُدرِكها. تستيقظ كلّ نهار على هذه الأوجه، تتبدّل أحوالها مع كلّ وجه، فلا يصحو النائم في يومه إلّا ويُخطط في أي وجهٍ سيعيش؟ هل يُريد الماء أم الخُبز؟ أم يُزيل بعضاً من الرُكام؟ أم يبحث عن جثة أخيه في شارعٍ من الشوارع؟

وجوهُ "غزّة" الكثيرة، لا يُدركها العالم، وفي قلبها وجهٌ آخر لا تراهُ عيونُ العالم ولا صحافتها، وجهٌ مشوّه، يقبع في قلوب الناس. وجهُ الحرب المقيمة في عقولنا، حين تمشي سيارةٌ مسرعة في أحد الشوارع، نظنُ أنه صاروخٌ قادم إلى مكانٍ قريب، سرعان ما ينتهي الصوت لنعود ونُدرك أن الحرب توقّفت قليلاً، وأن ما حصل ليسَ إلّا حدثاً عابراً.

وجوه الناس التي خرجت من تحت الأنقاض، تشوّهت معالمها. وجوهُ الموت والخوف والقلق، الذي لا يزال يُوقِظُ الناس في منتصف ليلهم، ولا يُهديهم إلى النوم. وجوهٌ كثيرة، لن تكفيها عشرٌ أو خمسة عشر سنة كي تُرمَّم أو يُعاد إعمارُها!

مقالات من فلسطين

الديار النابلسية بعيون سلافية (1)
ألكسي سوفورين في ضيافة أبناء جنين ونابلس

في الربع الأخير من القرن التاسع عشر والسنوات الأولى من القرن العشرين، ترك عدد كبير من الرحالة والحجاج السْلاف نصوصاً عن "الديار النابلسية"، مليئة بالملحوظات الاجتماعية والمشاهدات، وكتباً ومذكرات، إلى...

للكاتب نفسه

غزّة.. الأرض الخراب

قال كلمةً، سمعتها كثيراً: "رُدّت الروح والله". نظرَ إلى الشارع. الحارة عادت إلى حركتها، الأطفال يلعبون، أشخاص هنا وغيرهم هناك. محلات تَفتح، أناس يحاولون استعادة عملهم. حتى الناس، وإن كانت...

أفواجُ العودة

حانت لحظةُ العودة. طوفانٌ هائل من الناس مضى في طريقه، فور الإعلان عن انسحاب القوات الإسرائيلية. وبعد حوالي نصف ساعة، كان أوّلُ العائدين يدخل إلى مدينة غزّة. نام عشرات الآلاف...