نافذة من جنين إلى غزة على أبطال عاديين

الفيلم مختلف عما اعتاد الجمهور مشاهدته على الفضائيات العربية عن قطاع غزة، إذ أنّه متميز بموضوعه وأسلوب طرح هذا الموضوع، حيث اعتمدت المخرجة خياراً فنيا تحدت فيه الصورة بهدف تقديم المشاعر التي نكتبها على الورق، عادة

ستُدهش مخرجة فيلم "صيف حار جدا" أريج أبو عيد من قطاع غزة، من كون إحدى من حضرن عرض فيلمها الوثائقي (16 دقيقة) في الجامعة العربية الأمريكية في مدينة جنين طالبة تدرس الإعلام وتحمل نفس اسمها وتريد أن تصبح مخرجة أيضا.

خلال النقاش الذي تلا عرض الفيلم نكتشف فارقاً في الزمن بين معاناة أريج صباغ من مخيم جنين التي فقدت والدها "جمال" خلال اقتحام المخيم، وبين معاناة أريج أبو عيد المخرجة التي فقدت أختها "عائشة" خلال الحرب على غزة عام 2014، لكن المعاناة واحدة وما جرى لابنة مخيم جنين ولعائلتها لا يمكن تجاوزه أبدا رغم مرور السنين. التجربة ما زالت طازجة في قلبها وجوارحها، فهل أريج المخرجة، عبر تقديم حكايتها وبوحها الشخصي، بما يشبه يوميات الحرب، استطاعت التغلب على تلك الوقائع وتجاوزت الموت وتجربة الحرب وفتحت صفحة جديدة معهما؟

الإجابة على السؤال ليست سهلة لكن إقدام مخرجة شابة على تقديم عمل سينمائي مرتكزا على وجع شخصي هو محاولة لتجاوز تجربة الحرب المليئة بالمرارة. فنحن البشر نتجاوز أحزاننا عندما نكون قادرين على سرد القصة، أو كتابتها أو حتى تصويرها، ونتصالح مع آلام قصصنا عندما نتشاركها مع الجمهور. الارتقاء بالحكاية الذاتية لتكون موضوعا عاما للنقاش والحوار هو ذروة الفعل الإبداعي.

 

تحدي الصورة

يستحق فيلم أريج احتفاء كبيرا لأسباب كثيرة من بينها نضج التجربة السينمائية فنيا وهذا يشي بأننا أمام مخرجة أصبحت متمكنة من أدواتها وقادرة على تكييفها لتقدم قصتها وقصة من يتشابهون معها في المعاناة.

فالفيلم مختلف عما اعتاد الجمهور مشاهدته على الفضائيات العربية عن قطاع غزة، إذ أنّه متميز بموضوعه وأسلوب طرح هذا الموضوع، حيث اعتمدت المخرجة خياراً فنيا تحدت فيه الصورة بهدف تقديم المشاعر التي نكتبها على الورق، عادة، لتظهر بصورة تحمل ما هو أعمق من المكتوب، وهو خيار فني موفق تطلب بالتأكيد جهدا وتفكيرا طويلين.

أمّا محاولة المخرجة تقديم قصتها على شكل فيلم فهي دليل على أمل أصيل بالحياة ورغبة بتجاوز معاناتها المرتبطة الموت. وعبر تقديمها حكايتها البصرية قدمت أريج صورة أشمل للوجع العام في غزة خلال الحرب عام 2014 وما تلاها، يقوم على كشف الوجه الإنساني لعموم الناس الذين لا تظهرهم نشرات الأخبار أو تتعامل معهم على أنهم أرقام، هؤلاء هم الضحايا الفعليون للحروب، وعلى الرغم من كون الحرب أقوى منهم ومدمرة لحياتهم إلا أنهم لا يجعلون اليأس يتسلل إليهم، بل بالعكس نرى أحلامهم البسيطة ورغبتهم بالحياة ومواصلتها.

 

حيرة إيجابية

 

سيحتار جمهور الفيلم من عمل سينمائي يحكي قصة عائلة من دون أن تظهر وجوه أفراد هذه العائلة ، لكنهم سيسمعون القليل عنهم من خلال التعليق الصوتي الذي تقدّمه أريج المخرجة فيؤثث صورة خاصة للقطات قريبة وقريبة جدا، مستمدة من حياتها خلال الحرب، لتكون أشبه بقصيدة بصرية تمنح المشاهدين أحاسيس ومشاعر الخوف الغضب والأمل والانتظار والموت...إلخ

تلك المشاهد المنتقاة بعناية فائقة تتمم الصوت، فيما حركة الكاميرا تعكس انقلاب الحياة وتلاشي معناها وعدم السيطرة عليها وضبابيتها.

قصة أريج تعكس تبدل معنى الحياة، وانعدام خياراتها بفعل قوة عسكرية باطشة. حتى الحاجات البسيطة التي يفعلها أي إنسان حاولت المخرجة التأكيد عليها، وإبراز ذلك المدى الذي يصر فيه الإنسان على أن يكون إنسانا أمام كل القوى التي تحاول سحق إنسانيته، فيجود الفيلم بالحديث عن الحرب وأثارها من ناحية الخوف الكامن في الصدور، "أن تموت عاريا" مثلا كانت تعبيرا بليغا عن كيفية تفكير الناس في الحرب وكيف تؤثر هذه الحرب على تفصيل بسيط من حياتهم وهو الاستحمام مثلاً والخوف من الموت في تلك اللحظة. والحرب في الفيلم مدمرة، تقتل الأجساد وتدمر نفسيات الضحايا الخائفة وتغير جزئيا في الأدوار المرتبطة بتفاصيل الحياة ذاتها.

عمر جديد

يطرح الفيلم إجابة عن سؤال: كيف يتعامل الفلسطيني مع الموت؟ فالمخرجة كإنسان مفجوع بموت شقيقتها صنعت من هذا الرحيل ما يجعلها أقوى، فأرّخت لعيد ميلادها بعيد ميلاد أختها الراحلة "عائشة" (التي تمنت أن تتوقف الحرب في عيد مولدها) فرأت حياتها استمرارا لحياة أختها.

 

 

 

إنها "حيلة" وطريقة للتلاعب بالموت وتحديدا عندما نكون في مكان لا تكون نهاية الحرب فيه نهاية حقيقة، بل يعيش الناس منتظرين حربا أخرى قادمة لا محالة. إنه المستقبل الغامض والمفتوح على احتمالات أغلبها ليس لنا قرار فيها.

تغيير الغد

من المؤكد أن الأفلام لا توقف الحرب، ولا تضع حدا للمعاناة التي سببتها لكنها منبرا مهما لتقديم تجربة حقيقية مرة عن بشاعة الحرب وانعدام الخيارات أمام الضحايا في لحظاتها الدموية، والمخرجة وعبر انخرطها في العمل الفني أصبحت فاعلاً حقيقياً في المجتمع بدلا من كتم ذكرياتها ووجعها، وهذا أمر يجعلها أكثر قدرة على التغيير ورسم صورة أفضل للمستقبل.

الفيلم يؤكد أن المرأة جزء أساسي من التغيير، رغم أن المتوقع منها في مجتمعاتنا، وفي لحظات الحرب تحديدا،ً أن تكون الأكثر ضعفا. لكنها كانت في "صيف حار جدا" الأكثر قدرة على تقديم عمل فني غني بالتفاصيل المؤثرة، فالصور الطافحة بالتفاصيل وعمق الدلالات البصرية هي دليل على فرادة التجربة وعمق الوعي بها، وهو الأمر الذي أغنى الحديث عن الحرب وحفر عميقا في فضحها من دون شعارات أو خطب، وعلى لسان من اكتوى بنارها.

مقالات من فلسطين

وصْل في العزل: سينما فلسطين على شاشاتنا

صباح جلّول 2020-07-24

انشأت مؤسسة الفيلم الفلسطيني "منصة الأفلام الفلسطينية"، وعرضتها مجاناً على الانترنت، وكانت فرصة نادرة للاطلاع على ما قُدّم في السينما في فلسطين وعنها، وهو كسر للحصار الذي سبق كورونا، وزادته...

ربع الأسر في غزة تعيلها نساء

إصرار نساء غزة على العمل جعل الصورة النمطية السائدة في المجتمع تتأقلم مع الواقع المفروض، ولا سيما بعد ثلاثة حروب متتالية على القطاع. فقد ارتفعت نسبة النساء المعيلات الرئيسيات لعائلاتهن،...

للكاتب نفسه