اعتذار، لا اعتذار؟

"في العام 2014، حصل تعاون بين المسرح الوطني النروجي وبين هابيما (المسرح الوطني الإسرائيلي)، على مشروع بعنوان إرهابات، نظّمه الاتحاد الأوروبي للمسرح. هابيما يكسر القوانين الدولية عندما ينظم عروضاً في المستعمرات اليهودية في الأراضي الفلسطينية المحتلّة".
2016-09-28

شارك
ناشط نروجي يلبس لباساً عسكرياً وتنورة باليه أمام المسرح الوطني النروجي في احتجاج على مشاركة المسرح في عرض "إرهابات" مع المسرح الوطني الإسرائيلي "هابيما" (تصوير: ريان رودريك بيلر - أوسلو)

"في العام 2014، حصل تعاون بين المسرح الوطني النروجي وبين هابيما (المسرح الوطني الإسرائيلي)، على مشروع بعنوان إرهابات، نظّمه الاتحاد الأوروبي للمسرح. هابيما يكسر القوانين الدولية عندما ينظم عروضاً في المستعمرات اليهودية في الأراضي الفلسطينية المحتلّة".
تطالعنا هذه الكلمات على شاشة في خلفيتها مبنى المسرح الوطني النروجي، قبل أن يبدأ مونولوج من نحو 6 دقائق ونصف، هو عبارة عن "الاعتذار الرسمي للمسرح الوطني النروجي عن التعاون مع هابيما"، حسبما يشير العنوان.

غيرترود جينغ، ممثلة قديرة ومعروفة في النروج، تظهر بصفتها "المتحدثة باسم المسرح الوطني النروجي"، تبدأ بالقول: "سيداتي وسادتي، هذا يوم عظيم للمسرح الوطني النروجي. إنه اليوم الذي نعتذر فيه علناً لتعاوننا المشين مع هابيما، المسرح الوطني الإسرائيلي. فعندما وافق مدير مسرحنا على هذا التعاون الفني منذ عامين، لم نكن نعي الدور الخطير الذي يلعبه هابيما ومؤسسات فنية إسرائيلية أخرى في تطبيع الاحتلال الإسرائيلي. لم نكن نعرف أن الفن والمسرح هما أدوات بالغة الأهمية لإسرائيل لبناء صورتها كأمّة إنسانية، وليس كدولة فصل عنصرية كما هي في الواقع.. لم نكن نعرف، لأننا ببساطة لم نكلّف أنفسنا عناء التقصّي".
الفيديو الذي نشرته صفحات مواقع التواصل الاجتماعي على أنه صادر عن المسرح الوطني، نُشر كذلك في صحيفة "مورغنبلاديت" النروجية كنصّ مع ملاحظة تشير الى أنه ليس اعتذاراً رسمياً إنما عرض فني.

العار النروجي

هذا الغموض والالتباس كان مقصوداً تماماً من المسؤولين عن العرض. الفنانان صاحِبا العرض بيا ماريا رول وماريوس فون دير فير، أرادا من ورائه إثارة الجدل حول فكرة الفن "المتواطئ" مع القمع، خلافاً للفكرة المبتذلة السائدة في المجتمعات الأوروبية التي توحي بأنّ كل فنان هو معارِض ومناضل للحرّية بالضرورة. الفنانان ناشطان عارضا بشدة التعاون النروجي مع المسرح الإسرائيلي، خاصة بعد العدوان على غزّة في العام 2014، واعتبراه مشاركة في إعطاء الشرعية لأعمال إسرائيل العدوانية من قبل المسرح الوطني.
في الفيديو تكمل "المتحدثة" لتقول: "كيف إذاً، سيداتي وسادتي، بحقّ إبسن وسوفوكليس، كنا على هذا القدر من العماء؟ فيما كنا نتعاون، كانت إسرائيل تقوم بقصف مروّع لقطاع غزة. 500 طفل فلسطيني خسروا حياتهم فيما كان هابيما مشغولاً بالترفيه عن الجنود الإسرائيليين. 370 ألف طفل فلسطيني، بحسب يونيسف، عانوا من صدمات نفسية جراء القصف الإسرائيلي، فيما كنا نحن مشغولين بتبني عقيدة الحوار الثقافي.. حوار ثقافي؟ وكأنّ الصراع هو نزاع بين طرفين متساويين يحتاجان فقط إلى العلاج بالحوار لتختفي الأحقاد! إن هذا عدوان استعماري، وليس ضغينة بين عائلتي المونتغيو والكابيولت (كما في روميو وجولييت شكسبير)، يحتاج لمجرد الجلوس والتحادث ليسود الحب إلى الأبد. إنه نزاع استعماري مبني على التطهير العرقي، العنصرية، الاحتلال، والأبارتهايد. لكننا بالطبع، لم نكن نعرف ذلك، ولهذا نعتذر ونشعر بالخجل..".

إسرائيل: "نازيون جدد!"

الإسرائيليون جنّ جنونهم من الفيديو، وسارعت وزارة الخارجية الإسرائيلية بمطالبة المسرح الوطني النروجي بتوضيح صريح بعدم تبنّيه مضمون العرض، قائلة إن العرض "الذي يدّعي أنه أنتج تحت لواء حرية التعبير هو عرض ممول من جهات رسمية حكومية وتابع للمسرح"، مضيفةً المعزوفة المعتادة "إن هذا العرض يذكّر بالبروباغندا النازية للرايخ الثالث وأعمال جوزف غوبلز والمخرج النازي ليني رايفنشتال"! كما طالبت الحكومة الإسرائيلية بإزالة الفيديو من كل منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما رفضه المسرح النروجي الوطني، لكنه أضاف موضحاً: "إنّ المقال والعرض غير الموقّع هما جزء من عمل فني بعنوان "وحوش الواقع"، وهو جزء من مهرجان إبسن الدولي 2016. النص لا يعبّر عن رأي المسرح الوطني النروجي، لكنه تعبير عن حرية الفنّ". وفيما أكّد المسرح الوطني النروجي "إيمانه بالتعاون الثقافي عوضاً عن المقاطعة"، لم يوافق على إزالة العرض ومضمون النص لأن ذلك يخالف حرية الفنانين في صناعة أعمال يؤمنون بها.
إذاً، المسرح الوطني لم يعتذر. لكن فنانين من النروج وأوروبا قالوا كلمتهم (التي يؤكدون أنها تتماهى مع رأي عدد كبير من جمهور المسرح الأوروبي): نعم لـBDS، وبعبارتهم: "إنه ليس بإمكاننا أن ندير مسرح البلاد بشكل منفصل عن الواقع العالمي. لا يمكن أن نسمح لأنفسنا أن نكون أدوات تقوم ببناء قوة النخبة التي تسعى لاضطهاد الآخرين وتلميع صورتها. وهذا يجب أن يكون حال كل مسارح أوروبا.. علينا أن نفكّك هيراركية مؤسساتنا، وأن نحرر أنفسنا من عبودية الأعمال التجارية، وأن نأخذ مجازفة شخصية كبرى. فقط بهذه الحالة، يمكن للمسرح أن يكون فناً مهمّاً".

مقالات من فلسطين

ما بعد الأزمة المالية الفلسطينية: معادلة الانفكاك الاقتصادي عن إسرائيل

على الرغم من الامتعاض الفلسطيني الواسع تجاه "بروتوكول باريس" ومجمل ترتيبات أوسلو، فإنه ليس واضحاً بعد ما إذا كان الكيان الفلسطيني - السياسي والاقتصادي والاجتماعي - جاهزاً لدفع ثمن تفكيك...

رأسماليّة 48: المستقبل

مجد كيّال 2019-09-14

هناك في ضبط علاقة الفلسطيني بإسرائيل مفهوم مركزي آخذ بالاندثار، وآخر يستحوذ على مكانه: يتلاشى مفهوم "العلاقة المعيشية الاضطرارية" التي حكمت ذاك الضبط، ويسيطر مبدأ "التأثير في كل مكان".. هذا...

فلسطين تطلب الحماية الدولية

الحماية الدولية يمكن ان تطلبها السلطة الفلسطينية وتعتبرها آخر أعمالها، فتضع الأمم المتحدة أمام مسئولياتها. وهو مخرج من الورطة يستحق ان يدور حوله الصراع الحيوي بغض النظر عن مقدار تحققه،...

للكاتب نفسه

... باللبناني!؟

صباح جلّول 2018-12-28

لا نجادل في أصل اللغات، فهذا ليس من اختصاصنا، بل نتفحص حصراً النزعة العجيبة في خطاب إحدى حلقات برنامج قناة MTV التلفزيونية، وعنوانه "باللبناني"، الذي "يبرهن" على وجود "اللغة اللبنانية"...