عزوف عن الحياة السياسية والتنظيمية والعامة؟

أثارت نتائج استطلاعات الرأي العام التي نشرها "مركز العالم العربي للبحوث والتنمية" (أوراد) في شهر نيسان/ ابريل الماضي، وتتعلق بتدني مشاركة الشباب في الحياة السياسية والتنظيمية (الحزبية)، والعمل المجتمعي عامة، موجة واسعة من الاستغراب والاندهاش، بسبب كونها وضعت علامات استفهام كبيرة حول أسباب هذا العزوف للشباب الفلسطيني (15 ـ 29 سنة).
2016-09-21

محمد خضر قرش

كاتب من فلسطين


شارك
همام السيد - سوريا

أثارت نتائج استطلاعات الرأي العام التي نشرها "مركز العالم العربي للبحوث والتنمية" (أوراد) في شهر نيسان/ ابريل الماضي، وتتعلق بتدني مشاركة الشباب في الحياة السياسية والتنظيمية (الحزبية)، والعمل المجتمعي عامة، موجة واسعة من الاستغراب والاندهاش، بسبب كونها وضعت علامات استفهام كبيرة حول أسباب هذا العزوف للشباب الفلسطيني (15 ـ 29 سنة).
وعلى الرغم من أن هذه النتائج والتوصيفات ليست بجديدة وليست غير معروفة لدى قيادات الأحزاب، لكن توقيتها ربما جاء ليعطي لها أبعادا وتفسيرات مختلفة، وخاصة في ظل التساؤلات والآراء حول مصير الهبة الجماهيرية التي انطلقت في تشرين الأول / أكتوبر 2015. ومن المتفق عليه أن خاصية العزوف هذه أو السمة تكاد تنتشر في كل الوطن العربي. فالفئة العمرية المذكورة تشكل أكثر من 30 في المئة من المجتمع الفلسطيني، ولا تفوقها إلا الفئة العمرية من (صفر- 14 سنة) والتي تبلغ نسبتها في منتصف عام 2015 وفقا للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني 39.4 في المئة. وهذا يعني أن نحو 70 في المئة من المجتمع الفلسطيني يتراوح عمره بين صفر و29 سنة. أما الذين يزيدون عن 60 عاما فلا تتجاوز نسبتهم 5 في المئة. والنسبة الباقية (25 في المئة) تخص الفئة العمرية من 30 - 59 سنة.
وبنظرة سريعة على متوسط أعمار قادة منظمة التحرير والفصائل والأحزاب، سنجد أن أغلبيتهم الساحقة تزيد على 60 عاما بل هي في النصف الثاني منه، ما يعني أن الأقلية العمرية في فلسطين (5 في المئة) تقود وتتحكم وتستأثر وتسيطر على 95 في المئة من المجتمع الفلسطيني، بل وتقرر مصيرهم. ولعل هذه من أولى المعضلات التي تواجه النضال الوطني الفلسطيني حالياً، وتحول دون الانفتاح على جيل الشباب الذين شكلوا على الدوام وقود الثورة وأبقوا على جذوتها مضيئة عبر العقود الطويلة للنضال التحرري الفلسطيني. فالجيل الذي قاد مهام النضال الوطني والتحرري وتحمل المسؤولية على إثر نكبة 1948 وما تبعها من مرحلة التحرر والتخلص من الهيمنة الاستعمارية التي كانت تعم الوطن العربي، وكان عمره آنذاك لا يتجاوز الثلاثين عاماً. وهناك فشل في تسليم راية ومهمات النضال والكفاح الوطني للجيلين التاليين بطريقة ديموقراطية، انطلاقا من مبدأ وأهمية زج عموم الشعب بالمشاركة في تحمل المسؤوليات الكفاحية وعدم حصرها في جيل تجاوز معظمه الآن عقد السبعينيات، ومنهم من دق أبواب الثمانينيات مفتخرا ومستبدلا فكرة الاكتفاء أو الاستقالة أو التقاعد بعبارة "مت وأنت قاعد".
لذا فقد بات من الضروري الوقوف مليا وطويلا أمام الحيثيات و/أو الأسباب و/أو المبررات التي أدت جميعها وتدريجيا إلى عزوف الشباب عن المشاركات الحزبية والتنظيمية الفعالة والملموسة، بما في ذلك عدم المشاركة في الحياة السياسية والمجتمعية العامة في فلسطين. وهناك نقطة على جانب كبير من الأهمية أهملتها قيادات الأحزاب والأنظمة العربية من دون استثناء، وهي أن فشل المشروع النهضوي القومي والتنموي وانتشار الفقر والبطالة والقمع وبيروقراطية الأحزاب نفسها، دفع الشباب إلى تحبيذ فكرة الهجرة نحو الدول الغربية والتي كانت السبب الرئيس وراء تخلف وتشتت وتقسيم وضياع فلسطين والعديد من الأقاليم والمناطق الجغرافية (...) فطبقا للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني فإن 23.6 في المئة من الشباب من الفئة العمرية (15- 29) سنة لديهم الرغبة بالهجرة للخارج (37 في قطاع غزة في القطاع مقابل 15.2 في المئة في الضفة الغربية). وتأتي السويد والولايات المتحدة الأميركية في مقدمة البلدان التي تشكل مقاصد للهجرة النهائية...

الحيثيات والمبررات

(...) نُشرتْ أبحاث ودراسات كثيرة حول أسباب إحجام قطاعات واسعة من الشباب عن المشاركة الفعالة بكل محطات ومفاصل النضال، والخروج الطوعي من دائرة التأثير والمواجهات، والوقوف على هوامش الحياة السياسية والكفاحية. وقد تحولت مشاركة الشباب إلى ما يشبه فورات الغضب أو الانتفاضات الشعبية الموسمية المؤقتة وغير الممتدة و/أو الدائمة مع أن بعضها كان كبيرا ومؤثرا، سواء نجم كرد فعل على العدوان والوحشية الإسرائيلية أو كنتيجة لقمع أجهزة الأمن العربية. ومن المتفق عليه بين المحللين والباحثين والسياسيين أن هناك سمات وعوامل مشتركة كبيرة تجمع أسباب عزوف الشباب عن المشاركة الفعالة في الحياة السياسية والتنظيمية للأحزاب العربية وبين مثيلاتها الفلسطينية. وبدون الدخول في التفاصيل، فإن نسبة مشاركة الشباب من الفئات العمرية المذكورة في عموم الدول العربية ما زالت دون 8 في المئة وفي بعضها كفلسطين والأردن دون الـ5 في المئة. وكان هناك تشابه كبير بين أسباب الانتفاضات الشعبية الشبابية التي كانت تجري في بعض الدول العربية. فعلى سبيل المثال انتفاضة رفع الأسعار في مصر في شهر كانون الثاني/ يناير 1977، وانتفاضة الخبز والجوع في تونس عام 1979، ويمكن مقارنتهما بما جرى في جنوب الأردن (معان) عام 1989 على إثر خفض قيمة الدينار وحدوث ارتفاعات كبيرة وملموسة في الأسعار (...).
يمكن تقسيم الأسباب والحيثيات التي كانت وراء عزوف الشباب عن الانتماء الحزبي والعمل التنظيمي إلى ثلاث مجموعات رئيسة: الأولى تعود للبيئة الاجتماعية والثقافة الدينية والتنشئة (التربية) التي تعمل في ظلها وتحت سقفها الأحزاب والفصائل والحركات (...) والثانية تخص الأحزاب نفسها وبنيتها التنظيمية، بما فيها العلاقات الداخلية الناظمة للحياة الحزبية وأسلوب انتخاب الهيئات القيادية وتأثيرها على مجمل الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية، وضعف قدرتها التأثيرية على التغيير، والثالثة تخص الطفرات والتحولات الهائلة التي حدثت في عالم الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والمعرفة، وخاصة أمام انتشار شبكات التواصل الاجتماعي (ما أطلق عليه "العالم الافتراضي")، ووسائل الإعلام ومحطات البث المباشر من المحطات الفضائية التي تعمل على غسل أدمغة الشباب وإعادة ترتيب الأولويات والاهتمامات لديهم على مدار الساعة (...). وهذا يعكس ثقافة الطبقة الحاكمة..

• ينشر بالاتفاق مع مجلة "شؤون فلسطينية".
• هذه مقدمة النص مع بعض الاختصار.

مقالات من فلسطين

من النقب إلى الجليل.. كيف صُنع الصمت؟

مجد كيّال | 2018-06-07

عوامل اجتماعيّة وسياسيّة حالت دون تحرّك شعبيّ واسع في الداخل الفلسطينيّ لمساندة قطاع غزّة. أضيفت فوق ذلك، عوامل ضيّقة صغيرة عند القيادة السياسيّة التقليديّة (أهمها الكسل)، ألقت بردّ الفعل السياسيّ...

للكاتب نفسه

الاقتصاد الفلسطيني و"اتفاقية باريس" الاقتصادية

محمد خضر قرش | 2016-03-31

في الديباجة المتفائلة والواعدة جدا (والمكتوبة على عجل) لاتفاقية باريس الاقتصادية (29/4/1994)، او ما صار يسمى "بروتوكول باريس"، فإنها "ستشكل أرضية العمل لتقوية القاعدة الاقتصادية للجانب الفلسطيني ولممارسة حقه في...