النقاش العام ووسائل الإعلام

انقضى الزمن الذي كان فيه التمييز واضحا، حيث كان عالم التواصل وأوساط الثقافة والمثقفين يتحرك فيه أناس بهاجس التدقيق والتحقيق، وعلى أساس ترسانة معتبرة من القواعد الأخلاقية والقناعات والإيمان بمبادئ المهنة
2016-09-04

عبد الله ساعف

برفسور في كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية في جامعة محمد الخامس في المغرب. له ما يقارب 20 مؤلفًا منشورا باللغتين العربية والفرنسية.


شارك
عبد الرحيم عقبي- المغرب
اصطدمت وأنا أغادر مكتبة بحي أكدال بالرباط، بصحافي بجريدة واسعة الانتشار على المستوى الوطني، عرفته سابقا كطالب بالسلك الثالث في الكلية التي أدرّس بها. كان ذلك في كانون الأوّل/ ديسمبر 2010، وكانت أحداث تونس آنذاك في أوجها. تبادلنا بعض الكلمات الخفيفة حول التطورات الأخيرة لنظام بن علي. في اليوم التالي، فوجئت باكتشاف على الصفحة الأولى من الجريدة المذكورة: صورتي مصحوبة بتصريح نسب إليّ حول ما كان يجري في تونس، مع أني لم أدلِ بأي تصريح في الموضوع، وكذلك تقديمي من طرف الصحافي كصاحب موقف ما، وصاحب آراء حول الأحداث المتسارعة لما سيصبح "الربيع العربي"، رغم أني في تلك المرحلة من "الثورة التونسية"، كنت أمتنع عن المغامرة بأي تعليق، بدافع حذرٍ لا يخلو من شيء من اليقظة الأكاديمية، فنظرا لغموض الأحداث، كان يبدو لي أن دلالات الوقائع الجارية آنذاك غير مقروءة.

لم تكن المرّة الأولى التي يتم فيها تحويل دردشة عادية وغير مهيّأة للنشر إلى استجواب شكلي ينجز وينشر من دون علمي، متبوعا بالتدقيق الغريب التالي: "حسب مصدر ألحّ على عدم ذكر اسمه". بيد أن المصدر المشار إليه ـ يعني أنا ـ لم تتم استشارته قط فيما يتعلق بذكر اسمه أو عدم ذكره.
مند زمن وأنا أمارس المشاركة في النقاشات العمومية كالتزام مواطن، وواجب وطني بهدف المساهمة في رفع مستوى الوعي السياسي داخل مجتمعنا. حددتُ هذه المهمة لنفسي، وهي امتداد لقناعات وانخراطات مؤسسة قديمة. أرافع باستمرار من أجل توسيع النقاش العمومي وسط مواطنينا، وأدعو بانتظام إلى أوسع تملك شعبي ممكن للشأن العام، مقتنعا بأن ذلك يشكل مفتاحاً أساسياً لتحديث واقعنا، وبالتالي لا أتردد في الاستجابة للدعوات الواردة من هنا وهناك، لأخذ الكلمة في لقاءات وندوات ومناظرات وموائد مستديرة وأيام دراسية (على العموم في مواقع أكاديمية) كلما استطعت ذلك..
وهكذا، خلال السنة الجامعية المنتهية، يمكنني القول إنّني لم أتخلف عن هذه المواعيد، بل استجبت لها أكثر مما ينبغي. لقد تدخلتُ في مواضيع شتى منها الدستور، المؤسسات، السياسات العمومية، حقوق الإنسان، التنمية الاجتماعية.. لكنّني أحرص على التمييز بين معالجة مبنية على العلوم السياسية، وهو التخصص المرجعي الذي أعتمده، والمقاربات النضالية ذات الطبيعة المختلفة التي تؤطر هذه الموضوعات، كما يتعاطى معها العديد من الزملاء.
عادة ما تتم تغطية النقاش العام عندنا بكل وسائل الإعلام التي يمكن تصورها، القديمة منها والجديدة.. ومرة أخرى، في نهاية السنة الحالية، لا أملك إلّا أن أسجل أن ما أتمثل أنني قلته لا تعكسه التغطيات الإعلامية التي أنجزت حوله: عبر العناوين المختارة والتلاعب بينها وبالمضامين، من خلال العبارات المثيرة المستعملة لجذب عموم الناس، والجمل التي تقتطف تعسفا من سياقها، والملاحظات التفصيلية التي تغلب على الأفكار الرئيسية، وقلب الدلالات "والتضخيم"، والبحث عن الإثارة انطلاقا من أرضيات ليست لها أية علاقة بذلك..
وبما أني لست فاعلا سياسيا، ولا محللاً يسعى إلى تقييم الفاعلين أو الإدلاء بأحكام قيمة حول سلوكياتهم وأدائهم، فإني أحاول تناول المواضيع التي تهمني من وجهة نظر تضع قدر الإمكان مسافة مع سياسة الفاعلين السياسيين الناشطين. لكن في الواقع، نجد أن فضاءات النقاش مليئة بصيادي التصريحات المثيرة والباحثين عن السبق في كل أجناس الإعلام المنافسة التي يمكن تصورها. وكثير من بين هؤلاء لا تهمهم الفروقات بين خطاب يسعى للنزوع إلى العلمية في السياسة، والخطاب السياسي للفاعلين في وضعية الصراع، في سياق المنافسة السياسية الجارية على بعد بضعة أسابيع من الانتخابات التشريعية في7 تشرين الأول/ أكتوبر المقبل.
انقضى الزمن الذي كان فيه التمييز واضحا، حيث كان عالم التواصل وأوساط الثقافة والمثقفين يتحرك فيه أناس بهاجس التدقيق والتحقيق، وعلى أساس ترسانة معتبرة من القواعد الأخلاقية والقناعات والإيمان بمبادئ المهنة. لماذا هذا الوضع؟ هل هو مشكل تكوين؟ هل هو مرتبط بطبيعة التكنولوجيات الجديدة وآثارها السلبية التي تصعب مقاومتها؟ هل هي نتيجة أمية سياسية تتقدم باستمرار؟ هل يتعلق الأمر بتفكك كل المثاليات أو تبخر كل القيم الأخلاقية؟ هل هي في نهاية المطاف "روح العصر"؟
أمام هذه الوضعية غير المريحة، نحن الذين حددنا لأنفسنا مهمة المساهمة في تقوية الاهتمام بالشأن العام، والمشاركة في النقاشات العمومية، على خلفية البحث عن الموضوعية الممكنة، كيف يمكن لنا أن نواجه سلوك من نوع عدم الفهم، والتشويه الإرادي أو غير الإرادي، وغياب المهنية، والتوظيف..؟
هناك بعض الإمكانيات لمعالجة الظاهرة:
- نصحني أحد الأصدقاء أن أصيغ بشكل شبه نهائي مسبقا مداخلاتي بمناسبة هذه الأنشطة المفتوحة أمام الجميع، للحد من التحريفات والتأويلات، خاصة تلك المنطلقة من حسن النية. تفترض هذه الطريقة المقترحة لمعالجة الموضوع أن نعيش حالة حرب تواصلية حقيقية، ولسنا بصدد المساهمة المواطِنة في ما أسميته مند البداية بـ "النقاش العمومي". لنذكر كذلك أنّ المداخلة عند إلقائها لا يمكن أن تكون نهائية، فهي في حاجة للنقاش الذي يليها مع الحضور لامتحان مضامينها، وعند الحاجة، لتدقيقها وتعميقها وضبطها وتوضيبها، أفكارا وتعبيرات..
- يمكن كذلك اعتبار أنّ هذه الممارسات وهذا الوضع "قدر"، وأننا لا نستطيع أي شيء تجاهه، وليس لنا أي خيار آخر غيره. في هذه الحالة، لن نتمكن من تحقيق هدف توسيع "النقاش العمومي" والرفع من مستواه. بل العكس هو الذي يحصل: مزيد من تفكك وتدهور ونزع المصداقية من القول في السياسة.
- يمكن أن أطلب، حسب صيغة الكاتب المصري الكبير الراحل الأستاذ هيكل "الاستئذان بالانصراف"، بمعنى الالتزام بالصمت والابتعاد كلياً عن هذه الأنشطة، لكن هيكل قال الكثير إلى الحد أنه لم يعد بإمكانه أن يقول أكثر مما قال. على أية حال، هذا حل آخر يتجلى في إخلاء فضاءات الكلمة العمومية، والإحالة لإنجاز هذه المهمة التاريخية على القوى العميقة المشتغلة في قلب المجتمع على المدى الطويل.
- هناك إمكانية هامة أخرى، بالنسبة للباحثين الذين قد يكونون ملتزمين بقضايا مجتمعاتهم، لكنهم كذلك متمسكون بخصوصية طبيعة علاقتهم بالموضوع السياسي. تتجلى هذه الإمكانية في إقفال الفضاءات الأكاديمية في وجه التلوثات السياسوية والإعلاموية والتجارية، والكتابة بحروف كبيرة على مداخل المواقع الأكاديمية الجملة الأفلاطونية المشهورة: "لا يدخل هنا إلا المهندسون"..

مقالات من العالم العربي

للكاتب نفسه

الإسلام والثنائية الفرنسية

كانت الأيام الأولى من مطلع سنة 2015 أياما لا تشبه غيرها. فالأوقات الصعبة التي طغت إثر مقتل أعضاء هيئة تحرير جريدة "شارلي إيبدو" أعادت الأجواء المثيرة التي رافقت مجموعة من...