محاربة الفساد في مصر

"الحاجة إلى الفساد" تعبير يستخدمه المختصّون لوصف الحالة التي تصل إليها بعض المجتمعات المستشري فيها الفساد، بما يفرضه على كل أفراد المجتمع، فيضطر الأفراد للجوء إلى ممارسات فاسدة مثل "تعاطي الرشوة والاستعانة بالواسطة" للحصول على حقوقهم وإنجاز مصالحهم التي لا تحققها السبل الشرعية.
2016-07-20

بسمة فؤاد

باحثة من مصر


شارك
هبة خليفة - مصر

"الحاجة إلى الفساد" تعبير يستخدمه المختصّون لوصف الحالة التي تصل إليها بعض المجتمعات المستشري فيها الفساد، بما يفرضه على كل أفراد المجتمع، فيضطر الأفراد للجوء إلى ممارسات فاسدة مثل "تعاطي الرشوة والاستعانة بالواسطة" للحصول على حقوقهم وإنجاز مصالحهم التي لا تحققها السبل الشرعية. وهذا هو ما وصلت إليه الحال في مصر في بعض (إن لم يكن كلّ) القطاعات، بل وقد سجلت مصر درجة عنيفة من الفساد قبل "ثورة يناير 2011" سيقت كسبب ودافع رئيسي لها. وفي دراسة صادرة عن "مركز العقد الاجتماعي" بالتعاون مع "مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار"، بعنوان "دراسة تحليلية لأسباب الفساد في مصر"، نجد أنه "وصل الأمر قبل الثورة أن تمت صياغة قوانين لخدمة بعض الأشخاص على حساب الصالح العام. في هذه الحالة وصل المفسدون لدرجة من القوة والنفوذ بحيث لم تعد قوانين الدولة تمثل أي عائق أمامهم لارتكاب جرائم الفساد لأنهم يستطيعون، ليس فقط أن يسكتوا هذه الجهات والقوانين، بل أن يعيدوا تشكيلها لتخدم مصالحهم، لنصل إلى ما يسمى الفساد بالقانون Corruption By Law وليس الفساد بمخالفة القانونCorruption Against Law . في هذه النوعية من الفساد يكون من غير المجدي مطالبة المسئولين بإصلاحات لأن المنظومة كلها فاسدة، ويكون الحل هو الثورة على هذه النظُم بأكملها".

جدل حول الدور الإعلامي

لذلك تعهدت الأنظمة السياسية المتوالية بعد ثورة يناير 2011 بالسعى لانتزاع جذور الفساد ومحاربته كأولوية قصوى. ولما وقّعت مصر على اتفاقية الأمم المتحدة واتفاقية الدول العربية (2014)، صار لزاماً عليها إصدار قوانين وقرارات لمكافحة الفساد. وقد أُعلنت "الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد" وخطتها التنفيذية في العام نفسه، وقُدِّر لها مدىً زمني يصل لأربعة أعوام (2014 ــ 2018). لعبت الحملة الإعلانية "الفساد خسارة عليك وعليّا.. مصر أقوى من الفساد" التي بثتها شاشة التليفزيون المصري بإلحاح طيلة شهر رمضان جزءٌ من الدور الإعلامي والتوعوي في تلك الخطة، وقد وُصِفت الحملة بأنها استجابة مباشرة لتعليمات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. وهي اكتفت بتسليط الضوء على بعض مظاهر الفساد، مثل المحسوبية والواسطة والبيروقراطية والرشوة، لذلك رأى فيها البعض اختزالاً للمعنى الواسع للظاهرة وتضخيماً لبعض ملامح الفساد التي تقع تبعتها على المواطنين استمراءً لسياسة تحميل المواطنين المسؤولية كاملة عن كل خراب محدق بهم، في مقابل إغفال ملامح الفساد الأكبر الذي تتحمله السياسات وتقع تبعته على كبار المسئولين بالدولة وذوي المناصب الرفيعة، بالإضافة لذاك الموجود في بعض المؤسسات الحيوية والسيادية. ومع ذلك لم يخلُ المشهد من أصوات ترحّب بالحملة كرسالة جادة تصل كل بيت لتذكير كل مواطن بدوره ـ مهما كان صغيراً ـ في القضاء على الفساد ومكافحته.

"إيجابيات".. بايتة!

في منتصف حزيران / يونيو الفائت، علت بعض الأبواق الإعلامية حد التهليل بإعادة نشر الخبر/ البُشرى: مصر تسجل تحسناً ملحوظاً على مؤشر الفساد، قفز بها 36 مركزاً قفزة واحدة حسب الأمانة الفنية للجنة الوطنية لمكافحة الفساد. جدير بالذكر أن الخبر متناً وعنواناً قد نُشر من قبل في أيلول / سبتمبر 2015، وفي المرتين لم تُحدَّد الأعوام، بل تُركت هكذا: "تحسنت عن العام الفائت" الذي هو إما 2014 أو 2015! اتفق مع ذلك طفيفاً التقرير الصادر عن منظمة الشفافية الدولية "نظرة عامة على الفساد في مصر ومكافحته 2015"، حيث رصد تحسناً طفيفاً لمصر على مؤشر الفساد صعد بها إلى المستوى 37 مقابل 32 في السنوات الفائتة، علماً بأن مدى المقياس يترواح بين الصفر "شديد الفساد" والمئة "شديد النزاهة". على النقيض. سجّلت إحصاءات البنك الدولي عن مصر 2014 تدهوراً في بعض مؤشرات الفساد مثل سيادة القانون وضبط الفساد وفاعلية الأداء الحكومي، حيث انخفضت إلى 34 و 32 و 20 مقارنة ب 54 و 47 و 41 للمؤشرات الثلاثة على الترتيب في العام 2009، وذلك بخلاف التقديرات التي توصّل إليها الجهاز المركزي للمحاسبات في مصر (600 مليار جنيه كلفة الفساد عن الفترة من 2012 إلى 2015)، والتي أودت برئيس الجهاز المركزي للمحاسبات المستشار جنينة خلف القضبان متهَماً بتضليل الرأي العام ونشر أخبار كاذبة!
ويعتبر الحديث عن "الفساد" بطبيعة الحال أمراً مُشكِلاً، إذ تضمّ الكلمة جمعاً لأنواع مختلفة من الفساد يمكن تصنيفها وفق معايير مختلفة، ما يؤدي بالنهاية لعرائض مطولة عن كل نوع وكل معيار. على سبيل المثال، صنفت الدراسة المشار إليها الفساد في مصر إلى "صغير أو كبير" من حيث حجم المقابل في جريمة الفساد والمكانة الوظيفية للقائم به، وهو أيضاً "إداري أو سياسي أو مالي أو اقتصادي" بحسب طبيعة القطاع الذي يحدث فيه. كذلك يمكن تصنيفه من حيث المدى الذي يؤثر فيه أحد أشكال الفساد بحيث يؤدّي لغيره. لذلك تتضارب قيم التقديرات التي تؤشر على حالة الفساد في مصر وفي غيرها بوجه عام، بحسب أهداف القياس والأدوات المستخدمة فيه ومدى قدرتها على تغطية الأنواع المختلفة للظاهرة.

الناس والفساد

فهل يعوّل على "الرأي العام" كمقياس مُكمِّل يؤشر لما يراه الناس بصدق وما يتوقعونه، بعيداً عن تضارب المقاييس الإحصائية التي تُستَغل لأغراض التهويل تارة والتهوين تارة أخرى؟ نحَت الدراسة الصادرة عن "منظمة الشافية الدولية"، بعنوان "الناس والفساد: دراسة مسحية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا 2016" لاستطلاع آراء عينة معبرة من الناس في تسع دول عربية كانت مصر من ضمنها. دارت أسئلة الدراسة حول مظاهر الفساد وأماكن انتشاره وسبل مكافحته كما يراها الناس. أجاب 58 في المئة من العينة بأن أداء حكومتهم في محاربة الفساد يمكن وصفه بالسيئ، بينما رآه 33 بالمئة جيداً، فيما أُغفلت الـ 9 بالمئة الباقية من العينة حيث كانت إجاباتهم غير دالة. وقد بدت الرشوة أكثر مظاهر الفساد انتشاراً، يلجأ لها تقريباً واحد بين كل ثلاثة، واحتلت مصر في درجة انتشار الرشوة المرتبة الثانية (53 في المئة) سبقها اليمن (71 في المئة) وتلاها المغرب والسعودية (49 في المئة)، فيما مثُلت المحاكم والشرطة تالية لها أكثر الأماكن الخدمية التي تتعاطى الرشاوى، سواء في مصر أو بوجه عام. لذلك خلصت الدراسة لأن "المحاكم هي الأسوأ والشرطة ليست أحسن بكثير"، فأكثر من 61 في المئة من العينة المصرية لجأ للرشوة لتلقي الخدمة في المحاكم. وعن سبل المكافحة، أجاب 53 في المئة من العينة في مصر بأن دور المواطن العادي يمكن أن يكون فارقاً في محاربة الفساد من خلال الإبلاغ عنه، ولكن التخوّف من الانتقام، والظن بعدم الجدوى، وعدم وضوح القنوات الشرعية والجادة لتلقي البلاغات مثلت جميعاً الحائل العتيد أمام تأدية المواطن لدوره، بحسب ما ورد بالدراسة.
ربما يوجِز "الفساد" مشكلات مصر في كلمة واحدة، هي الأكثر حضوراً في السجالات التي تحكي عن الحال والمآل في البلد، وإن طفق المختصون يقسمونه أنواعاً ويتجادلون في صوغ تعريف جامع شامل له.. فإن الكلمة تسعف البسطاء في وصف كل السوء الذي يرونه حولهم حين تُغمَّى عليهم التفاصيل.

مقالات من مصر

السيسي يخترع في السياسة والاقتصاد

البناء هجين، وهو ليس بالتأكيد قطاعاً عاماً، ولا تحركه مصلحة السكان بل الربحية الرأسمالية القصوى التي تتوفر هنا بشكل قسري، بالمصادرة والاحتكار. وهذا تناقض عجيب غريب، إذ يتم توليد الحالة...

نقابة الصحافيين المصرية: الرواية

منى سليم 2019-07-03

نقيب الصحافيين – المعارض السياسي السابق المعروف - يعلن انه ضد "مدرسة الإدانة"، ثم حين يتفاوض يكتفي بالاعتراف بالصحافيين "النقابيين" فقط، بل ويغفل بعضهم، ويرتضي بإحالتهم جميعاً لقائمة الجنائيين! وقد...

للكاتب نفسه