من ينقد المنظومة الواحية بالمغرب؟

عرفت المنظومة الواحية بإقليم طاطا جنوب المغرب وهي التي تحدث عنها الكتاب والرحالة في القرنين الماضيين باعجاب كبير، تدهورا خطيرا وتراجعا في عدد النخيل واندثارا لبعضها التي تعد كنزا وتراثا عالميا، بسبب تداخل مجموعة من الأسباب والعوامل، من طبيعية وبشرية.
2016-06-20

صالح بن الهوري

صحافي من المغرب


شارك
مهدي بن علّال - المغرب

عرفت المنظومة الواحية بإقليم طاطا جنوب المغرب وهي التي تحدث عنها الكتاب والرحالة في القرنين الماضيين باعجاب كبير، تدهورا خطيرا وتراجعا في عدد النخيل واندثارا لبعضها التي تعد كنزا وتراثا عالميا، بسبب تداخل مجموعة من الأسباب والعوامل، من طبيعية وبشرية.

بلغ عدد أشجار النخيل بإقليم طاطا مليون ونصف مليون نخلة نهاية الستينيات من القرن الماضي، وتقلص العدد إلى 860 ألفا عام 2010. فمن ينقذ المنظومة الواحية بالمغرب، ومن المسؤول عن تدهورها واندثارها، ومن المستفيد من ذلك؟ وهل من بارقة أمل لإدراج الواحات المتبقية ضمن التراث العالمي الإنساني  من قبل منظمة اليونسكو؟
واحات إقليم طاطا زمن المجد التليد.

يمتد إقليم طاطا من السفوح الجنوبية للأطلسي الصغير إلى الصحراء على 25 الفاً و925 كيلومتر مربع، وهو يحاذي الحدود الجزائرية في جنوبه الشرقي. وتتألف مساحة الإقليم من سهول وجبال، أشهرها سلسلة جبال باني في الشمال والشمال الشرقي، وسلسلة جبال وركزيز الممتدة جنوب شرق الإقليم، وتتواجد على طول الوديان المتمركزة بالإقليم واحات غناء فيحاء توفر جوا ملائما للاستقرار البشري.

أكدت النقوش الصخرية التي يضمها أكبر متحف للنقوش الصخرية في العالم بإقليم طاطا، والتي ترجع لأزيد من مائة قرن قبل الميلاد حسب الأركيولوجين الأجانب والمغاربة، أن الغطاء النباتي للمنطقة كان مختلفاً عما هو عليه اليوم، وكانت تعيش بالمنطقة الفيلة ووحيد القرن والكركدان والبقر الوحشي.. التي جسدتها النقوش الصخرية المنتشرة بربوع الإقليم الغني بتراثه المادي واللامادي، كما زكت الطرح تماسيح درعة المنقرضة عام 1934 بوادي درعة.

وأشار الإتنوغرافي الفرنسي شارل دوفوكو في كتابه "التعرف على المغرب نهاية القرن التاسع عشر" إلى توفر منطقة طاطا على كثرة الواحات وأن" تيسنت إحدى الواحات الكبرى لصحراء المغرب. توجد في قعر وهدة (...) وسط هذه الدائرة يمتد سهل من رمال بيضاء: هنا توجد الواحة. إنها غابة من نخيل يخترقها نهر جميل وبها قصور بارزة عند حاشية المغارس".   

وأردف أن " التمور ثروة تيسنت  ويرجع لها الفضل لكونها أحد المراكز المزدهرة لجنوب المغرب: حسب كلام مأثور، من بين الواحات الثلاث المشهورة في المنطقة، طاطا وأقا وتيسنت، تفوز طاطا بالمرتبة الأولى فيما يخص عدد السكان وتفوز تسينت بالمرتبة الأولى فما يخص عدد النخيل. تنتج تيسنت تمورا من عدة أنواع يحتل الجيهل الصدارة ضمنها. التمور جيدة جدا في تيسنت بينما هي عادية في مناطق أخرى". وذكر أن عوارض النخيل تستعمل لإنجاز هياكل المباني بالمنطقة، وأن طاطا أوسع الواحات الموجودة بين درعة والمحيط الأطلسي، وأن واحة أقا تتساوى مع واحة تيسنت وربما تتفوق عليها فيما يخص مظهرها البشوش وجمال طبيعتها. وأضاف الكاتب "توجد بها جميع أنواع الفواكه. تنتج بكثرة التين والعنب والرمان والمشمش والخوخ والبندقة والتفاح والسفرجل إضافة إلى التمور. يسقي هذه البساتين عدد كبير من القنوات: يوجد الماء بوادي أقا وقباله خلال جميع فصول السنة ويصاد السمك في النهر الأول". واعتبر أن امتلاك البقر في طاطا يعد ترفا زمنئذن. وأوردت بعض الوثائق التي تتضمها خزانات بعض الأسر أن قرية أكرض بتمنارت كانت تتوفر على 84 بقرة عام 1955.

الواحة كانت إذاً مزدهرة وساهمت في عيش الساكنة وساعدت على إستقرارها بالواحة. لكن كان لعوادي الزمن رأي آخر، ولتدخل البشر دور في تدهورها واندثارها.

محنة الشجرة المباركة إلى أين؟

استعمل مصطلح "الواحة" أول مرة من طرف المؤرخ اليوناني هيرودوت، وهو اسم لبلدة أو قرية تسمى فركة في مصر. وبعد ذلك وظفه سترابون بغرض الإشارة إلى مغروسات النخيل، بالإضافة إلى أن أصله يعود إلى عهد المصريين القدامى، وقد استعمله أيضا الكتاب العرب في العصر الوسيط. وفي الدلالة المتداولة، فالواحة تدل على مكان به أشجار النخيل لكن في بعض البلدان يعتبرون الواحة رغم خلائها من أشجار النخيل.

تشير المعطيات الرسمية – وزارة الفلاحة والصيد البحري- المتعلقة بسلسلة نخيل التمور إلى "يعادل متوسط المساحة الحالية 48  ألف هكتار، تضم حوالي  4.8 ملايين نخلة تمر، حوالي 41 في المئة منها منتجة. وتقع مناطق الإنتاج أساساً على طول هضبتي  زيز ودرعة، كما تساهم السلسلة  في الرفع من الدخل الفلاحي في حدود 60 في المئة لفائدة مليون شخص". ويتوفر المغرب على حوالي 16 نوعا من أجود التمور التي تتركز في ثلاث جهات رئيسية هي: ورزازات 41 في المئة، تافيلالت 28  في المئة، طاطا20  في المئة. في حين أن الرقعة الجغرافية لزراعة النخيل المثمر تشمل 13 إقليما تقع بالمنطقة الجنوبية والجنوبية الشرقية للمغرب.

اتحد كل من المناخ والإنسان على تدمير الواحة بإقليم طاطا، وتوقفت العديد من "الخطارات" (نظام تقليدي عبقري لجلب المياه، دخل الى المغرب في بداية القرن الثاني عشر، وافدا من الأندلس) التي أبدعها الأولون لري الواحات والحقول عن العمل اليوم. عدة عوامل لذلك، على رأسها توالي سنوات الجفاف، وزحف الرمال، وانجراف التربة، وتسلط مرض البيوض على أجود وأحسن وأفخر أنواع النخيل والتمور، وموت الرواد والمحترفين من الفلاحين العاشقين للواحة والعاملين فيها بقوة وجد، وشيوع ظاهرة تهريب النخيل إلى المدن الساحلية والداخلية لتزين القصور والاقامات الفخمة.

ما هي أنجع السبل لحماية ما تبقى من واحات؟ وهل من أمل بخلق واحات جديدة؟

تعمل الدولة المغربية من خلال المؤسسات المعنية بحماية الواحة والبيئة والمنظمات الحكومية وغير الحكومية على انقاد ما تبقى من واحات وخلق واحات جديدة. وتقول المديرية الإقليمية للمياه والغابات ومحاربة التصحر لطاطا أنها "تعمل على محاربة التصحر والانجراف وزحف الرمال بغية حماية الواحة من خلال بناء مدرجات بمعدل 10 هكتارات في السنة، وتخليف شجر الطلح بمعدل 150 هكتارا في السنة، وغرس شجرة تشط بمعدل 20 هكتارا في السنة، وشجر أركان بمعدل 30  هكتارا في السنة، كأول تجربة بالنسبة لهذا العام". وتردف رواية المندوبية أنها "قامت بخلق نقاط للماء وإنشاء حزام أخضر وإنجاز مسالك غابوية وإنتاج الأغراس الغابوية بوضع برنامج خاص بمعدل 150 ألف شجرة سنويا، توزع على المؤسسات التعليمية والجمعيات الناشطة في مجال المحافظة على البيئة وعلى الخواص من المواطنين". وتقول المنسقية المحلية لبرنامج واحات الجنوب بإقليم طاطا أن "وكالة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للأقاليم الجنوبية تعمل على التدخل في عدة مستويات لها علاقة اقتصادية واجتماعية بالمحافظة على الواحة، من خلال تثمين المنتوجات المحلية والمحافظة على التراث المادي واللامادي وتشجيع تنمية السياحة الواحاتية، والمحافظة على البيئة من خلال تنقية الأعشاش وفرض إعادة غرس النخل بالنسبة للجمعيات وتنظيف الواحة من الأزبال وإدخال الطاقة المتجددة". وتردف أنها "تساهم بالاستقرار في الواحة عبر تنمية الاقتصاد المحلي من خلال تشجيع الأنشطة المدرة للدخل كتربية الماشية وخلق مشاريع صغرى".

ومن بين المنجزات والمشاريع المبرمجة في قطاع النخيل نذكر:
- تكثيف إنتاج النخيل ببلدية طاطا وقيادة أديس بغلاف مالي قدره 28 مليون درهم: حصيلة المشروع: تبليط السواقي، إصلاح الخطارات، حماية الأراضي بواسطة الحواجز، تنقية 49  ألف  نخلة ، غرس 11500 فسيلة، توزيع 28 وحدة لطحن الحبوب...
- التهيئة الهيدروفِلاحية: تبليط السواقي وإصلاح الخطارات، خلق 10 محطات للضخ ، بناء صهاريج لجمع مياه الامتار..
- إعادة إحياء واحات طاطا في إطار التعاون المغربي البلجيكي: خلق 7 محطات ضخ مياه، بناء صهاريج  لجمع مياه السقي، تنقية أعشاش النخيل، بناء مقرات لتنمية المنتوجات الفلاحية..
- التأطير والمواكبة: تنظيم ثمان نسخ من المعرض الجهوي للواحات في طاطا، تنظيم زيارات تبادل  الخبرات، زيارة المعارض الوطنية والدولية..
من ناحيتها تنظم الغرفة الفلاحية بطاطا زيارات للفلاحين بغية تبادل التجارب مع فلاحين وخبراء بمناطق أخرى وأيام دراسية لرفع مستوى التكوين لدى الفلاحين.
 ما العمل لإنقاذ ما تبقى من واحات؟
- الدفاع بشراسة عن إدراج منظمة اليونسكو لواحات طاطا ضمن التراث العالمي الإنساني.
- خلق واحات جديدة والمحافظة على ما تبقى من واحات ورد الاعتبار لتراث الخطارات التي أبانت عن عبقرية الإنسان الواحي بإقليم طاطا وبالمغرب.
- لمحاربة الانجراف والتصحر والجفاف وزحف الرمال وحماية ما تبقى من واحات.. إنشاء حواجز وقائية.
- منع تهريب النخيل وزجر كل من يحاول الإسترزاق بالعمل الجمعوي لغاية التربح عوض خدمة الواحة والبيئة.
- رد الاعتبار لدور المرأة الواحية وهو دور مهم في حماية الواحة
- وضع مقاربة نموذجية شمولية لتثمين المنتوجات المحلية والأعشاب العطرية والطبية التي تزخر بها المنطقة.
إن توفرت كل هذه الحلول، سنتمكن من الحفاظ على الواحة بإقليم طاطا والمغرب، وإنقاذ تراث وطني ساهم في عيش الساكنة وجعل إرتباطها بالأرض يمتد لعدة قرون.

مقالات من المغرب

مهاجرون من افريقيا جنوب الصحراء: ربع حياة بالمغرب بانتظار "الإلدورادو" الأوروبي

سعيد ولفقير | 2018-07-19

من هم المهاجرون الأفارقة من بلدان جنوب الصحراء الكبرى؟ هذه ملامح لبعضهم من أماكن إقامتهم في المغرب، تؤنسن ما صار يُقارَب دوماً بالجمع وبصفته مشكلة لبلدان العبور، جاراتهم بالأصل، ولأوروبا...

للكاتب نفسه

المغرب والخمر

في المغرب، السكر السرّي حلال والسكر العلني حرام. وبوصول الحركة التي تخلط بين السياسة والدين إلى "شبه حكم"، عرف معدل استهلاك الخمور كما انتاجها ارتفاعاً.

مشاهد من الرباط

تُجسّد المشاهد التي تشتهر بها مدينة الرباط مظاهر التمييز والفقر التي تنخر المجتمع المغربي بسبب سوء توزيع الثروة الوطنية وانعدام العدالة الاجتماعية والاقتصادية..