في بشاعة السجن..

من بعيد، نتابع أخبار المعتقلين وصور معاناتهم المتعددة، تنقلها إلينا التقارير الحقوقية، أو حملات التضامن الإلكترونية، أو رسائلهم التي يتحايلون لإخفائها وتهريبها، تلك الرسائل التي تحمل اليأس والأمل، الثبات والجزع، الشكوى من سوء الأوضاع داخل الزنازين المكدسة سيئة التهوية، مواساة الأهل وطمأنتهم فهم أكثر ما يؤرّق المعتقلين.. كما تحمل الغضب. 
2016-05-11

منى علاّم

كاتبة وصحافية من مصر


شارك
أمجد وردة - سوريا

المزيد من السجون تُبنى في مصر.
يتجاوز عدد المعتقلين 40 ألفاً.
لا تُحْصِ، أَصِخْ للباكينا

(من قصيدة الكوليرا لنازك الملائكة)

أماكن فاسدة
 

من بعيد، نتابع أخبار المعتقلين وصور معاناتهم المتعددة، تنقلها إلينا التقارير الحقوقية، أو حملات التضامن الإلكترونية، أو رسائلهم التي يتحايلون لإخفائها وتهريبها، تلك الرسائل التي تحمل اليأس والأمل، الثبات والجزع، الشكوى من سوء الأوضاع داخل الزنازين المكدسة سيئة التهوية، مواساة الأهل وطمأنتهم فهم أكثر ما يؤرّق المعتقلين.. كما تحمل الغضب. "كاذب من قال لكم إنّ السجون تصنع رجالاً، كاذب من قال إنّ السجون تربي الإرادة، منذ متى يصنع الظلم رجلاً أو يبني إرادة؟ منذ متى والظلم يفعل أي شيء سوى الظلام على أهله؟ السجون أماكن فاسدة بكل ما فيها.. هواؤها فاسد، ماؤها فاسد، طعامها فاسد، كلّها وكل ما فيها فاسد، وهل يفعل الفساد في العباد إلا فسادا في أذواقهم وأجسادهم وعقولهم ونفوسهم" من رسالة كتبها شريف فرج، المعيد بكلية الفنون الجميلة جامعة الإسكندرية، أثناء فترة اعتقاله التي استمرت ثمانية شهور.

التجربة الأسوأ

ليس من تابع من بعيد إذن كمن خبر بنفسه عتمة الزنازين وعاش التجربة، بأحداثها الكبيرة وتفاصيلها الصغيرة، والتي ـ لا شك ـ تترك آثارها على المعتقل نفسياً وفكرياً. ويتفاوت التأثير النفسي حسب طبيعة شخصية المعتقل، وما إذا كان تعرض لانتهاكات جسدية جسيمة أثناء فترة الاعتقال أم لا، وكذلك حجم خسائره من جراء الاعتقال، فهناك من فقد عزيزاً أثناء فترة حبسه، ومن فقد عمله ووجد نفسه بعد الخروج بلا مورد رزق. يحتاج البعض لمراجعة طبيب نفسي لتجاوز آثار التجربة، والبعض يقدر على التعافي ذاتيا وبمساعدة الأهل والأصدقاء.
"ماذا مثّل السجن لك؟ وكيف أثّرت التجربة فيك؟" كان هذا هو السؤال الذي وجهتُه لعدد من المعتقلين السابقين، فجاءت الإجابة المشتركة "السجن أسوأ تجربة يمكن أن يمر بها إنسان". وقد عكست إجاباتهم بوجه عام بعضا من وجوه الأثر الذي تركته التجربة فيهم: التركيز على الشأن الخاص واللامبالاة تجاه الأوضاع العامة، أو لنقل فقدان الأمل في حدوث تغيير حقيقي على الأقل في المدى القريب، الحرص أكثر والحذر عند التعامل مع الناس، والتريث قبل الوثوق بأحد فقد آلمهم الخذلان من بعض الأصدقاء، تزايد الخوف على الأهل والحرص على تجنيبهم تكرار المعاناة المعنوية والمادية، مراجعة بعض الأفكار أو المواقف السياسية التي كان الشخص مقتنعا بها قبل التجربة... وهي أمور ـ في كثير منها ـ لا ينفرد بها المعتقلون بل يشترك معهم فيها كثيرون ممن لم يمروا بتجربة الاعتقال. فالحرية مفتقدة هنا وهناك، والمظالم واقعة على الجميع، وإن بدرجات متفاوتة، وحالة الإحباط عامة، وإن ظل المعتقل، بحكم تجربته القاسية، أكثر إحساسا وتأثرا بكل ذلك، وتبدو الأمور في عينيه أكثر وضوحا وإيلاماً.
"لم يكن السجن بالنسبة لي إلا حالة سوداوية كئيبة تجسِّد الظلم الذي تعرضت له، لم يكن إلا حدوداً لأحلامي وطموحاتي ومعطلاً لتطلعاتى. كانت أيامه طويلة وزاد من طولها غياب الرؤية متى تنتهي.. أعتقد أن هذه التجربة كانت كاشفة لمن حولي بصدق فهكذا تكون الشدائد. لقد أصبحت أكثر استمتاعاً بالمشاهدة والتدقيق وأقل كلاماً وإبداء للرأي إلا لمن سألني أو من كان قريبا لي. أصبحت أكثر حرصا على أهل بيتي وأقل مبالاة لما يؤول إليه البلد".
"تجربة السجن كانت التجربة الأقسى والأصعب التي مررت بها في حياتي، ولا أظن أنني سوف أمر بتجربة أسوأ منها، وفشلت كل محاولاتي للتعايش مع فكرة أنّني محبوس وعملي ومستقبلي المهني يضيع، وأنّ حياتي أصبحت حدودها زنزانة بأربعة حيطان يشاركني فيها 60 شخصاً، وأنّني لا أرى الشمس إلا إذا تفضل المأمور وسمح لنا بالخروج ساعة للتريّض. السجن يجعل أقصى طموحك وأحلامك أن تنام على سرير فى حجرة بمفردك وبابها مفتوح. الحياة في السجن مكررة ومملة ورتيبة. الوقت لا يمر والمكان يضيق. في السجن لا يوجد شيء اسمه خصوصية".

فِرُّوا

"السجن يدمر الإنسان نفسياً ويستنزف قدراته ومواهبه في اللاشيء، داخل السجون يقبع أساتذة جامعيون وكفاءات ومواهب، ما الذي يمكن أن يضيفه هؤلاء لأنفسهم وللمجتمع وهم مسجونون؟! حتى بالنسبة للمسجون الجنائي، السجن مدرسة لتعليم الانحراف.. من الأفكار التي بلورها السجن لديّ فكرة أن وطن الإنسان هو المكان الذي يستطيع أن يحقق فيه ذاته ويُعامَل فيه باحترام، لماذا نتمسك بوطن نُهان فيه ولا نستطيع أن نحقق أحلامنا؟ أنا أدعو كل شخص يستطيع ألا يكون موجوداً في مصر أن يفعل، حياة الإنسان أقصر من أن يحاول أن يصلح الدائرة الكبيرة، يحاول مرة واثنتين وثلاث من دون نتيجة فما الحل؟! ومع هذا أنا لم أفقد الأمل تماماً، لكن ثورة يناير لم تكن سوى بداية واستكمالها لن يكون أمرا سهلا كما كنّا نتوهم. هناك مؤشرات على أن الأمل موجود، هذا الحراك الذي نلاحظه في المجتمع ضد ظواهر سلبية مثل التحرش مثلا، وهو ما أراه مكسبا من مكاسب الانفتاح على الآخر والاطلاع على واقع دول متقدمة، لكن المشكلة أن تعتاد مجتمعاتنا على القذارة فيصبح منظر القمامة غير مؤرق لأحد بسبب تكرار التعرض له".

مراجعة

يَحكي أحد الكوادر الشابة داخل جماعة الإخوان، والذي كان عضواً في حزب الحرية والعدالة: "مثّل السجن بالنسبة لي تجربة صعبة ومؤلمة للغاية، لكنه كان فرصة واختلاء لمراجعة كثير من تصوراتي وأفكاري التي كنت أدافع عنها من قبل، لم أعد مقتنعا بفكرة التضحية العشوائية بالنفس أو الناس هكذا من دون فائدة، من دون رؤية ومن دون موازنة صحيحة للأمور، الحفاظ على الناس وحياتهم وأحلامهم أهم من أي مطلب أو موقف سياسي. خرجت من السجن أكثر جرأة على الانتقاد والكلام عن أخطاء التيار الإسلامي كله، صرت على يسار التيار، لم أعد أحسب أي حسابات قبل التعبير عن رأيي السياسي، قبل السجن لم أكن أملك تلك الجرأة، ربما لأني رأيت عذاب المعتقلين وأسرهم وهم لا يستحقون ذلك. الإصلاح في الوقت الراهن صعب. وفكرت طبعا في الهجرة وما زلت أفكر".

رؤوس منكَّسة

يزخر أدب السجون لدينا بالعديد من تجارب الاعتقال التي دوّنها أصحابها في مراحل تاريخية مختلفة. كتب العقّاد الذي سُجن في العام 1930 بتهمة العيب في الذات الملكية "عالم السدود والقيود"، وكتب سعد زهران "الأوردي: مذكرات سجين" عن فترة اعتقاله بسجن الأوردي بالقاهرة أثناء الحكم الناصري: "في اللحظة الأولى لخطو المعتقل إلى سجن التعذيب يُلقى إليه بأمرين يظلان يترددان إلى أن ينفذهما المعتقل تلقائيا ومن دون تفكير: "وشك في الأرض"، "الخطوة السريعة". إن تنكيس الرأس والبصر من القواعد الأساسية". وفي "حملة تفتيش: أوراق شخصية" كتبت لطيفة الزيات عن سجنها في نهاية الأربعينيات، وكانت عندئذ شابة، واعتقالها مرة أخرى في أواخر عهد السادات وهي في الثامنة والخمسين: "أعرف أن قدرة الإنسان على التفكير كانت دائماً الهدف، وأن السجن والتشريد والتهديد والملاحقة والتعذيب ليست سوى وسائل لسلب الإنسان آدميته أو قدرته على التفكير الناقد، أعرف أن الإنسان لا ينهزم ما احتفظ بآدميته"، وكتبت أيضاً: "على الإنسان أن يروي الشجرة حتى لو لم تتح له فرصة من العمر ليرى الشجرة تخضرّ". بالإضافة إلى آخرين كتبوا عن تجاربهم داخل السجن، في العصور نفسها، أو في عصور لاحقة (ولكلِّ عصر سماته). يبقى السجن سمة كل العصور، يحل دائماً بضيقه وعتمته ووجوه ساكنيه المغبرّة محلّ الجنينة، ببراحها وهوائها النقي وزهورها المبهجة وأشجارها الباسقات الواقفات في شموخ. وتبقى الحرية حُلما مؤجلا لا يتحقق إلا للحظات، لا تلبث أن تختفي، كما يختفي النور داخل الزنازين.

مقالات من مصر

أن تكوني لاجئة سودانية في مصر

منى علاّم 2019-10-16

لاجئات سودانيات في مصر، جئن من كل أنحاء بلادهن المصطخِبة بظروفها المتعددة، وعلقن هنا في قعر لا يلمسن قاعه ولا يرين كيفية الخلاص منه. قصص تتكرر ملامحها الأساسية، ولكن التفرد،...

ألم "يمني" فوق جسر النيل

منى سليم 2019-10-15

نصف مليون يمني، من الناس العاديين "عالقون" في مصر دون محل ثابت أو حلم نابت، وهي البلد الذي لطالما اعتبروه نفس وطنهم. جاء أغلبهم بعد انهيار أوضاع بلدهم للعلاج من...

للكاتب نفسه

أن تكوني لاجئة سودانية في مصر

منى علاّم 2019-10-16

لاجئات سودانيات في مصر، جئن من كل أنحاء بلادهن المصطخِبة بظروفها المتعددة، وعلقن هنا في قعر لا يلمسن قاعه ولا يرين كيفية الخلاص منه. قصص تتكرر ملامحها الأساسية، ولكن التفرد،...

الحراك في السودان بأصوات نسائه

منى علاّم 2019-03-08

مشهد عام لمشاركة النساء الملفتة في التحركات المتواصلة في السودان منذ 19 كانون الاول/ ديسمبر الماضي. شهادات لمعتقلات ولناشطات، وفيديوهات تصوِّر الاحداث.. ومعها اسئلة ما زالت مثارة.