الهوامش رافعة الحراك الاحتجاجي في تونس

سبيطلة، ماجل بلعباس، جدليان، سبيبة، فريانة، العيون، القصرين، مكناسي، القيروان، جندوبة، توزر، القصور، الدهماني، جبنيانة، عقارب، منزل بوزيان، القطار، تاجروين... هي لمن لا يعرف تونس أسماء مدن وبلدات يجمع بينها احتلالها "الجزء السفلي من التسلسل الهرمي لسلم الفضاءات"، استعارةً لتعريف عالم السوسولوجيا "لويك فاكان" لتعيين وضع المنبوذين في المناطق الحضرية. 
2016-04-14

ألفة لملوم

باحثة في العلوم السياسية، مديرة مكتب International Alert، من تونس


شارك

سبيطلة، ماجل بلعباس، جدليان، سبيبة، فريانة، العيون، القصرين، مكناسي، القيروان، جندوبة، توزر، القصور، الدهماني، جبنيانة، عقارب، منزل بوزيان، القطار، تاجروين... هي لمن لا يعرف تونس أسماء مدن وبلدات يجمع بينها احتلالها "الجزء السفلي من التسلسل الهرمي لسلم الفضاءات"، استعارةً لتعريف عالم السوسولوجيا "لويك فاكان" لتعيين وضع المنبوذين في المناطق الحضرية. كما يوحِّد بينها في الأشهر الأخيرة احتضانها لحراك اجتماعي عنيد أخذ شكل اعتصامات غير مسبوقة إن من حيث حجمها أو لطول نفَسها، ينظمها شباب من المعطلين عن العمل في مقرات المعتمديات أو الولايات للمطالبة بحقهم في العمل والتنمية لمناطقهم، أو في العاصمة قبالة بعض الوزارات، خصوصاً تلك التي تشرف على التنمية الاجتماعية والاقتصادية، أو في الساحات كما هو الحال مع اعتصام مجموعة من شبان القصرين المرابطين أمام وزارة التشغيل في العراء منذ شهرين.
موجة الاحتجاج هذه انطلقت مع منتصف شهر كانون الثاني / يناير الماضي، غداة استشهاد الشاب المعطل عن العمل رضا اليحياوي الذي سقط من عمود كهربائي أمام مقر ولاية القصرين كان قد اعتلاه احتجاجاً على تلاعب مسؤولين محليين بقائمة أسماء لشبان من الجهة كان سيتم انتدابهم للعمل. ما أعقب استشهاد رضا أعاد إلى الذاكرة الجمعية سيناريو بدايات الثورة في تونس. ففي غضون بضعة أيام، وبعد أن أشتعل فتيل الاحتجاج في مدينة القصرين وخرج الآلاف من سكانها، رجالا ونساء ــ أجمعت بعض المصادر المحلية على أن عددهم فاق مَن شاركوا في انتفاضة كانون الثاني/ يناير 2011 ــ تنديداً بالفساد المؤسساتي ومطالبة بالتشغيل والتنمية في جهتهم، عمّ الحراك مختلف معتمديات الولاية لينتقل بعدها إلى مناطق داخلية أخرى كسيدي بوزيد، قفصة، جندوبة، سليانة، الكاف.. قبل أن يتحول إلى أحياء شعبية في تونس العاصمة ليبلغ بذلك ذروته.
"الوحدة الوطنية" وسائر التكتيكات
زخم الحراك في أيامه الأولى، واتساع رقعة انتشاره بشكل سريع، أضعف شعار "الوحدة الوطنية" الذي رُفع في مواجهة الخطر الإرهابي، واعتُمد منذ 2013 كحجة رئيسية لشرعنة أداء النخب الحاكمة، ما أعاد للسطح إلحاح المسالة الاجتماعية العالقة في البلد. فكانت المفارقة أنْ جاء رد فعل السلطة على هذا الحراك شاهداً على قوّته. فأمام استحالة إخماده بشكل كامل، لجأت السلطة إلى تطويقه والحد من تأثيره بأن راوحت بين الإكراه والترغيب. أُعلن في البداية عن حظر التجول بحجة مواجهة من سمتهم بالمخربين المندسين في صفوف المحتجين، مما أفضى إلى وضع حد للمظاهرات التي رافقت الحراك في أيام ذروته، ثم أُعلن عن إجراءات ظرفية لتشغيل بعض العاطلين دون كسب ثقة المحتجين، ثم حين أصبح الاحتجاج مقتصراً على مواقع تسهل مراقبتها، عولت السلطة على كسوفه وإصابة نشطائه بالإحباط، فغضت الطرف عنه. وهي تبدو الآن في مسعى لفض الاعتصامات بالقوة، خاصة أن مقاربتها باءت بالفشل.
تخللت بعض هذه الاعتصامات إضرابات عن الطعام أو مسيرات، وهي تشهد على موجة جديدة من الحراك الاجتماعي الاحتجاجي الذي لم ينجح تجريمه أو التعتيم عليه من قبل الإعلام التقليدي، ولا حتى انعدام مظاهر دعمه من قِبل "الاتحاد العام التونسي للشغل" في تثبيط عزيمة نشطائه، وإن تمكّن من فرض بعض العزلة عليهم. وبقطع النظر عن مآلات المواجهة الدائرة اليوم بين السلطة والمعتصمين، فإن هذه الدورة الجديدة من الاحتجاج استطاعت الصمود لأشهر رغم شح مواردها الرمزية والمادية. وهو يكشف في اعتقادنا عن تبلور تطورين رئيسيين تشهدهما حلبة النزاع الاجتماعي في البلد منذ سنوات.

الهوامش كمركز الاحتجاج

لم يكن مفاجِئاً انطلاق الحراك من القصرين كما امتداده ضمن جغرافيا الهوامش. فمن جهة، وعلى الرغم من مرور خمس سنوات على الإطاحة ببن علي، وعلى الرغم مما لعبته هذه المناطق من دور رئيس في ذلك، وعلى الرغم من الآمال التي علقها شبابها على إمكانية تحسّن حياتهم وتخطيهم للهشاشة والتهميش واسترجاع كرامتهم وحق مناطقهم في التنمية.. إلّا أن شيئا لم يتغير. لا بل تعكرت أوضاع فئات واسعة منهم نتيجة تعمق الفساد وانسداد الأفق الاقتصادي ورجوع السياسات الأمنية، فازداد شعورهم بالغبن، في ظل تداول ست حكومات وَعَدت ثم عجزت. من جهة أخرى، تستند الموجة الجديدة على تعبئة وأنشطة جماعية مطلبية واحتجاجية لم تنقطع في حقيقة الامر خلال السنوات الخمس الأخيرة، وإنْ اختلفت وتيرتها أو تراجع منسوب التعاطف معها في أوساط الطبقات الوسطى. وعليه، شكلت هذه الاحتجاجات مجتمعة رأس مال نضاليا سابقا ارتكزت عليه الموجة الجديدة.
لكن الأهم من ذلك أن هذا الحراك، وقد أعاد للذاكرة سيناريو الحراك الثوري في 2010/ 2011، يؤكد أن خارطة التعبئة في تونس، كما ارتسمت منذ خمس سنوات، ليست عرضية بل هي معطى سياسي، وهو في جوهره انعكاس لتطور في جغرافية الفعل الاحتجاجي كما رسمته أنماط تأطير وهوية الفاعلين في كثير من النزاعات الاجتماعية التي حكمت السنوات الأخيرة لنظامي بورقيبة وبن علي.
إذ دشنت انتفاضة الخبز في كانون الثاني/يناير 1984 التي قامت غداة قرار السلطة آنذاك زيادة سعر الخبز ورفع الدعم عن مواد الاستهلاك الأولية، علامة فارقة عن بداية تطور "سياسة النزاع" في تونس، وبروز فاعل اجتماعي من خارج مؤسسة التأطير الاحتجاجي التاريخية المتمثلة في الاتحاد العام التونسي للشغل، بفعل الإنهاك المتواتر الذي تعرضت له، لا فحسب جراء الضربات المتلاحقة التي وجهت له منذ نهاية السبعينات بل كذلك نتيجة الإتباع التصاعدي لسياسات الخصخصة الاقتصادية التي أضعفت قطاعات عمالية كانت خزاناً بشرياً له. بالتوازي، أفضى التحرير الاقتصادي إلى تفاقم العطوبة في شرائح اجتماعية واسعة، وتعطل أفق الارتقاء الاجتماعي الذي كان يوفره فيما مضى التعليم. وكان لهذه السياسات الاقتصادية الوقع الأكبر في المناطق الداخلية المهمشة تاريخيا والتي ضاعفت سنوات بن علي من معاناتها بتقويض ما تبقى من "الدولة الاجتماعية" فيها.
في الفترة الأخيرة من حكم بن علي، تعاقبت انتفاضات الهوامش التي واجهها النظام آنذاك بالقمع الشديد في محاولة لإخمادها، فكانت انتفاضة مدينة الذهيبة الفقيرة والصغيرة في 2007 وهي تقع على الحدود مع ليبيا، ثم انتفاضة الحوض المنجمي في 2008، جنوب غرب البلاد، فانتفاضة مدينة بن قردان وهي الأخرى حدودية، في 2010. مجمل هذه الانتفاضات شكلت مقدمات لما سيحدث في 2011. وهذا يتكرر في 2016 وإن بشدة أقل، ونعني بذلك تشكل الهوامش الحضرية وشبه الحضرية كفضاء رئيس للاحتجاج الاجتماعي على الشرخ المناطقي الذي تأسست عليه الدولة الحديثة، وانتدبت في إطاره نخبها، وكمنتج مركزي لمفردات الصراع الاجتماعي، وذلك باستقلالية نسبية عن الأطر التقليدية للتعبئة، الحزبية والنقابية.

العاطلون ذوو الشهادات: هوية جمعية

أول ما يشد الانتباه حين ننظر إلى سوسيولوجيا نشطاء هذا الحراك هو انخراط الشابات المعطلات عن العمل ومشاركتهن في الاعتصامات بأعداد كثيفة في بعض المواقع، على الرغم من قسوة ظروف الاحتجاج، وما يفرضه من التزام كامل، ليس أقله الحضور المستمر. هذه المشاركة تحيل إلى عمق شرعية مطلب حق العمل والتنمية في آليات إنتاج المعنى وتأطير التعبئة في أوساط واسعة من شباب مناطق التهميش في تونس اليوم. هؤلاء الشباب اكتسبوا من الثورة ثقة في وزنهم وقناعة في قدرة الفعل الجمعي على تغيير حياتهم على الرغم من الخيبات. وهو معطى يدحض بعض الاستعمالات المتداوَلة للعشائرية كفرضية تفسيرية يُختزل بها فهم ماهية النزاع في هذه المناطق، وتجليات الهويات والعصبيات فيها.
فالواقع أن موجة الحراك الأخير تشهد على تبلور هوية اجتماعية جمعية لدى حاملي الشهادات العاطلين عن العمل بالخصوص، وهم رأس حربة هذا الحراك، وهذه الهوية مثلت رافعة لنشاطهم وعلامة على تغيير الثورة لأبعاد الفعل الاجتماعي والسياسي. فدينامية التعبئة، وقدرتها على الاستمرار واحتلال الفضاء العام هي نتاج لسيرورة تراكمية تمتد جذورها الى الدور الريادي الذي لعبه "الاتحاد الوطني لحاملي الشهادات المعطلين عن العمل"، الذي تأسس سنة 2006 ولم يعترف به قانونياً إلا بعد الثورة، ودوره في إبراز "قضية العطالة" في الفضاء العام، كما أيضا تقاطع ذلك مع بروز مجموعات متفاوتة التنظيم، ورموز جديدة، شبابية محلية، شاركت في محطات حراكية عديدة منذ 2011.
"هيكلة الفرص السياسية" اليوم لن تسمح بحل معضلة البطالة الشبابية، ولربما سيصيب بعض من نشطاء هذا الحراك الانكسار. وتجني "السلفية الجهادية" من جديد ثماراً على مذبح من يأسوا من جدوى الحراك السلمي. غير أنه مهما كانت نهايات هذه الموجة، فإنها قد أعادت الاعتبار للتحدي الاجتماعي، عسى أن يعجل ذلك في صياغة مقاربات جديدة للتنمية، وبروز أشكال بديلة للتشغيل.

مقالات من تونس

في أهمية المبادرات الأهلية، أمثلة من تونس

ضو سليم 2019-08-14

تبقى مثل هذه المشاريع رمزية ومحدودة بالطبع ولا تحل مشكلات الأزمة البيئيّة الخانقة، ولكنها خطوات إيجابية لتطوير حس المسئولية الفردية تجاه هذه المسائل، ولتحفيز روح المبادرة الجماعية إجمالاً، بدءاً من...

السلطة والثروات الطبيعية في تونس.. عن الفساد والمحسوبية

يرتبط "النمو الاقتصادي" بمداخيل الناتج من تصدير المواد الأساسية الخام مثل الفوسفات والثروة السمكية والمنتوجات الفلاحية. تقلص التصدير يعني تقلص النمو. لكن النمو المتأتي من تصدير الثروات الطبيعية لم يحقق...

تونس: اختراقات تمهد للتطبيع؟

مسألة التطبيع توضّح المسافة الكبيرة التي تفصل "روح" الثورة التونسية عن حسابات/ سياسات الحكام الجدد. اذ يبدو ان الإسلاميين و"الدساترة" لديهم قناعة راسخة بأن اغضاب إسرائيل سيجلب عليهم غضب الأوروبيين...

للكاتب نفسه

خطر سيادة "الإخضاع الطوعي" في تونس

ألفة لملوم 2016-09-07

أخيراً، وبعد طول مخاض، كُشف الستار في تونس عن الحكومة الجديدة، وهي السابعة بعد الثورة، وحظيت التشكيلة التي كان تقدّم بها إلى مجلس نواب الشعب الوزير الأول المكلّف يوسف الشاهد...

أسئلة الثورة التونسية: عينة "القصرين"

ألفة لملوم 2016-01-21

فيما تمر تونس بالذكرى الخامسة لانطلاق ثورتها، يعود السؤال بإلحاح عن حصيلة هذا الحراك الاستثنائي الذي هز أركان النظام وامتد كالنار في الهشيم في كامل المنطقة العربية. فماذا حققت الثورة...

تونس: الفوز بنوبل لا يكفي لإخفاء الصراع

ألفة لملوم 2015-10-22

مع حلول السنة السياسية الجديدة في تونس، فرض نفسه مشروع قانون "المصالحة الاقتصادية" الذي اقترحه رئيس الدولة وصادقت عليه الحكومة في شهر تموز/يوليو كأحد العناوين المركزية للصراع السياسي الدائر في...