أحمد ناجي: خياله لم يدخل معه إلى الزنزانة

"لا تحدثني عن الاستبداد والديمقراطية أو حكم جوز أمك.. أنا لا أؤمن إلا بالحرية"، بهذه العبارة السحرية اعتاد أحمد ناجي أن يفض أي نقاش يراه يتناول البديهيات. لعل أصدقاء ناجي ومن عرفوه حول العالم تذكروها وهم يتناقلون صوره في قاعة المحكمة لحظة صدور الحكم عليه بالسجن الفعلي لسنتين بتهمة "خدش الحياء العام" إثر نشر أحد فصول روايته الأخيرة "استخدام الحياة" على صفحات جريدة
2016-03-11

محمد جميل

باحث من غزة، فلسطين


شارك
الكاتب أحمد ناجي

"لا تحدثني عن الاستبداد والديمقراطية أو حكم جوز أمك.. أنا لا أؤمن إلا بالحرية"، بهذه العبارة السحرية اعتاد أحمد ناجي أن يفض أي نقاش يراه يتناول البديهيات. لعل أصدقاء ناجي ومن عرفوه حول العالم تذكروها وهم يتناقلون صوره في قاعة المحكمة لحظة صدور الحكم عليه بالسجن الفعلي لسنتين بتهمة "خدش الحياء العام" إثر نشر أحد فصول روايته الأخيرة "استخدام الحياة" على صفحات جريدة "أخبار الأدب" قبل عام ونصف من تاريخ تقديم البلاغ الذي جاء استجابة للطعن المقدم من النيابة العامة على حكم البراءة الذي كان قد صدر في جلسة سابقة.
إجراءات المحاكمة، وما صاحبها من مرافعات ولوائح اتهام هزلية تراوحت ما بين "نفث الشهوة الفانية واللذة الزائلة" و " تأجير قلمه للشيطان" (!!) انطوت على رمزية شريرة بليغة، اجتمع في تجسيدها كل ما جنّد ناجي قلمه لتقريعه والسخرية منه على امتداد تجربته الكتابية، واسترجع كل تفصيل قضائي فيها ما يمكن وصفه بتراث صاحب "مدونة خيال الظل" في معاركه الطويلة دفاعاً عن الحرية والخيال ضد العبيد وسادتهم ممن لا خيال لهم. المحاكمة التي رافقتها مواكبة إعلامية وحملات تضامنية واسعة من قبل العاملين في الأوساط الصحافية والأدبية والنشطاء من داخل مصر وخارجها، كشفت عن مكانة عاطفية ومعنوية لأحمد ناجي لدى فئة محددة من جيل شاب عابر للحدود الجغرافية سيستعصى على سجانيه فهمها أو الإحاطة بها.
ربما تكون الشريحة الأكبر من قراء ناجي قد تعرّفت عليه من خلال مقالاته في الصحافة المصرية والعربية، أو روايته التي ذاع صيتها بفعل الدعاية السلبية التي أطلقتها إجراءات محاكمته على واحد من فصولها. غير أن الفعل الثقافي الخاص لناجي الذي طبع صورته، والثيمة التي ابتدعها لنفسه في الكتابة وطريقة التعبير لدى أبناء جيله الذين عرفوه مبكرا، يعود لسنوات سابقة. في العام 2005 أطلق أحمد ناجي مدونته الشهيرة "خيال الظل"، وهو الاسم الذي اُقتبست منه الكثير من شعارات التضامن معه في قضية المحاكمة. في ذلك الوقت كانت المدونات، كتجربة فاتحة للإعلام الجماهيري في مصر والمنطقة العربية، تتلمس خطواتها الأولى على طريق انتزاع مساحات حرة خاصة بها من المجالين الثقافي والسياسي العام الذي هيمنت عليه القوى التقليدية لعقود. وخلال العام الأول من عمر المدونة استطاع ناجي ابن العشرين ربيعاً وقتها، والذي عُرف باسم "بيسو" في حينه، أن يحجز لنفسه ولمدونته حيزاً خاصاً جعل منه، عن استحقاق وجدارة، واحداً من الرواد الأوائل لظاهرة المدونات العربية ولعصر دخول الإنترنت مجال الفعل والتأثير السياسي والاجتماعي في المنطقة، كفاعل رئيسي فيه تعاظم دوره سريعا حتى وصل إلى عام الثورات العربية التي حل فيها التواصل عبر وسائط الإعلام الجماهيري كمظهر أساسي للفعل السياسي الجماهيري، وملأ الفراغ الذي نشأ عن غياب التنظيم.
تدوينات ناجي وآخرين من زملاءه في تلك الفترة بدت نموذجاً فجاً متمرداً على أرثوذكسية الكتابة والقراءة باللغة العربية في شكلها ومضمونها، سواء لجهة الموضوعات التي تطرقت لها، أو الأسلوب الكتابي المتحرر من أي ضوابط ومحددات لغوية ورقابية. و تحولت نصوصهم وتعليقات القراء المتفاعلين معها إلى "مانيفستو" تأسيسي لنمط خطابي وكتابي كانت له الغلبة في تدوين وقائع سنوات الربيع العربي. مدونة ناجي على وجه الخصوص شكلت ميدان التقاء لأفراد من جنسيات وخلفيات سياسية وفكرية متباينة، استطاعوا على مدى سنوات من التفاعل المستمر بينهم أن يطوروا جماعياً صيغاً من القبول والتفهم المتبادل لبعضهم البعض، مستفيدين من الوفرة المعرفية التي كانت تتدفق على هذه المنصة الافتراضية وأخواتها، وما تتيحه من إمكانية للتفاعل معها في تطويع معتقداتهم الشخصية والتأثير في الآخر.. بما يحقق توافقاً يلبّي في حده الأدنى شرط الاعتراف بالحق في الاختلاف. بدا لافتاً بعد سنوات، حين تعززت أواصر التواصل ومناسبات اللقاء بين النشطاء والصحافيين الشباب من الأقطار المختلفة، اكتشافهم معرفتهم المسبقة لبعضهم البعض منذ سنوات المدونات وخصوصاً "خيال الظل"، حين كانت تستتر هوياتهم الحقيقية بأسماء وهمية.
انشغل ناجي إلى جانب التدوين وعمله في صحيفة أخبار الأدب بمشاريع متعددة روائية وفنية في مجال السينما والموسيقى، عكست كتاباته عنها خلفية معرفية لافتة، إضافة للدور الحيوي الذي أداه في التعريف بظواهر ثقافية وليدة كفرق الموسيقى البديلة والمهرجانات، وتجارب حديثة في السينما والرسم. و جعل من مدونته وكتاباته نافذة يطل منها متابعوه العرب على مصر أخرى غير تلك التي في التلفاز والجريدة الرسمية، وجسراً يصل المصريين بالمشهد الثقافي في محيطهم العربي. وكغيره من نشطاء ومثقفي جيله، جاءت ثورة يناير لتنتزعه معهم من دوائر التفاعل المغلقة ولتفك العزلة التي كانت تفصل بينهم وبين الفضاء العام، وتدفعهم إلى واجهة الاشتباك المباشر معه، فعلاً وكتابة. في أعقاب الثورة، استحوذ الموضوع السياسي على كتابات ناجي في الصحف المصرية والعربية. وبمعزل عن قدر مساحة الخلاف والاتفاق مع ما كان يرد في مقالاته، فإنه ظل أميناً على أسلوبه المتحرر في الكتابة من دون أن ينصاع للمحددات المتعارف عليها في الصحافة التقليدية، وظل هوسه الأول "الحرية" بوصلته التي يهتدي بها في تعيين اصطفافه الفكري والسياسي من أي مسألة حتى وإن شاب الاعتباط أحياناً (كما رأى البعض) قفزاته لاستنتاجاته النهائية. فما يهم بحسبه دائماً هو الوصول إلى الحرية التي بها فقط عرّف خصومه وحلفاءه.
 كل من ضاقت روحه بالخيال والحرية اختصم ناجي معه، فكان ضد التسلط الأمني والديني والأبوي والقيمي في الحياة العامة والسياسة والثقافة والفن. ولا عجب من اجتماع خصومه جميعاً من مواطن مخبر ودولة متسلطة وحراس للفضيلة و"قيم العائلة"، لمحاكمته بتهمة الجرم الذي يهدد بتقويض ممالكهم السلطوية.. تهمة الخيال.

مقالات من مصر

السيسي وإدارة الموارد في مصر

وضع السيسي الموارد تحت سيطرة الجيش بذريعة ضعف وترهّل هياكل المؤسسات المدنية للدولة، وعدم كفاءتها مقارنة بالجيش وأجهزته المختلفة. ولكن الأمر لا يرتبط فقط بالكفاءة، وإنما بالسيطرة وبالولاء.

للكاتب نفسه

اتفاق المصالحة التركي الإسرائيلي

محمد جميل 2016-07-06

بدعم و تمويل تركي، تنتصب في أرجاء متفرقة من قطاع غزة هذه الأيام عشرات ورش بناء و إعادة ترميم المساجد التي تم تدميرها في المواجهات العسكرية الثلاث التي خاضها الغزيون...

هل تفقد فلسطين لاجئيها

محمد جميل 2015-12-06

في المرحلة الأولى من الصراع العربي الإسرائيلي، اعتمدت إسرائيل في ضبط معادلة صراعها مع العرب والفلسطينيين  ــ مستفيدة من تمسكهم الرخو والمرن بمواقفهم ــ سياسات تقضي بالسعي لتشريع مكتسبات احتلالها...