فضاءات القاهرة بين الارتقاء والعسكرة

يعيش الناس في "فراغات" أو فضاءات عامة وخاصة، تعكس حالهم كما يؤثرون فيها بما يفعلونه من نشاطات كل يوم. يصنع كل منهما الآخر، ويُغير في الآخر ويتأثر بالآخر. ومع مرور الوقت وتغيير النشاطات يتغير شكل الفراغات. وفي مصر، ومع ثورة يناير 2011 واحتلال الناس الفضاء العام، تحدث الكثيرون عن استعادة الناس له بما يناسب رغباتهم ونشاطاتهم وحركاتهم، سواء الاحتجاجية أو العامة. وبعد مرور خمس سنوات على
2016-03-03

أمنية خليل

باحثة أنثروبولوجيا في شؤون العمران من مصر


شارك
هبة خليفة - مصر

يعيش الناس في "فراغات" أو فضاءات عامة وخاصة، تعكس حالهم كما يؤثرون فيها بما يفعلونه من نشاطات كل يوم. يصنع كل منهما الآخر، ويُغير في الآخر ويتأثر بالآخر. ومع مرور الوقت وتغيير النشاطات يتغير شكل الفراغات. وفي مصر، ومع ثورة يناير 2011 واحتلال الناس الفضاء العام، تحدث الكثيرون عن استعادة الناس له بما يناسب رغباتهم ونشاطاتهم وحركاتهم، سواء الاحتجاجية أو العامة. وبعد مرور خمس سنوات على هذا الاحتلال والسيطرة.. ماذا يحدث الآن؟ وكيف هو حال هذه الفراغات؟
ومع أن الظاهرة سابقة عليها، إلا أن تعبير gentrification في العمران ارتبط بحقبة هيمنة النيوليبرالية، ليدل على إحلال طبقة من السكان بأخرى أعلى منها (اللفظ في اللغة الإنكليزية مشتق من gentleman الرجل المهذب، ومنه تهذيب الفضاءات)، أو ما نسميه بالعامية المصرية "ناس أنظف". وهو ما حدث منذ سبعينيات القرن الفائت في أحياء من قلب نيويورك بشكل معلن الغايات صريحها، ومخطط له بإحكام، وبالغ السرعة والكثافة. استبدل تماماً سكانها ممن كان انهيار الصناعة وقتها قد أحال أغلبهم إلى عاطلين عن العمل، وكثير منهم كانوا ينتمون أصلاً إلى الأقليات الملونة والفقيرة. وقد أعلن عن "تنظيف" نيويورك من "المتسكعين ومدمني المخدرات وموزعيها" الخ.. ولهذه الغاية، طُبقت سياسات قامت على خصخصة ما كان خدمات عامة في كل المجالات في المدينة، وعلى قلب "الأولويات" (المعماري دافيد هيرفي بدأ هذه الأبحاث وكذلك فعلت جين جاكوبز، وهي تغدو أساسية في دراسات العمران اليوم). جرى ذلك بمشاركة كاملة بين إدارة المدينة أي عمدتها ومجلسها وبين البنوك الكبرى وغرف التجارة وشركات الاستثمار. ثم اشتهر في التسعينيات عمدة نيويورك اللاحق، رودولف جولياني، بإقران هذه السياسات بعنف جسدي مباشر بغاية "إنجاز المهمة".. وهو ما يستمر اليوم ليطال أحياء مثل هارلم مثلا، حيث يُقصى السكان الفقراء والملوّنون إلى دوائر أبعد فأبعد عن قلب المدينة أو عن نقاطها المثيرة للاهتمام الاستثماري. وهذه العملية، وإن كانت تجري عادة ببطء في كل المدن وفي كل أنحاء العالم، إلّا أنها ليست عفوية وهي تستند دوماً إلى التخطيط وتعيين الأولويات والمصالح نفسها التي شهدتها نيويورك آنذاك. تُرجمت gentrification إلى "الاستطباق" أو عُرِّب اللفظ الإنكليزي بكلمة "جنترة"، ويمكن استخدام تعبير "ارتقاء" من دون تحميله حكماً قيمياً.
ومع مشاريع الحكومة المصرية التي تعنى كثيراً بـ "الارتقاء" ببعض المناطق منذ عام 2010، ثم من بعد الثورة، حدث نوع من العسكرة المؤقتة لمناطق حيوية للسلطة. ولكن بعد 3 تموز/ يوليو 2013 (إطاحة مرسي)، صارت عسكرة الكثير من الفضاءات شيئاً مألوفاً للعين، وأصبح منظر الدبابات والمدرعات العسكرية أمراً طبيعيّاً ولا يتساءل المارة عن سببه أو مبرراته. فهل ما يجري يخص ضبط الفضاء العام سياسياً فحسب أم أن هذا الضبط نفسه يتجاوز مسألة تأمين السلطة بمعناها المباشر، ويُخفي مشاريع اقتصادية واجتماعية ينطبق عليها مفهوم "الجنترة"؟
في حارات رملة بولاق، تراصت البيوت الصغيرة بجانب بعضها البعض في أقصى شمال حي بولاق، وكونت فيما بينها فراغات يجتمع السكان فيها دائماً للتسامر أو لمناقشة أمور تخص المنطقة أو مشاكلهم. واعتادت اللجنة الشعبية الاجتماع فيها. تغير الحال بسبب الحملات المتتالية من قسم شرطة بولاق للقبض على الشباب والرجال أثناء نومهم، واتهامهم إما بحيازة المخدرات أو بالإرهاب. كما عمل الضباط على تعيين عدد من السكان ليكونوا مرشدين على السكان الآخرين وليدْلوا لهم بمعلومات عما يحدث في المنطقة. وخلال القبض عليهم واحتجازهم وضربهم وتعذيبهم، يقول لهم الضباط إنهم يجب أن يرحلوا عن المنطقة، وإنهم لا يريدونهم أن يسكنوا فيها. وهو ما يفسره السكان على أنه إخلاء لها من أجل مشاريع الاستثمار التي تريد الدولة إقامتها هناك. وهذا التهجير يتم بطريقة مباشرة وغير مباشرة، فيتحدث أحد السكان معبراً عن تغيير الواقع، فيقول إنّهم لا يشعرون بالأمان بسبب الشرطة، وإنّهم توقفوا عن اجتماعاتهم وأحاديثهم خوفاً منها، كما أن العديد منهم يحاول أن يجد طرقاً للرحيل عن الحي.
ميدان التحرير، ذلك الفراغ المهيب الذي احتلته الملايين من المحتجين على النظام أو على قرارات الدولة في أوقات ومواقف مختلفة على مر السنوات السابقة. مع غلق محطة مترو السادات بعد "3 يوليو 2013" لأسباب أمنية، أصبح الميدان مهجوراً إلا من تلك السيارات العابرة وأيضاً من بعض المارة الذين يقصدون جهات مختلفة فيه.. وبعد بناء ذلك الشيء المسمى بالنصب التذكاري للشهداء في منتصف الميدان، والذي قامت بعض المجموعات بتدميره اعتراضاً عليه وعلى السلطة، أصبحت قوات الأمن موجودة بشكل دائم وطوال الوقت. وتمّ اعتقال عدة أشخاص حاولوا تصوير الميدان فوتوغرافياً، أو حاولوا التظاهر فيه لأي سبب. جددته المحافظة وتم تشجيره وزرعه، ثم أتبعت ذلك بوضع عمود معدني شاهق الارتفاع يحمل علم مصر، وهو ما اعتبرته الحكومة تجسيداً للرمز الوطني وما اعتبرته مجموعات من ثوار يناير احتلالاً عسكرياً للميدان. تبعت تلك التغييرات بعد انتخاب السيسي حملة كبيرة لإزالة جميع الباعة الجائلين من أركان وشوارع وسط البلد. وهذا التفريغ للبائعين تم بواسطة الجيش والشرطة، واحتلت الدبابات والمدرعات العسكرية جميع تلك الشوارع لأسبوعين على الأقل، تلاه غلق معظم المقاهي الشعبية فيه. وبعد أربعة شهور أخرى، في كانون الثاني/ يناير 2015، تمّ افتتاح "كراج التحرير" وعليه تمّ منع انتظار السيارات في الميدان والشوارع المحيطة به والتي تشكل وسط البلد. أدى كل ذلك لتغيير كامل في نشاطات تلك الشوارع كما في إحساس المارة والسكان بها. وتنتشر مجموعات من القوى الأمنية قي بعض الأركان والميادين طوال الوقت. وبفضل هذه التغييرات ارتفعت إيجارات المحلات، وبالتالي نوعية البضائع المعروضة فيها وأسعارها، مما أدى لتغيير حقيقي في روادها وفي المتنزهين فيها، فلم يعد يأتي إليها الناس من خارج المنطقة إلّا في العطل الأسبوعية والأعياد الرسمية. أصبح وسط المدينة مكاناً غريباً على ساكنيه ورواده الدائمين، وفي خلفية هذه الصورة تنشط باستمرار "شركة الإسماعيلية" وتشتري عدداً كبيراً من المباني هناك وتغيِّر نشاطاتها.
هناك إذاً عسكرة للفراغات ومحاولات "الارتقاء" بها وتغيير سكانها إلى شرائح أخرى، بينما يهجَّر السكان الذين صنعوا تلك الفراغات وعمّروها في سنوات حياتهم. وتبعاً لخطط الحكومة الحالية في "مخطط تنمية مصر"، فهي تنوي تغيير العديد من المناطق إلى وجهة سياحية واستثمارية وترفيهية، بينما لا يعلم سكانها إلى أين سوف يذهبون. بجانب هذا، هناك "اللجنة الهندسية" للجيش المصري التي تقوم بعدد من المشاريع العامة تغيِّر هي الأخرى من شكل المدينة. وتلك اللجنة لا تظهر أبداً في أي من الاجتماعات أو المؤتمرات الخاصة بالإسكان أو العمران في مصر، ولا تحضر أياً من الاجتماعات المغلقة في الوزارات مع السكان أو الناشطين في العمران، ولا تناقش مع أي كان أجندة أعمالها وجدواها. والمرئي بشكل يومي لجميع سكان القاهرة أن الفراغات يتم عسكرتها وتجييشها تحت مسميات "الأمن القومي"، وأحياناً بدون أيّة أسباب.. فالقصد هو "الارتقاء" بالفراغات والمناطق التي تقع في نطاق الاستثمار الاقتصادي للحكومة المصرية.. "جنترتها"!

مقالات من مصر

السيسي وإدارة الموارد في مصر

وضع السيسي الموارد تحت سيطرة الجيش بذريعة ضعف وترهّل هياكل المؤسسات المدنية للدولة، وعدم كفاءتها مقارنة بالجيش وأجهزته المختلفة. ولكن الأمر لا يرتبط فقط بالكفاءة، وإنما بالسيطرة وبالولاء.

للكاتب نفسه

عاصمة أخرى لمصر، تتلافى "25 يناير" أخرى

أمنية خليل 2018-09-06

كان مشروع جمال مبارك و"لجنة السياسات" التخلص من المجتمع وهمومه والمسؤولية عنه، والاكتفاء بما قُدّر وقتها بـ5 ملايين مصري "نافع". وهنا فلن يتمكن الناس من الوصول الى العاصمة الجديدة، ولا...