اسمي "نازح"

هكذا وجدتني أربع شرطات، صغيرة ومائلة. هو ذا اسمي الذي انتظرني 39 عاماً وشهرين، وقد عثرت عليه في خانة، أشبه بمنخفض، على هامش ورقة مهترئة. كنت أقرأ خبراً عن وفاة أربعة شبان يمنيين من محافظة تعز، قال موقع "اليمن السعيد " الالكتروني إنهم في عمر الزهور، قضوا نحبهم في منطقة نجران الحدودية بين اليمن والسعودية، وإنهم مغتربون في المملكة الجارة، خرجوا لاستقبال زوجاتهم النازحات، وطحنتهم
2015-09-24

عيسى راشد

كاتب من اليمن


شارك
رؤوف عطار-العراق

هكذا وجدتني أربع شرطات، صغيرة ومائلة. هو ذا اسمي الذي انتظرني 39 عاماً وشهرين، وقد عثرت عليه في خانة، أشبه بمنخفض، على هامش ورقة مهترئة.
كنت أقرأ خبراً عن وفاة أربعة شبان يمنيين من محافظة تعز، قال موقع "اليمن السعيد " الالكتروني إنهم في عمر الزهور، قضوا نحبهم في منطقة نجران الحدودية بين اليمن والسعودية، وإنهم مغتربون في المملكة الجارة، خرجوا لاستقبال زوجاتهم النازحات، وطحنتهم جميعاً قاطرة على الخط الطويل في خميس مشيط. قالت صورتهم الجماعية الحية التي نشرها الموقع إنهم زهور فعلا، وانسابت تحتها تساؤلات كثيرة، وتأكيد وحيد: النازحون اليمنيون لا يحتاجون إلى مخيمات، فالمقابر تتكفل بإيوائهم، والنزوح أحد الطرق إلى القيامة.
القاطرة المجنونة يمنية بوقود سعودي. وأن تموت هكذا، على شريط حدودي ملتهب وملتبس، وأنت تلوذ بمساحة آمنة بين مقذوفات الحرب القادمة من ضفتي بلدين تنتمي لأحدهما وتعيش في الآخر، فذلك حدث جانبي يتكرر كثيراً على قارعات الطرق، حيث السائق وحده من ينجو .
أعود من خميس مشيط إلى اسمي، شرطاتي الأربع الصغيرة والمائلة. لأسباب - ربما من بينها الكسل والشفقة - اكتفى كاتب المعونات، وهو صديق سابق، باختزال اسمي الجديد إلى شرطات. كان اسمي هو التالي في كشوفات القمح القادم، ولأنني التالي فقد كانت الشرطات اختزالاً لكلمة نازح المكتوبة بالنسخ أعلى القائمة. للوهلة الأولى لم تبدُ لي الشرطات الأربع صفة مؤقتة أو وضعا طارئا واستثنائيا. بدت لي اسماً رباعياً بلا هوية. شرطتان في المتن وشرطتان في الهامش وخط رأسي أحمر يفصل الورقة المهترئة، وهنا على الشريط الحدودي وجدتني بانتظار قمح لن يأتي إلا وقد أكلت القاطرة جثماني النازح.
لم يأت القمح، فالجراد على امتداد الدروب. واليمن بلد غير مقيم حتى في سنوات استقراره النسبي، وهي مساحة زمنية خاطفة وجانبية لبلد يعيش الملايين من أبنائه خارجه. ولم تعد مهمة التنزيح على عاتق فأر سد مأرب كما في الأساطير، فالفئران في كل بيت، والطبول تدق، وفي الحرب لا يوجد تعداد سكاني للضحايا إذ عادة ما تكذب الاحصائيات. لا رقم دقيق يشخص النتيجة المفتوحة على المزيد، لا يوجد إجمالي، فالوطن يموت في أول جثة، في الرقم واحد، وما يلي هو إسهاب ممل.
ها أنا أنزح، وألمح في عيني كاتب المعونات في القرية شفقة ما. سألني عن الحرب وصنعاء المقصوفة، قلت إنّ العاصفة أكلت دفاتر الأطفال، وهشمت المضادات الجوية زجاج نوافذي فانغرست الشظايا في وسائد البيت وعلبة السكر، وإنني لم أكن خائفاً من زلات الجو وأخطاء الإحداثيات بالقرب من "جبل نقم" الذي صار وجبة يومية للقصف العنيف، بقدر خوفي من العسس ومصفحات المليشيا التي تجوب حارات المدينة بحثاً عن طريدة من الناشطين والصحافيين الذين تعتبرهم تلك المليشيا وجماعة صالح دواعش تكفييرين. لطالما اعتبرتُ نفسي قبل الحرب كاتباً يمنياً يقيم في صنعاء، فمتى كان لي وطن بالمعنى أو حتى مجازاً. أوقَظتْ الطريدة حولها الذئاب الليليين، ولما لم تسعها العاصمة نزحت بحثاً عن ملاذ بعيد. وفي طريق النزوح والجماجم والمخبرين، حاصر الطريدة بائعو الفل على خط الحُديدة، وعدت بعقد منضود وعابق، هو كل ما تركته لنا الحرب من هدايا مجانية، وفي بيتنا العتيق عثرت على نصف سرير ومساحة مؤقتة لأجسادنا.
وقبل أن ترتدي الشمس قناعها الأبيض، يستيقظ أطفالنا على الرعب جاهزاً في كوب اللبن وخبز الصباح والزوايا. هم أطفال الحرب وجيل المأزق، لا يدرون لماذا يلسعهم في الليل البعوض بقسوة، ومتى تكف الثعابين عن رقصتها الأثيرة في أحلامهم وذاكرتهم الرطبة.
تقول طفلة لأبيها في تلك البيداء: هل نامت الحرب؟ أسرتها نزحت من هناك بعد أن أعلمتها أبابيل العاصفة والنيران المتفجرة إنها منذ عشر سنوات كانت تسند ظهرها على جبل ملغوم سيغدر بنوافذها وقمرياتها مرات عديدة. جبل قاتل ومحشو بمخازن الأسلحة والنقمة والبارود واسمه "نقم". هل كانت صنعاء تحتاج كل هذا وهي الرابضة على 2300 متر عن سطح البحر، ويقطنها ثلاثة ملايين نسمة تقريباً، يتقاسمون حديقتين ونسبة ضئيلة جداً من الأكسجين والظل.
ويقول أب لطفلته في غرفة مائلة: الحرب لا تنام، تسهر على أنقاضنا العظيمة، تحرسها، تربي فينا الضغينة والكلاب الضالة وتلد فرائس المستقبل، في بلد لا يقوم. وحيث الجميع تحت عجلات القاطرة، والأماكن تفقد ألقها، يتهاوى دار الحجر على تاريخه كما تسقط ملعقة من طاولة الطعام.

للكاتب نفسه

اليمن: فجأة يختفون..

عيسى راشد 2019-01-24

ما زلنا مضرب المثل في كرم الضيافة. وقد أكل الضيوف البلد وتجشأوا دماء أبنائها. اليمن من يدِ طاغٍ إلى قدم أطغى.

اليمن البعيد

عيسى راشد 2017-07-06

كونك يمنياً في زمن المليشيات السائبة والنقاط الأمنية التي تتربص بك على امتداد الطريق، فأنت متهم جاهز.. أنا النازح الفقير إلى موطئ قدم في وطن وجيز

عن هلالنا الطيب والمنسي

عيسى راشد 2015-06-25

 لم يحدث هذا من قبل. فإلى السنة الهجرية الماضية، كان هلال رمضان في اليمن سياسياً بامتياز، وظل يبزغ من الديوان الملكي والمحكمة العليا في المملكة العربية السعودية، وظلت اليمن تصوم...