تحولات الصراع الأخيرة في اليمن: صورة جانبية

تُحرِّك الصراع في اليمن مستويات متعددة من التناقضات بين أطرافه، تلوح من خلفها أعباء التاريخ وحساسيات الجغرافيا والمذاهب التي تتجاور مع ارتدادات الصراع الإقليمي، لينعكس كل ذلك تفجراً غير مسبوق. وأما الفرز المُعلن في المعركة بين طرفي "الانقلاب" و "الشرعية"، فيُخفي ويموه تعدد هويات وأجندات الأطراف في كل معسكر. ويصح الأمر خصوصاً على المعسكر الممثَل بسلطة هادي، الذي يخوض التحالف
2015-08-13

ماجد المذحجي

كاتب وباحث من اليمن، مدير مركز صنعاء للدراسات


شارك

تُحرِّك الصراع في اليمن مستويات متعددة من التناقضات بين أطرافه، تلوح من خلفها أعباء التاريخ وحساسيات الجغرافيا والمذاهب التي تتجاور مع ارتدادات الصراع الإقليمي، لينعكس كل ذلك تفجراً غير مسبوق. وأما الفرز المُعلن في المعركة بين طرفي "الانقلاب" و "الشرعية"، فيُخفي ويموه تعدد هويات وأجندات الأطراف في كل معسكر. ويصح الأمر خصوصاً على المعسكر الممثَل بسلطة هادي، الذي يخوض التحالف بقيادة السعودية الحرب تحت عنوان استعادة الحكم له. لكن الواقع أكثر تعقيداً من هذا الهدف. فجماعة الحوثيين، في سياق تمددها الواسع وصولاً إلى عدن، استطاعت أن تنشِّط أسبابا مختلفة للقتال ضدها. الجنوب على سبيل المثال تُحركه أجندات متعددة ضد الحوثيين، مستقلة تماماً عن الأغراض النهائية لمعركة التحالف السعودي. والسلفيون، كأصحاب حضور قوي في الشارع من جهة، وكجماعة منظَّمة من جهة أخرى، يخوضون المعركة بينما هم يتناقضون مذهبياً مع ذلك التحالف، وهم يسعون لترسيخ سلطة فعلية على الأرض، يتقاسمون بعضاً منها الآن مع أطراف أخرى في المعركة، مثل الحراك الجنوبي والقبائل والقاعدة وحتى تنظيم داعش الصاعد.

الظاهر وغير المرئي

تتغير بواعث المعارك هذه واندفاعاتها غير المرئية في كل منطقة يُخاض فيها القتال ضد الحوثيين. كما أن استمرار القتال لفترة طويلة يُنضِج القوى "الميليشياوية" الصاعدة من الميدان، والتي تقضم تمثيل الأحزاب السياسية بين السكان لمصلحتها، وضعف حضور سلطة هادي ودولته على الأرض يعزز هذا المنحى. أما السعودية، وبينما تستقطب الأطراف لمصلحتها في المعركة ضد الحوثيين، فهي غير معنية بهذه التناقضات. الزيارة الخاطفة الى عدن لنائب الرئيس المعين حديثاً، محفوظ خالد بحاح، وان شكَّلت أول حضور فعلي للسلطة على مستوى تمثيل عال، إلا ان السرعة التي وسمتها بدت كاشفة لهشاشة الوضعين الأمني والسياسي، مما قوض غايتها الأصلية، أي مساندة القوى المحسوبة عليها في مواجهة "المقاومات" الأخرى.
المُتغيرات الكبيرة على الأرض في مسار القتال الجاري نقلتْ جماعة الحوثي إلى موقع الدفاع والتقهقر بعد خروج عدن من دائرة سيطرتها، وكذلك المحافظات المحيطة بها، وتقدّم القوات الموالية لهادي نحو ما يبدو أنها معركة حاسمة في تعز. لكن ذلك لا يعني سلطة واضحة ومحددة في المناطق المستعادة من الحوثيين، بل قد يكون تدشيناً لصعود التناقضات بين أطراف لم يكن يوحِّدها سوى مواجهة الحوثيين. وتطورات الصراع غير المعلن على النفوذ بين الحراك الجنوبي والجماعات الإسلامية وسلطة هادي الممثلة بالمحافظ المعين أخيرا في عدن، قد تُفصح بشكل رمزي عن المسار القادم للمشهد.

متغيرات، ولكن ما الوجهة؟

مسار الصراع تغيَّر بعد معركة قاعدة "العند" الإستراتيجية في الجنوب، وإخراج الحوثيين منها ومن عدد من المحافظات الرئيسية هناك. وسيتعدى الأمر مجرد تغيّر في أوزان القوة بشكل نسبي. فمحرك هذا التطور الأخير متصل في العمق بإستراتيجية عسكرية سعودية جديدة وتبدو فعالة، خصوصاً بعد الانتقاد الواسع لاقتصار الأداء السابق على القصف الجوي الذي لا يغير الحقائق فعلياً على الأرض. لكن، وفي المقابل، لا يبدو أن هناك تصورا سعوديا واضحا لمستقبل المسار السياسي اليمني، الذي أصبح جلياً أن اليد السعودية ستكون الصانع الأول فيه. السعودية حتى الآن كانت معنية بمقاومة أي سيناريوهات سياسية لا تستجيب لمخاوفها ورغباتها، ولكنها وبالتأكيد لن تُقْصِر دورها على عودة هادي والشرعية التي يمثِّلها إلى سدة الحكم في الدولة اليمنية.
الاستنزاف المنهك على مدى أكثر من أربعة أشهر للحوثيين في معارك مفتوحة على امتداد الخارطة اليمنية، بالتزامن مع قصف جوي مستمر، ومع فقدان إمكانية التعويض العسكري في المعدات بسبب الحصار المفروض عليهم، علاوة على إنهاك الحاضنة الاجتماعية "الشمالية" للجماعة الحوثية بالضحايا - بسبب تعدد الجبهات التي تخوضها وعدم قدرتها على حسمها - كان أحد المرتكزات الأساسية التي تم استثمارها في إطلاق الحملة العسكرية الأخيرة والمجهزة جيداً كما يبدو، والتي أدت إلى ضرب سلطة الجماعة الحوثية في عدد من المحافظات المهمة، وتحقيق انتصارات ميدانية متوالية عليها قوضت صورتها كقوة لا تقهر.

صراع يحسم عسكرياً؟

كثيرة هي الأسئلة المعلَّقة بما يخص مستقبل الصراع اليمني. فهل تعني هذه التحولات على الأرض توفر قابلية لحسمه عسكرياً؟ ثم أن الانتصارات الأخيرة، وتلك المتوقعة على المدى القريب، ما زالت تتحقق ضمن بيئة اجتماعية معادية للحوثيين، أي في الجنوب وتعز ومأرب، بينما يتغير المعطى الاجتماعي في حال تمَّ التفكير بتصعيد التقدم في قلب الشمال اليمني، حيث ستصبح البيئة أكثر تعقيداً وعدوانية تجاه التحالف والقوات المحسوبة على هادي. وعلى الرغم من عدم دقة التنميط الشائع، الذي يعتبر الشمال اليمني محسوماً لمصلحة الحوثيين، فإن السلوك السياسي لسلطة هادي ما زال غير مُريح او قادر على اجتذاب قبائل الشمال ومراكز القوى فيه بعيداً عن تحالف الحوثي وصالح. إن تحقيق اختراق سياسي أو عسكري في قلب الشمال اليمني يحتاج للتعامل مع تعقيدات متعددة تستفيد من برغماتية القبائل الشمالية وإمكانيتها الدائمة على تحويل الولاء لمصلحة الأقوى. فإن لم تقدَّم تطمينات بخصوص المستقبل، تتضمن إعادة النظر بما يبدو موقفاً معادياً للشماليين وليس فقط للحوثيين، كما يتجلى في التقسيم الفيدرالي الذي تتبناه سلطة هادي، فان هذا الجزء من اليمن، الذي يشكل ابناؤه عصب الجيش والأمن، سيظل خزاناً للمقاتلين الى جانب الحوثيين.
على مستوى آخر، ومنذ بداية هذا الصراع، بدا احتمال تبلور الفرص السياسية لحله ضعيفاً، حيث أدت انتصارات الحوثيين في البداية إلى تضخم تقديرهم لإمكانية حسم الصراع عسكرياً وفرض سلطتهم كأمر واقع على الجميع، مما أدى إلى عدم استجابتهم لمبادرات الوساطة الإقليمية وإغلاقهم الباب أمامها. وفي المقابل، يبدو التقدير السعودي للحوثيين كجيب إيراني مُعاد في خاصرتهم الرخوة، بما يعنيه ذلك من كونه تهديداً وجودياً يجب استئصاله، سبباً لعدم تفاعل الرياض مع هذه الوساطات، وحيلولتها بالضرورة دون استجابة سلطة هادي المقيمة في العاصمة السعودية لها! هذا التشدد المتبادَل خفت في الآونة الأخيرة. فتغيّر أوزان القوى على الأرض يساعد الكتلة السياسية في جماعة الحوثيين على لعب دور أكبر، يستجيب لفرص الحل السياسي، وذلك على حساب الصقور من القادة الميدانيين الذين كان القرار في البداية بيدهم ومعززاً بانتصاراتهم. كما أن استطالة الصراع وتزايد الأخطاء العسكرية أثناء عمليات قصف التحالف، مسبباً كلفة إنسانية عالية عدا الحرج، علاوة على سطوع انعدام وجود إمكانية أكيدة للحسم العسكري بشكل سريع وصولاً إلى صنعاء، قد يدفع السعودية للتعامل بإيجابية مع فرص متاحة للحل.
وبالإجمال، فما زال يَحول دون إنضاج شروط الحل السياسي، عدم قدرة الجميع على تقديم تنازلات متبادَلة تتفهم المخاوف والمصالح، وتتعامل مع الممكن والمقبول، وتدرك بالضرورة كارثية استمرار القتال: ليس فقط على شرط بقاء الدولة اليمنية، بل على الاجتماع نفسه، لكون مفاعيله تؤذي في العمق علاقة اليمنيين ببعضهم، وستؤدي إلى احتراب أهلي طويل.

للكاتب نفسه

كيف غيّرت الحرب مأرب؟

مأرب الصاعدة في مشهد اليمن الحالي تحصد ضعف الجميع وتعاني منه في الوقت نفسه، وهي تُكثّف أعباء الحرب وامتيازاتها، وفيها يمكن رؤية كيف تُغيِّر ديناميات الصراع المسلح هوية المكان والتحديات...