وجهان لعملة واحدة: بطريرك ديني وآخر "تقدمي"

تختزل الرواية التاريخية التي اختيرت لنا، مكانة المرأة السياسية في إطارين لا تخرج منهما، إلا بعد تنقيب دقيق في الموروث الشعبي المحكي والآخر المكتوب الذي تمكن من النجاة من أقبية القوالب التي ترسخت في الذاكرة الجمعية لقرون. فالمرأة في هذه القوالب هي إما والدة البطل أو الماكرة المخادعة التي اغوت البطل. جاء تفسير واستثمار الرواية الدينية اللذين احتكرتهما عقلية البطريرك، ليرسخا دونية المرأة
2015-04-30

عاصم ترحيني

كاتب من لبنان


شارك
سهير سباعي-سوريا

تختزل الرواية التاريخية التي اختيرت لنا، مكانة المرأة السياسية في إطارين لا تخرج منهما، إلا بعد تنقيب دقيق في الموروث الشعبي المحكي والآخر المكتوب الذي تمكن من النجاة من أقبية القوالب التي ترسخت في الذاكرة الجمعية لقرون. فالمرأة في هذه القوالب هي إما والدة البطل أو الماكرة المخادعة التي اغوت البطل.
جاء تفسير واستثمار الرواية الدينية اللذين احتكرتهما عقلية البطريرك، ليرسخا دونية المرأة بتوظيف قصة حواء وزوجة وبنات لوط وتامار إلى نص نقصان العقل والدين، لتدعيم الرواية السياسية التي تسقط المرأة عنها سهواً عند كل منعطف طريق ساهمت في تعبيده، إن لم تعبده هي كلياً قبل أن يجلس البطريرك مجدّداً على عرشه.
ومن هنا لا يُخفى أو يُستغرب من أتباع التيارات الدينية المحافظة ازدراؤهم للنساء، نظراً لامتداد تاريخي متجذر في ذاكرة الشعوب. وفي أفضل تجليات اللبرلة الدينية المعاصرة، تؤسس هذه التيارات الدينية لهيئات نسائية تبشيريّة جل همها تحجيم دور النساء السياسي، وكبح أي توجه تحرري يؤسس لمواطنة غير منقوصة في السّياسة يمثل تشكله تهديداً لمواطَنتهن المنقوصة في الحياة الاجتماعية والخاصة، التي لو تخلت عن هذا النقصان ستزيح البطريرك من مكانه بشكل عميق وجذري.
إنما ما يدعو للاستغراب والمقت، هو الخط الذي يسلكه "التقدمي" داعي التحرر، الذي يتمكن بسلاسة في غمار معاركه الفكرية الميتافيزيقية والفلسفية من تكييل التهم وتوجيه النقد صوب زميله المثقف في إطار سياسي خالص، في حال كان الند رجلاً.
أما في حال التناقض والجدال مع النساء، فتتجلى عقدة القضيب، وينتج عنها نظرة جنسانية خالصة تجرد المرأة من أي ندية تجعلها ترتقي للخلاف والاختلاف السياسي. يحال أي نقاش مع الآخر المختلف في حال كان امرأة إلى نقاش قائم على الخوض في تفاصيل حياتها الشخصية بشكل عام والجنسية بشكل خاص، وما يتبع ذلك من أسلحة تئد أي جدل سياسي متكافئ في المهد، وتحول ساحة الاختلاف إلى مباراة تبدأ بذم جسد المرأة وتنتهي بالتعيير بالعهر الذي بات صيغة متعارف عليها تستدعي كل العصبويات الذكورية لتنهش المرأة المختلف معها في كل شيء إلا أفكارها التي كان يُفترض أن تكون محل نقاش.
وشهدت مؤخراً كلٌ من ساحات الإعلامين التقليدي والحديث اقتحام تنظيم الدولة الإسلامية للمناطق الأيزيدية في العراق. هول هذا المشهد يعيدنا إلى الكثير مما تضمنه تاريخنا من تهجير وقتل وسبي، سواء من إبادة الأرمن، والنكبة الفلسطينية، إلى مجازر الأنفال والدجيل إبان حكم البعث العراقي، وحرب رواندا الأهلية، وحالات الاغتصاب الجماعي حديثاً في مصر وليبيا وجنوب السودان. جاء رد مدعي التقدمية الذي اكتسب صفته من افتراض معاداته للرجعية، بدعوة الرفاق والرفقة والإخوة إلى اغتصاب وقتل كل "داعشي"، "متحفزاً لسبي مجاهدات داعش" ممن وصفهن بالمتهافتات لجهاد النكاح، تماماً كما يعيّر نظيره الفريق الآخر بزواج المتعة.
كتبتْ يوماً إحدى الصحافيات ساخرة بكل عنجهية وبرودة قلب من مجزرة دوما، فكان رد بعض من يدّعون الحرية كيل الشتائم المقيتة التي لم تناقش او تدين التعليق بما يتضمنه من غِل وحقد، إنما تتبعت أثر الكاتبة وتهافتت التهديدات بالاغتصاب والسبي والتوصيفات الذكورية التي تشرّح أعضاء الجسد، وتنطلق من خلفية أن المرأة "عورة"، وان كل ما يتصل بالأنثى أو يمثلها هو شتيمة بحد ذاته. وهو مشهد تكرر مع إحدى الفنانات التي عارضت النظام السوري، فتساوى الطرفان بمنهجية وذكورية النقد رغم اختلافهما السياسي.
وللأمانة، لا يختلف الغرب في ذكوريته عن شرقنا. يعمد أنصار الجمهوريين في حربهم الإعلامية ضد مرشحة الديموقراطيين لرئاسة الولايات المتحدة هيلاري كلينتون، إلى التذكير بفضيحة زوجها بيل كلينتون للتهكم بمنطق القول: "لو كان يرجى منك خيراً لما خانك زوجك".
هو البطريرك المتدثر في خطابنا، سواء بقناع ديني أم مدعي التقدمية، رجلاً كان أم إمرأة. هو امتداد للعنف المركب الذي قامت عليه مجتمعاتنا الإنسانية. ومن لا يعول عليه بالفضاء الخاص لا يعوّل عليه بالفضاء العام والعكس صحيح. وهذا العنف السياسي الإقصائي الموجه يوضح معالم القمع الممنهج لشريحة اجتماعية أساسية.
يبدأ التحرر من الأفراد على اختلاف تصنيفهم الجنسي والعرقي والديني والطبقي لتتلقفه الجماعات وتؤسس لنموذج الدولة المرجوة والفضاء السياسي والفكري الصحي والسليم وصولاً إلى المواطَنة المتساوية والندية. 

للكاتب نفسه

يسقط كل شيء

يوماً ما كتبتْ كفرنبل السورية "يسقط كل شيء". واليوم من بغداد إلى بيروت، تهتف حناجر الشرق الجديد الذي سنعبر إليه: يا حراس الهيكل وديكتاتوريات العصور الوسطى، يا حكم الأوليغارشية والتبعية...