الفاو، من "باب السلامة" إلى "ماء الصبر"

مضى على اقتلاع مصطفى أو أبو سجاد كما يحب أن يكنى، من على ظهر اللنكَة (القارب) سنين طوال، لكن طعم الملح ورذاذ الموج لم يغادر شفتيه بعد. وعلى الرغم من أنه انتمى زوراً إلى مدرسة الحياة على اليابسة منذ زمن، لكن الحنين إلى القراءة في صفحات الماء ما زال يلازمه. الأفق الذي كان يوماً مفتوحاً على السفر والرزق، انحسر خلف زجاج سيارة الأجرة، وأمام زبون عابر أو آخر غارق في همومه. استبدل أبو سجاد
2015-08-20

عاصم ترحيني

كاتب من لبنان


شارك
من دفتر:
مدن العراق
| en
من البصرة/ تصوير:عاصم ترحيني

مضى على اقتلاع مصطفى أو أبو سجاد كما يحب أن يكنى، من على ظهر اللنكَة (القارب) سنين طوال، لكن طعم الملح ورذاذ الموج لم يغادر شفتيه بعد. وعلى الرغم من أنه انتمى زوراً إلى مدرسة الحياة على اليابسة منذ زمن، لكن الحنين إلى القراءة في صفحات الماء ما زال يلازمه. الأفق الذي كان يوماً مفتوحاً على السفر والرزق، انحسر خلف زجاج سيارة الأجرة، وأمام زبون عابر أو آخر غارق في همومه.
استبدل أبو سجاد اللنكَة (السفينة) بالسايبة (سيارة الأجرة Saipa وهي من صنع إيراني، والاكثر شيوعا في هذا الاستخدام لانخفاض سعرها)، لكنه لم يعتد حتى الآن على الجلوس خلف مقودها، كما لم يتقن الجدل على سعر "الكروة" (الإيجار). تُجاوره بضع دقائق فتدرك أنه غريب عن هذا المشهد المدني والزحام و "الهوسة" (الضجيج). يكفي أن تتأمل يديه الواهنتين اللتين تشبهان مجذافين "ساعة السحر"، وعينيه اللتين "كأنما تنبض في غوريهما النجوم"، والأخاديد التي حفرتها شمس بحر الخليج من أعلى الجبين حتى استدارة العنق، لتدرك أنك أمام سندباد بحري، انتزع عنوة من حكايا "ألف ليلة وليلة".
يستقل السايبة بعد أن يشمر دشداشته إلى ما فوق ركبتيه، ويثبّت نظارتيه المرتخيتين فوق أرنبة أنفه. عبثا حاول أن يتكيف وضيق مساحة المقعد وشبكة "الدرابين" (الأزقة) البصراوية المعقدة وأسماء الطرق والساحات، لكنه يخفق كما في كل مرة. لا تشابه بين حياة البحر وحياة البر. الماء يفرض عليك أن تتخفف من وزنك وهمومك، البحر هو الذي يحملك ويسافر بك، اليابسة تجبرك أن تستعير أثقالا فوق أثقالك لتثبت قدميك فوقها. هنا يجرفك الموج فيسلبك طمأنينتك، هناك تسلم نفسك له فيحملك إلى شاطئ الأمان.
كان مصطفى طفلا لما يبلغ الحلم بعد لما حلم بالبحر. في ليالي السمر العامرة في بيته الأبوي في الفاو، كان ينسل من فراشه، ويقف خلف باب الديوان بحذر، يسترق السمع إلى الأحاديث التي كان يرويها الصيادون، عن "الغزْل" (الشباك) العملاق الذي ينزل إلى أعماق البحر ولا يصعد منها إلا وهو محمل بالأسماك والمحار واللؤلؤ. وحين يصل الحديث بهم إلى المعارك الضارية التي يخوضونها مع أسماك "الكوسج" (القرش) التي كانت تلاحق قواربهم إلى أعلى الشط، كان يلملم أحلامه على عجل، ويلوذ بحضن أمه.
يوم دفعه والده باتجاه اللنكَة في أول رحلة بحرية، قال له: "لتكون صيادا عليك أن تتقن ثلاثة أمور: حسْن استعمال عدة الصيد، حفْظ أنواع الأسماك وأسمائها، وأن يكون لك أغنية خاصة بقاربك، أغنيتك هويتك، بها تدخل إلى عالم الصيادين وبها يدخلك البحر إلى عالمه". ومنذ ذلك اليوم، عقد صداقة مع الغزل والبلد (عدة الصيد الكاملة) يحملها في أيام موسم الصيد الوفير وأيام القلة، إلى "المسفَن" (مرسى القوارب) ويقلع من هناك باتجاه الرزق الحلال، وهو يغني "أوه يا مال.. أوه من غدر الأيام والدهر، مجروح وجرحي ذبحني يا بحر".

اللنكَة المتهادية فوق الماء على عتبة الخليج صارت وطنه، أودعته أسرار قراءة النجوم، واتجاه الريح، وأماكن رعي الأسماك، فأصبح "نوخذة" (قبطان) عن جدارة. يغيب ليلة بعد ليلة ويعود إلى نقطة تجمّع الصيادين على جرف شط الفاو، حيث يبيع الأسماك حاملا أنواع البياح، والزبيدي والشانك والصبور وبنت النوخذة والثويبي والمزلك والطعطوع ولسان الثور ومشط القاوية والروبيان.
أجمل ما علق في ذاكرته من أيام الصيد، طقس الموادعة، حيث يبدأ العزف على آلة الخشبة، يرافقه غناء النساء وبكاء الأطفال مودِّعين، ثم يتزود البحارة بالتمر والبصل و "الطماطة" (البندورة)، ويبحرون. وفوق مسالك المياه يلتقون سفنا عائدة، فيقدم لهم بحارتها سمكا طازجا كعرف متبع، فالصيد وفير وخير البحر للجميع.
أما اليوم وبعد نهارات العمل المملة على متن آلة حديدية صماء، يحيل أبو سجَّاد جسده المتعب إلى الراحة، يجلس ساكناً على كرسيه على كورنيش شط العرب، و "يكرز الحب" (يقضم البزر) بخفة مثل فأر مستعجل، ويستسلم لمشهد رحيل القرص الأحمر نحو آفاق أخرى، وانعكاس ضوئه على المياه. هنا تلتقي أربعة أنهار عملاقة: دجلة، الفرات، كارون، والكرخة.. بعد طول رقص وتجاذب على ضفاف الممالك والمدن والحضارات، وكثير من الروايات والأحلام والأشعار.
يقبض على سيجارته بين السبابة والوسطى وينفث دخانها بحسرة: كنا صيادين، كنا ملوكا على عرش هذه الأمواج، حولتنا الحروب والضغائن إلى فرائس، أو طعوم لخفر السواحل والزوارق العسكرية التي تهجم علينا من الشمال والجنوب، كأنه لا يكفينا هجوم الملوحة والجفاف.
الفاو كان رئة العراق، وكنزه الخصب وبوابته المفتوحة على الدنيا والحضارات. لم يميز بين عربي وعربي، ولا بين عربي وأعجمي ولا عربي وأجنبي. كانوا يلتقون هناك، شعوبا وقبائل يتعارفون ويتكارمون. أصبح اليوم خاصرته المثقوبة. أما الفاو التي سماها سنحاريب "باب السلامة" ثم عاد العرب فسموها "ماء الصبر"، فتختصر حكاية العراق كله.

للكاتب نفسه

يسقط كل شيء

يوماً ما كتبتْ كفرنبل السورية "يسقط كل شيء". واليوم من بغداد إلى بيروت، تهتف حناجر الشرق الجديد الذي سنعبر إليه: يا حراس الهيكل وديكتاتوريات العصور الوسطى، يا حكم الأوليغارشية والتبعية...