في هجاء الأم المثالية!

"المرأة جوهرة"، هي المقولة الذهبية المفضّلة في أدبيّات الإسلاميين في سياق نقاشهم حول القضيّة النسوية. تساق هذه العبارة دفاعاً عن موقف الإسلاميين المعتدلين ـ الإخوان بالذّات ـ من حقوق النساء، وتبريراً لفرض الحجاب عليهنّ أو الدّعوة لفصل النّساء عن الرجال في المواصلات العامة على سبيل المثال. إذ إنّ العبارة نفسها هي تمهيد للعبارة اللاحقة المعتادة: "ولذلك لا بد من حمايتها في علبة من
2015-03-05

بيسان كساب

كاتبة صحافية من مصر، متخصصة بالاقتصاد


شارك
| en

"المرأة جوهرة"، هي المقولة الذهبية المفضّلة في أدبيّات الإسلاميين في سياق نقاشهم حول القضيّة النسوية. تساق هذه العبارة دفاعاً عن موقف الإسلاميين المعتدلين ـ الإخوان بالذّات ـ من حقوق النساء، وتبريراً لفرض الحجاب عليهنّ أو الدّعوة لفصل النّساء عن الرجال في المواصلات العامة على سبيل المثال. إذ إنّ العبارة نفسها هي تمهيد للعبارة اللاحقة المعتادة: "ولذلك لا بد من حمايتها في علبة من القطيفة الفاخرة" كما هو شأن الجواهر. بل إنّ بعض العبارات المتذاكية المتكررة كانت تعرض سؤالاً على قارئات الكتيبات الدعائية للإخوان:"هل تفضلين ان تكوني جوهرة أم وردة"، في إشارةٍ إلى تفاوت السعر الذي يرونه متجسدا في العناية البالغة بالأولى بحفظها ـ او حبسها ـ في مكان أمين، في مقابل استعراض الثّانية بلا تحفظ.
لكنّ مقولات من هذا القبيل لم تكن أبداً حكراً على الإسلاميّين، بل قد تجد أشدّ أعداء الإسلام السّياسي ضراوةً يردّدونها بلا تحفظ . ففي السياق نفسه ثمّة عددٌ من المقولات التي يفترض ان تتضمن بعضا من الحقوق للنساء، لكنها في جوهرها تحرمهن من المساواة. وهي تكشف عن الميل لمعاملة النساء بـ "رحمة" أو "شفقة" جديرة بـ "ضعفها الجميل "المزعوم هذا.
 

ربة المنزل عاطلة
 

المرأة التي تستطيب ألّا تعمل من دون سبب قاهر (يفترض في معظم الأحيان أن يكون مؤقتاً) هي شخص عاطل غير منتج، مثلها في ذلك مثل الرجل الذي يقرر بلا سبب وجيه ألّا يعيل نفسه وأطفاله وأن يعتمد في ذلك على زوجته أو والديه. هذا الرجل مثار سخرية وازدراء في كل المجتمعات وخاصة المجتمعات العربية والشرقية. وفي المقابل، فالمجتمع نفسه يطلق على المرأة التي تقرّر ألّا تمتلك مصدرا مستقلّاً للدخل وألّا تكون منتجة، لقباً مدهشاً: ربّة منزل. ولكن هذا التسامح أو التبجيل الظاهر ليسا مؤشرين على مشاعر ودية نحو النساء بل هما على النّقيض نابعين من افتراض أنّهنّ كائنات مخصصات لمهام بعينها: إرضاء الزوج ثم رعاية الاطفال، وقبل ذلك خدمة العائلة الابوية ـ بمن فيها الأشقاء الذكور. ولطالما كانت الأمومة محل تقديس خاص من أشدّ الذّكوريين ضراوة في عدائهن لحقوق النساء وتحررهن ومساواتهن بالرجال، وتضخيم المهمة يقصد به جعلها لا تقبل أيّ مسؤولية اضافية الى جانبها. وغالباً ما تساق مثل هذه المقولات في قالب من "الرحمة" بالنساء من ناحية، وفي الوقت نفسه في قالب من القسوة الواضحة في تحميل النساء وحدهن المسؤولية عن الأطفال، حتى يعتبر اي ضرر يلحق بهم، من قبيل تسرب البلل من حفاظاتهم دليلاً دامغاً على إهمال هائل بمقتضيات "مهنتهنّ". ويتضمن ذلك إعفاءً الآباء من هذه المسؤوليّة. ويظهر بشيء من التفحص أن الاحتفاء المبالغ به بالامومة ينطوي على حط من شأن المرأة، وأن الفخر بـ "الرجولة" ينطوي على تقليل من مقتضيات الابوة. وليس من المستغرب أن تجد أشدّ الناس محافظةً يرددون بيت الشعر الشهير: "الام مدرسة اذا اعددتها اعددت شعباً طيب الأعراق". ولا يمكن وفقا لهذا المفهوم تصور اي امرأة "فاضلة" يتقبلها المجتمع إلّا في صورة "الأم "، وكلما زاد مدى "تفانيها" كلما نالت اللقب الاسمى: "الأمّ المثالية". ولا مرادف للقب عند الرّجال. فما من أب مثالي، وما من ضرورة ملحّة أصلا بأن يكون الأب مثالياً. بالمقابل، ثمّة شرط أساسي لإحراز المرأة اللقب المنشود، وهو أن تكون قد أعدّت بناتها للأمومة.
 

الرجال ليسوا سيئين بالضرورة
 

غالباً ما يقال إن الأمومة هي من يفسر الطبيعة العاطفية الرقيقة المزعومة للنساء، بعكس الرجال. كما يقال إنّ المرأة، وبناء على هذه الطّبيعة، أكثر قدرة على التضحية من الرجل. تردد النساء التعسات المجبرات على التضحيات المتواصلة مثل هذه المزاعم، اعتقادا منهن أنّ ثمة تعويضاً خاصاً في اعتراف الجميع بتفوقهن الأخلاقي. لكن ذلك يؤدي الى تأبيد هذه الحال، فلا يعود هناك من مجال للمطالبة بأي تحسن في أوضاع النساء الأسريّة، بل يرسخ الاعتقاد بأن أفعال الرجال "الدنيئة" تستند إلى أسباب فطرية لا اجتماعية. ففي حال كان الرجال فعلا أنانيين ويميلون لتعدد العلاقات النسائية "بحكم طبيعتهم"، فأي مطلب يمكن ان ترفعه الحركة النسوية بتقييد تعدد الزوجات او منعه؟ أو بإقناع شرائح أكبر من المجتمع بالمساواة التي تستدعي بالضرورة التوقف عن إلزام النساء بالأعمال المنزلية وبرعاية الأطفال دوناً عن الرجال؟ ومن ثم، فالمقولات الخرافية عن "طبيعة" الرجال و "فطرتهم" في مقابل "طبيعة" النساء و "فطرتهنّ" هي أحد أسوأ ما قد يقال دفاعاً عن النساء.
 

أسطورة الذمة المالية المستقلة
 

لا يجوز الدفع لإثبات المقولة المكررة "الإسلام كرّم المرأة" بأنه جعل لها ذمة مالية مستقلة، إلّا في حال ارتبط ذلك باعتراف من قبل مردّدي الشعار بأن العمل حق وواجب على المرأه غير مرتبط بموافقة زوج أو أب. فتبعاً للمقولة، لا يجوز للرّجل الاعتداء على الذمة المالية لزوجته او الاستيلاء على مالها الخاص، لكن أصحاب ذاك الرأي لا يقدمون تفسيرا واضحا لجواز حرمانها من حقها في العمل الذي يفترض أنّه منبت الذمة المالية أصلاً. يستتبع ذلك بطبيعة الحال التساؤل عما إذا كان "حق الذمة المالية المستقلة" هذا يرتبط طبقيا بالنسوة الثريات اللاتي تحصلن على إرث من أسرتهن. ويشترط الاعتراف بأيّ حق للمرأة أن يكون قد ورد عنه نصٌّ دينيّ ثابت، وكأنما الأصل في الأشياء هو الحرمان من الحقوق. ويمتد ذلك إلى فتوى جرى الاحتفاء بها على نطاق واسع باعتبارها دليلا على روح تحررية. وهي الفتوى التي تنفي واجب المرأة بالعمل المنزلي في بيت الزوجية، وتفرض على الرجل استقدام خادمة لقضاء تلك الأعمال. فما من تفسير واضح لكيفية تمتع المرأة الفقيرة بهذا الحق طالما هي لا تمتلك أجر هذه الخادمة، بل وكيفية تمتّع تلك الخادمة نفسها بنفس الحق في بيتها. وواقع الأمر أنّ ثمّة جانباً محذوف ضمنيّاً من الفتوى - ربما لأنه لا يبدو جذابا للبعض، أو لأنه يبدو بديهيا للبعض الآخر- مفاده أن الرجل في كل الأحوال ليس مطالباً بأن يقوم بأمر نفسه، وأنّ "امرأةً ما" ستتولى عنه شؤونه، فإمّا الخادمة أو الزّوجة.

 

للكاتب نفسه

تراجع الجنيه المصري

بيسان كساب 2015-11-26

"التسييس" هي التهمة التي تلاحق كل من يبدي قلقاً حيال تراجع سعر العملة الوطنية. يرى المدافِعون عن تراجع الجنيه أن خصومهم "شعبويون"، يسعون للمتاجرة بمصالح قطاعات واسعة من الأقل دخلاً...

قانون الخدمة المدنية في مصر

بيسان كساب 2015-10-01

"إحنا بتوع (ننتمي الى) 30 يونيو يا باشا"، قالها موظف خمسيني نصف ريفي موجهاً حديثه لـ "الباشا" - وهو اللقب الشعبي لضباط الشرطة - الذي وقف مع زملائه في حر...

مشروع قناة السويس الجديد

بيسان كساب 2015-08-13

 "هدية أم الدنيا للعالم" هو الشعار الذي يذيل اللافتات الدعائية للمشروع، من ضمن حملة واسعة النطاق عنوانها "مصر بتفرح"، وصولاً إلى سيل من الأغاني "الوطنية" اجتهد أصحابها في شحن الشعور...