تراجع الجنيه المصري

"التسييس" هي التهمة التي تلاحق كل من يبدي قلقاً حيال تراجع سعر العملة الوطنية. يرى المدافِعون عن تراجع الجنيه أن خصومهم "شعبويون"، يسعون للمتاجرة بمصالح قطاعات واسعة من الأقل دخلاً ممن يتضررون من ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه، وأنهم لا ينظرون للفوائد التي يجنيها الاقتصاد على المدى المتوسط، والتي تتمثل وفق هؤلاء في تعافي القطاع الخارجي عموما، وقطاع الصادرات بالأخص، وتحسن
2015-11-26

بيسان كساب

كاتبة صحافية من مصر، متخصصة بالاقتصاد


شارك

"التسييس" هي التهمة التي تلاحق كل من يبدي قلقاً حيال تراجع سعر العملة الوطنية. يرى المدافِعون عن تراجع الجنيه أن خصومهم "شعبويون"، يسعون للمتاجرة بمصالح قطاعات واسعة من الأقل دخلاً ممن يتضررون من ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه، وأنهم لا ينظرون للفوائد التي يجنيها الاقتصاد على المدى المتوسط، والتي تتمثل وفق هؤلاء في تعافي القطاع الخارجي عموما، وقطاع الصادرات بالأخص، وتحسن الميزان التجاري على المدى المتوسط الذي يلي تضرره الناتج عن تضخم فاتورة الواردات، بعدما يعدِّل السوق من أدائه تلقائيا ويقلص من حجم الواردات لاحقا. ويفترض، تبعا لهذا الرأي أن يجد الاقتصاد بدائل محلية لبعض الواردات ويستغني عن أخرى غير ضرورية.
لكن أصحاب هذا الرأي لم يقدموا تفسيرا لكيفية تطور قدرة دولة نامية مثل مصر على تأسيس صناعة محلية تكفيها الحاجة إلى منتجات تتضمن محتوى تكنولوجياً عالياً، مستوردة عالية الكلفة، في ظل ارتفاع سعر الدولار. فمن حيث الحجم، تتصدر المنتجات الهندسية قائمة الواردات المصرية غير البترولية، وفي 2014 بلغت قيمة الواردات الهندسية 17.675 مليار دولار. وتشمل تلك المنتجات مستلزمات الإنتاج الضرورية، بما يعنيه ارتفاع كلفتها من أثار بالغة على نمو الصناعة التحويلية بالذات. وقد نما قطاع الصناعة التحويلية بنسبة ضعيفة لم تتعد 0.2 في المئة في الربع الثالث من العام المالي 2014/2015 مقابل 9 في المئة في الربع المناظر من العام السابق. وساهم قطاع الصناعة التحويلية بنسبة تخطت 36 في المئة في نمو الناتج المحلي الإجمالي، ليحل بذلك في مقدمة كل القطاعات الاقتصادية في التسعة شهور الأولى من العام المالي الحالي، تبعاً لبيانات وزارة التخطيط والمتابعة الإدارية.
وقد أظهر تقرير حول نتائج مؤشر مدراء المشتريات أصدره بنك الإمارات دبي الوطني، التراجع في اقتصاد القطاع الخاص غير المنتج للنفط في مصر، "حيث ساءت الظروف التجارية بأسرع وتيرة لها منذ شهر فبراير" تبعا للتقرير الذي عزا الأمر إلى الانخفاضات القوية في الإنتاج والأعمال الجديدة، وفقدان الوظائف، "وشهد معدل التوظيف في القطاع الخاص غير المنتج للنفط في مصر هبوطا كذلك بشكل سريع في بداية الربع الرابع (من العام المالي)، وكان معدل فقدان الوظائف هو الأسرع في ستة أشهر"، تبعا للتقرير. وارتفعت تكاليف مستلزمات الإنتاج بحدة في الشهر الفائت وساعدت على تلك الزيادة الحادة في أسعار المشتريات، وذكرت الشركات المشاركة في الاستبيان الذي أجراه البنك أن استمرار ضعف الجنيه المصري أمام الدولار الأميركي هو العامل الرئيسي وراء الضغوط التضخمية.
واللافت أن التطور الإيجابي المنتظر في قطاع الصادرات من جراء تراجع قيمة الجنيه المتواصل بقي هو الآخر محض قاعدة مدرسية محفوظة من الخطاب الاقتصادي التقليدي، سواء جاء على لسان "خبراء" أو مستثمرين نافذين أو وزراء. وكان وزير الاستثمار قد أثار ضجة واسعة النطاق وقتها حين أفصح بوضوح في كلمته في مؤتمر للتنمية عن رأيه في السياسة النقدية قائلا إنّ تخفيض قيمة الجنيه لم يعد أمرا اختياريا. ولأن تصريحاته تلك عدت من قبيل تدخل السلطة التنفيذية في السياسة النقدية التي يفترض أن ينفرد بها البنك المركزي، فقد أثار الأمر توقعات بالإطاحة بالوزير سالمان من الحكومة التي كانت على وشك أن تشهد تعديلا وزاريا واسع النطاق، لكن التعديل لم يشمله، ما بدا وكأنه موافقة ضمنية من رأس السلطة التنفيذية على السياسات التي بشّر بها.
وتبعا لوزارة التجارة والصناعة في تقرير "التجارة الخارجية المصرية غير البترولية" – والتي تشمل البتروكيماويات دونا عن البترول الخام والغاز الطبيعي، بلغت الصادرات المصرية لشهر أيلول/ سبتمير 2015 فقط ما قيمته 1.246 مليار دولار بتراجع يقدر بأكثر من 27 في المئة عن الشهر نفسه من العام الماضي.
وبلغ إجمالي الصادرات للعام الحالي 13.897 مليار دولار حتى نهاية أيلول/ سبتمبر بتراجع يقدر بأكثر من 19.21 في المئة عن إجمالي القيمة للمدة نفسها من العام الماضي. وخلال تلك الفترة ، كان سعر الدولار قد ارتفع من 7.1 جنيه إلى 7.7 جنيه مصري، تبعا لبيانات تلك الجهة.
استمر سالمان في موقعه. إلا أن محافظ البنك المركزي هشام رامز هو من سيترك موقعه بعد استقالته من منصبه إذ طفت للسطح بوضوح خلافاته مع الحكومة. فواقع الأمر أن الغضب الشعبي من ارتفاع الأسعار جراء تراجع سعر العملة الوطنية – في دولة تعاني خللا بالغا في الميزان التجاري - بدت وكأنها انصبت على رأس البنك المركزي نفسه الذي سمح بارتفاع سعر الدولار حين رفع يده عن دعم الجنيه باستخدام الاحتياطي من النقد الأجنبي. كان رامز يواجه في كل الأحوال خيارات ضيقة. فتراجع الاحتياطي من النقد الأجنبي لا يسمح بالتضحية ببعضه – من وجهة نظره – في محاولة لدعم الجنيه. وتراجع الجنيه ادى من ناحية أخرى إلى ارتفاع كلفة الواردات، وواجه البنك الأمر عبر إجراءات صارمة حدت من الاستيراد بإصدار قائمة أولويات لتوفير الدولار من البنوك، اثارت بدورها حنق المستوردين.
كشفت الأزمة عن حدود قدرة "المعادلات الثابتة"، التي تمثل الخطاب التقليدي لخبراء بنوك الاستثمار ورجال المجموعة الاقتصادية في الحكومة ومن خلفهم صندوق النقد الدولي، على تقديم الحلول. فبدلا من تحسن أوضاع القطاع الخارجي مع تراجع سعر الجنيه، انكمشت الصادرات بوضوح، وتراجعت بالتالي عائداته، وزاد التراجع من أزمة الاحتياطي من النقد الأجنبي، وهو ما انعكس بدوره على وفرة الدولار اللازم لاستيراد سلع ضرورية من أجل مواصلة التصنيع، حتى ولو بهدف التصدير، من قبيل المواد الخام ومستلزمات الإنتاج والسلع الوسيطة، وهو ما انتهى إلى تراجع مؤشر مدراء المشتريات منذرا بتباطؤ النمو. ووصل الأمر إلى ما أظهرته مذكرة بحثية صادرة من بنك الاستثمار "فاروس" من أن الاحتياطي من النقد الأجنبي بالكاد يغطي الدين الخارجي.
وألمح محافظ البنك المركزي في آخر حوار صحافي أجراه قبل استقالته إلى مشروع ازدواج المجرى الملاحي لقناة السويس كأحد الأسباب المباشرة لتراجع الاحتياطي من النقد الأجنبي، بما تضمنه من استيراد عدد ضخم من الحفارات. فالمشروع جرى إتمامه بناء على أمر علني من رئيس الجمهورية لرئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة "في سنة واحدة بدلا من ثلاث سنوات"، وفي ظل تباطؤ تعافي النمو العالمي وتراجع أسعار البترول، فما زال مبرر القرار الاستعراضي أمام الكاميرات باختصار مدة إتمام المشروع غامضاً. وهو ما لا يمكن أن يفترض أرباحا وشيكة من مشروع ريعي من قبيل مشروع قناة السويس، يرتبط بالتجارة العالمية في الأساس، وما يستدعي الإسراع بإتمامه. بل إن أحدث بيانات الهيئة العامة لقناة السويس تشير إلى تراجع إيرادات القناة خلال شهر أيلول/سبتمبر الماضي مقارنة بالشهر الذي سبقه.
وهذا ربما يشي في المقابل بأن تبديد الاحتياطي من النقد الأجنبي على هذا النحو لم يكن إلا لضرورات ما يستلزمه استعراض على يخت "المحروسة" التاريخي العائدة ملكيته لفاروق آخر ملوك مصر، في احتفال مهيب العام 2014.. هذا يستدعي الحديث عن "التسييس" الفعلي، على حساب المصلحة الاقتصادية للناس.


وسوم: العدد 170

للكاتب نفسه

قانون الخدمة المدنية في مصر

بيسان كساب | 2015-10-01

"إحنا بتوع (ننتمي الى) 30 يونيو يا باشا"، قالها موظف خمسيني نصف ريفي موجهاً حديثه لـ "الباشا" - وهو اللقب الشعبي لضباط الشرطة - الذي وقف مع زملائه في حر...

مشروع قناة السويس الجديد

بيسان كساب | 2015-08-13

 "هدية أم الدنيا للعالم" هو الشعار الذي يذيل اللافتات الدعائية للمشروع، من ضمن حملة واسعة النطاق عنوانها "مصر بتفرح"، وصولاً إلى سيل من الأغاني "الوطنية" اجتهد أصحابها في شحن الشعور...