من البوعزيزي الى زينب المهدي: أيقنة فعل؟

نلحظ، في ما يخصّ"الانتحار" كفعل احتجاج، انزياحاً لاعقلانيا صوب المربع الماورائي الديني، في الجدل حول هذا الحدث/الفعل. جدل عقيم إنما ذو دلالات بالغة تطال مناحٍ عدّة في الظاهرة، ليس أكثرها التباسا وسذاجة إدانة الفعل من منطلقٍ قيميّ وشرعيّ. وهو، إلى ذلك، جدلٌ صار يستهلك قسطا وافرا من الأخذ والرد في أوساط الشباب العربي المتأسلم عموما، فضلا، وهو الاهم، عن أنه جدلٌ يحجب بقدر كبير الاسئلة
2014-11-30

حسن نصّور

كاتب من لبنان


شارك
من الانترنت

نلحظ، في ما يخصّ"الانتحار" كفعل احتجاج، انزياحاً لاعقلانيا صوب المربع الماورائي الديني، في الجدل حول هذا الحدث/الفعل. جدل عقيم إنما ذو دلالات بالغة تطال مناحٍ عدّة في الظاهرة، ليس أكثرها التباسا وسذاجة إدانة الفعل من منطلقٍ قيميّ وشرعيّ. وهو، إلى ذلك، جدلٌ صار يستهلك قسطا وافرا من الأخذ والرد في أوساط الشباب العربي المتأسلم عموما، فضلا، وهو الاهم، عن أنه جدلٌ يحجب بقدر كبير الاسئلة الاجتماعية والحقوقية المحايثة للحدث. إنها جدالات تستدرج كلّ مرة، الدين بالتنميط الشائع، الى مساحة في الحوار تصير معها غير فاعلة الرؤية إلى البنى التحتية المؤسِّسة لـ"الانتحار" كذروة تعبير احتجاجيّ. إذ تضطلع تلك المساحة الدينية من الجدل بقدرة على اختزال وتسطيح الواقع الخلفيّ للظاهرة (اجتماعيا أو سياسيّا وحقوقيّا)، ومن ثمّ التعمية على هذا الواقع.
وفي خضم الجدل الساذج بين "سرديات السنة" و"سرديات الشيعة" باعتبارهما للأسف، وراهنا، محركين هائلين لمجمل التجاذب السياسيّ بتمظهراته الاجتماعية في العالم العربي.. أقول في خضم هذه الهستيريا الخلاصيّة، يكون مفهوما إنما بشكل اعتباطيّ وغير مبرر كلّ انزياح للكلام نحو مربعه الدينيّ باعتبار فعل البوعزيزي كمفصل اوّليّ أو فعل زينب المهدي مؤخرا، سؤالا دينيا ذا بعد قيَميّ. لأن موضعة هذا الفعل في كادره الماديّ وخلفياته كافة، ومن ثمّ أيقنته كاحتجاج صادم في لحظات اجتماعية حاسمة، يتيحان كشف وفضح أغلب منابع هذا اللغو الخلاصيّ الذي صار يغزو ألسنة أناس هم، بالنتيجة، صورة هذا الموروث.
في المجمل، ليس العالم العربي، بحسب أحدث الاحصائيات العالمية، من الامكنة التي تسجِّل فيها ظاهرة الانتحار (قتل النفس احتجاجا) عموما أرقاما عالية قياسا بسوء الاوضاع. مردّ ذلك، في أغلب الظنّ، إلى كون الاسلام كمبنى قيَمي وثقافيّ مؤسّس في الاجتماع العام يحرّم هذا الفعل بشكل قطعي وتحت أيّ ذريعة أو شكل. ويصل في بعض الأحيان حدّ نشوء ما يشبه إدانات أهليّة تؤطر الفرد المنتحر عموما ضمن سرديات التشكيك العقديّ الشعبوية، ولا يمكن إدراجها الا في خانة الإكراه المعنوي للضحية، وقد تطال بالسلب محيطه الأقرب.
ولئن شكل فعل "البوعزيزي" لحظة الانفجار الذاتيّ تعبيرا واحتجاجا، فقد تمظهرت أيقنة هذا الفعل في شكلها اللاواعي الأوّليّ، محاكاة واعية لآثارها في غير قطر عربيّ في السنوات الثلاث اللاحقة. فاحتجاج "زينب المهدي" (انتحرت في مصر منذ أيام، انظر "السفير العربي"...)، شكل مفارقة شديدة السطوع في وعي المرحلة المصرية التي تكاد تكون الأهم بين البلدان العربية. بأقلّ تقدير، سوف يحفر فعلها اليائس عميقا في المشهديّة التعبيرية دلاليّا لمآل الحراكات والتقلبات الاجتماعية في السياق العام للأحداث، منذ انطلاقة الانتفاضات العربية. إذ يبدو جليّا في ما يخص حالة زينب، التساوق الذي يعكس تأثيرات الأزمات الاجتماعية المعيشية في سؤالات المبنى الحقوقيّ والحريّات بمجمل تفرعاتها السياسية والطبقية. نتحدث في هذا الحيز الفعلي لانتحار زينب عن وعي ناشطة سياسية ومدنية بتوجهات إسلامية واضحة (وهذا بالغ الدلالة)، في مصر حاضرة الإسلام السياسي العربيّ. وإذ سطع فعل البوعزيزي في إضاءته كاملة على اهتراءات المبنى المعيشيّ الاقتصادي التونسي في اللحظة السياسية، فإن فعل زينب المهدي، بما هو فعل تجاوُز في الشكل والمضمون أيضا، لا يسطع إلا من حيث كونه دلالة قصوى على تعثّر شبه كامل في الإفادة حقوقيا من المساحة التي أتاحتها التجربة بعد انتخابات رئاسية "ديموقراطية" أوصلت رئيسا، وانتهت بشبه انقلاب عسكري بعد أكثر من ثلاثة أعوام من بدء الثورات. والحال أن الشهادات التي ترد من مصر عبر ناشطين حول مسائل خنق الحريات بدعوى محاربة الإرهاب والإخوان لا تبتعد عما يمكن تسميته قانون طوارئ محدثا. والأمثلة تطول.
نقول: ليست لحظة "البوعزيزي" في تونس حدثا عابرا في ما يخص تلك الظاهرة في العمق (قتل النفس كفعل احتجاج تعبيري)، إذ سجّل الفعل في اللحظة التونسيّة تحديدا، وتاليا على امتداد الرقعة العربية، تتويجا لانسداد خانق داخل البنية الاجتماعية السياسية من البوابة المعيشيّة الاقتصادية. كان فعل البوعزيزي، في شكل من الاشكال، لحظة حاسمة للتجاوز. نعني القوّة الهائلة الدافعة ذاتيّا بشكلّ لاواع أو عشوائي، للخروج من خلال التعبير الصادم (المحرّم نصّا) على الموروث الجذريّ الذي يعي كلّ الوعي ترتيباته النفسية القديمة المتأصّلة. ولم يكن خروجا بالمعنى الاحتجاجيّ المطلبي البدهيّ في الظاهر إلا بقدر ما مثّل دعوة صارخة وعميقة للدخول، في المقابل، إلى مربّع الحفر في مجمل ما يحيق بأساسات الفعل التعبيري بحد ذاته، في المجال الحيوي والاهليّ للظاهرة. مجالٌ لم يستطع حتى الاسلاميون الصاعدون والمستثمرون فيه منذ البداية، وعلى اختلاف تشكيلاتهم السياسية، إلا التفاعل مع استدراجاته الاجتماعية الملحّة، وبالتالي التراجع عن قطعيات تدين الفعلَ الساطع من الباب الشرعيّ الديني، والمشاركةَ ـ وإن على خفرٍ ـ في البحث عن تأويلاته خارج النصّ. نعني في الاجتماع.

مقالات من العالم العربي

للكاتب نفسه