عن إحراق الكتب وجذر المسألة

قبل أشهر، في مدينة طرابلس اللبنانية، قام مجهولون/ معلومون بإحراق مكتبة «السائح» لصاحبها الراهب الأرثودوكسي «ابراهيم سرّوج». يمكن إدراج هذا الفعل في سياق الظاهرة القديمة في التعامل مع المعرفة بسبل المنع والتضييق بادعاءات دينيّة متهافتة. في عصر المكتبات الرقمية المنتشرة على الشبكة والميسرة بسهولة للمريد، لا يمكن طمس أي معارفَ وأفكارٍ بشكل نهائيّ من خلال القيام بعمل
2014-07-16

حسن نصّور

كاتب من لبنان


شارك
من الانترنت

قبل أشهر، في مدينة طرابلس اللبنانية، قام مجهولون/ معلومون بإحراق مكتبة «السائح» لصاحبها الراهب الأرثودوكسي «ابراهيم سرّوج». يمكن إدراج هذا الفعل في سياق الظاهرة القديمة في التعامل مع المعرفة بسبل المنع والتضييق بادعاءات دينيّة متهافتة. في عصر المكتبات الرقمية المنتشرة على الشبكة والميسرة بسهولة للمريد، لا يمكن طمس أي معارفَ وأفكارٍ بشكل نهائيّ من خلال القيام بعمل عدائي من هذا القبيل، إذ لهذه الكتب، على أهميتها التاريخية والتراثية، نسخات محفوظة وإن كان بعضها نادرا. في العمق، وبعد أن كان إحراق الكتب في القرون السابقة طمسا شبه كامل لبنى ونتاجات معرفية أصيلة، فإن أفعالا من هذا النوع ليست راهنا سوى عداء أجوف عشوائي. عماءٌ باسم الدين. افرازات كارثية بعد قرون لم يخرج خلالها العقل العربي من فكرة الجمعيّات الدينيّة المؤسّسة على الخلاص الأخروي للواحد دون الآخر، في ظل سلطات تستبطن بالقوة الطغيان ولا يمكنها التعبير عن أي قابلية لهضم ولو حتى منجز واحد من منجزات الحداثة.

في الجذر

لم يفصل سوى بضع سنوات بين موت أهمّ فلاسفة المغرب العربي، أبي الوليد ابن رشد (المتوفى عام 595 هـ) ومعركة «الأرك» (591 هـ)، آخر المعارك التي حقق فيها الموحّدون الأندلسيون انتصارا على القشتاليين. كان موت الفيلسوف الكبير يشبه إيذانا بأفول تدريجيّ للانتاج المعرفيّ والفلسفيّ العربي الجادّ في الأندلس، لصالح بروز أجيال من المؤسسين الغربيين المسيحيّين وأرباب اللاهوت والفلسفة الذين نقلوا المعارف الرشدية باستيعاب فائق، بعد أن فشلت الحضارة العربية، بما آلت إليه آنذاك، في إيجاد أرضية للفلاسفة العقليّين داخل الحاضنة الاسلاميّة. حاضنة سوف تنزلق تدريجيّا نحو إغلاق منافذ العقل والاجتهاد لصالح المعارف النقْليّة بقيادة الفقهاء.
الربط بين آخر الانجازات العسكريّة للمسلمين في الاندلس بوجه ممالك الشمال، قشتالة ونافار وأراغون، وبين موت آخر الفلاسفة، إثر محنة شهيرة، أدتّ فيما أدت إليه كما هو شائعٌ في التاريخ، الى استكمال هيمنة الفقهاء وحظر تدريس الفلسفة بشكل عام في بلاد المغرب والاندلس كلّها. كما نتج عن ذلك بدء مرحلة أفول العلوم العقلية الجديّة، ما استدرج بالضرورة محاصرة المتبقّي من العقل الاسلامي عموما باعتباره ما انفكّ يتيح قدرا معقولا جدا من الحرية التي لم تتقبلها السلطة المتحالفة مع طبقة الفقهاء، لكونها ـ بحسب المنقول ـ تؤدي إلى تعارض ظاهريّ مع الشريعة، ما يُدخِل في شبهة التأويل.
إحراق مؤلفات قاضي قرطبة، صاحب «شروح ارسطو» الفذّة، وما تبع ذلك من تصاعد طرديّ للخسارات التي منيت بها الحضارة العربية الاسلامية في الاندلس، ظل يؤشر إلى تلازم مفترض بين الحاجة الى وجود مساحات وازنة من الحرية والحيوية الفكرية، بعيدة نسبيا عن اكراهات السلطة السياسية، وبين الحاجة، في الوقت نفسه، إلى سلطة محصّنة بشبكة من الامان المجتمعيّ ضدّ العدو الخارجي / الآخر. إذ أنّ الطغيان بكافة أشكاله وأنواعه المؤسَّسة دينيّا وسياسيا، ظلّ عبر قرون من عمر الحضارة العربية المنفذ شبه الوحيد لاستجلاب الخارج.
التلازم بين الشرطين الآنف ذكرهما، أو بتعبير أدقّ الحاجة الى المواءمة بينهما، تمظهرا في المجتمع العربي الاندلسيّ بشكل أكثر جلاء ووضوحا من باقي المجتمعات العربية لأسباب شتى، لعلّ من أهمّها كون الموقع الجغرافيّ والتاريخيّ والحضاريّ للاندلس في الدائرة الاسلامية ظلّ يختلف نسبيا عن السياقات التاريخية للدول والسلالات التي قامت في المشرق الإسلامي، خصوصا في القرون المتأخرة، وإن بقيَ التفاعل ملحوظا ضمن الثقافة الاسلامية الواحدة. فقد ظلّت ثنائية الأنا العربي المسلم / الآخر المسيحي الغربيّ اللاتينيّ، ضاغطة بكافة دوائرها على المجتمع الأندلسي في شتى مراحله، حتى لحظة السقوط الكبير في غرناطة بعد المناظرة الشهيرة بين رهبان قشتالة والفقهاء.

في المشرق

نستطيع تصنيف ظاهرة إحراق الكتب في التّاريخ الاسلاميّ من ضمن الظواهر الاقدم في تاريخ العرب المسلمين. ونقول «ظاهرة» باعتبارها في أكثر الاحيان كانت أحداثا تمفصلت حولها سياقات وتوجهات المعارف الدينية التي كانت تشكلّ متّكآت فكريّة للسلطات الحاكمة فيما بعد. أدت هذه الظاهرة دورا مركزيا في بلورة أشكال السياسة والسلطة في أرجاء الدولة الاسلامية. وبالاجمال، يمكن إدراج تحفّظ الصحابة، لاسيما الخلفاء الثلاثة الأوائل، عن تدوين الحديث، تحت عنوان حفظ النصّ الاصليّ وحمايته من الخلط، أو بسبب التهيّب من فرضية التقوّل على الرسول. يمكن إذاً إدراج هذا التحفظ في خانة الإرهاصات التي مهدت فيما بعد، تحت عناوين دينيّة شتى، لممارسات المنع في ظل جدل شائك حول مسوغات احراق المخطوطات والكتب. وينقل «ابن سعد الزهري» (ت208هـ) في طبقاته «أن الاحاديث كثُرت على عهد عمر بن الخطاب، فأنشد الناس أن يأتوه بها، فلما أتوه بها أمر بتحريقها». تواصل سريان المنع طيلة القرن الهجري الأول، حتى تنبه عمر بن عبد العزيز إلى خطورته وتأثيراته السيئة على التراث، فأمر بكتابهِ الشهير الى أهل المدينة بإلغائه. فيما لم يكد يخلو أمر خليفة من الخلفاء من حادث إغراق أو إتلاف كتب ومكتبات، خصوصا في زمن الخلافتين العباسيّة والأموية، لاسباب في أغلبها ترتبط بثنائية الصراع على السلطة تحت غطاء ديني، لهدف إحكام الاغلاق على النصّ الدينيّ ذاته باتجاه أحاديّ لا يسمح بتأمين شرط الحرية البديهي داخل أيّ فضاء معرفيّ سليم. ذلك فضلا عما أدت اليه تلك الانغلاقات من فوضى مجتمعيّة كانت تنتج عنها غالبا أقسى عمليات التطهير المعرفية على أسس فقهية ومذهبية. فبنظرة سريعة على الفهرست لابن النديم البغدادي (ت 385 هـ)، يمكن ملاحظة الكمّ الكبير من العناوين المفقودة لعلماء المسلمين المتقدّمين. مؤلفات بالجملة لم تصل الى أيدينا لأسباب تصبّ بالإجمال في خانة المنتَج المعارِض الممنوع. وقد شاع في المأثور أن مكتبة الشيخ ابي جعفر الطوسي (ت 460هـ)، شيخ الطائفة الاماميّة في القرن الخامس، احترقت بآلاف أمهات الكتب في فتنة بغداد بين السنة والشيعة، وأنّ الذي وصلنا من كتبه هو ما ألّفه في أواخر عمره، بعد المحنة. هذا فضلا عن عناوين مطموسة لم نجد لها اثرا راهنا، ما خلا إشارات في بطون كتب كثيرة لأعلام مصنّفين (على رأي جمعٍ من المتأخرين والمتقدّمين بحسب السردية التاريخية الكلاسيكية) على انهم زنادقة وأرباب ضلالة، لعل أشهرهم، مثالا لا حصرا، المعريّ والتوحيدي وابن الراوندي.

***
ذلك هو في الجذر بنية عقليّة مترسّبة ومتفرعة هرميّا نحو كافة شؤون الاجتماع والثقافة العربيّين. اجتماعٌ ما انفكّ يجدُ مبرّرات في زمن الثورات الرقميّة لمؤسسّات الرقابة في الدول لأن تمارس سلطة اعتباطية عبثيّة على المنتجات الصادرة في الخارج أو الواردة الى الداخل، أفلاما ووثائقيّات ومؤلفاتٍ شتى، في دول عاجزة في الاغلب الاعمّ على تأمين الحدّ الأدنى من أمن المواطنين.

مقالات من العالم العربي

نادية وطائر الموت

ريم مجاهد 2019-12-12

كان الشارع مظلماً كقبر. لم تعد هناك منذ زمن طويل أعمدة إنارة في الشوارع، ولم يكن هناك ما يضيئها غير كشّافات السيارات والهواتف المحمولة. وأما كبار السن فكانت لهم كشّافاتهم...

للكاتب نفسه