قبل أن تحسم معركة الأرض

«قال لي: سلاح؟ السلاح موجود. انزل إلى الوعر، اقلب سلسلة هناك وستجد السلاح، اذهب إلى كل مغارة اشتهرت بأنها مسكونة بالأشباح. لكنني حين عملت بنصيحته لم أجد إلا الأفاعي والحشرات والحشائش التي تعيش بقليل من الماء والشمس». من مذكرات أحد الأسرى الذين يقضون حكماً بالمؤبد في سجون الاحتلال.خضوع الفضاء الفلسطيني للاحتلالانسحبت من العمل
2014-06-19

محمد مشارقة

مهندس وكاتب من فلسطين


شارك
من الانترنت

«قال لي: سلاح؟ السلاح موجود. انزل إلى الوعر، اقلب سلسلة هناك وستجد السلاح، اذهب إلى كل مغارة اشتهرت بأنها مسكونة بالأشباح. لكنني حين عملت بنصيحته لم أجد إلا الأفاعي والحشرات والحشائش التي تعيش بقليل من الماء والشمس». من مذكرات أحد الأسرى الذين يقضون حكماً بالمؤبد في سجون الاحتلال.

خضوع الفضاء الفلسطيني للاحتلال

انسحبت من العمل في المجال الحيوي ذاك معظم القوى «النضالية»، إلى مساحات وجدانية تغيب عنها الإنجازات الفعلية، وإلى حساب «التراكمية» التذرّعية. وهذا يطرح مجالاً للشك في نتائج تحليلات الوضع القائم على أساس يُقصي الأرض والجغرافيا من محدداتها ونظرتها للقائم من احتلال والمفروض من نضال. يخضع الفضاء الفلسطيني للاحتلال بالتدخل المباشر في بنية الأرض وديموغرافيتها (والديموغرافيا هي جغرافيا كما تعلمون)، وفرض الشكل المناسب لها من خلال السيطرة على مفاتيح الإنتاج والاقتصاد بشكل مباشر، عبر السيادة السياسية والعسكرية.
وهذه حالة النسبة الأعلى من فلسطين التي احتلت مبكراً بفضل التهجير القسري لسكان القرى، وهروب رأس المال المشكِّل لبيئة المدينة فيها. أما الشكل الثاني للتدخل فيتم بالتوجيه المباشر عبر الإحلال الديموغرافي، أو غير المباشر عبر التحكم بتوجهات «الإدارة الفلسطينية» (تسميتها «سلطة» يعتبر مجازاً غير متقن، فكيف بمن يسميها «دولة»!) القائمة على التمويل الاستعماري الذي أنجز مهمة القضاء على العمق الحصين من الجغرافيا الوعرة طبيعياً والحصينة فكرياً لحساب جهتين، أولاهما تعزيز الوسط المديني المكدس عمودياً، وثانيهما لحساب الاستيطان الصهيوني المتوسع أفقياً. هل تساءلنا مرة لماذا يتميز الطراز التخطيطي للمستوطنات الصهيونية بشكل الضواحي الشريطية الممتدة أفقياً وتغيب عنه البنايات ذات الأدوار المتعددة؟ قد تكون سليقة الإحساس بالتوسع الاستيطاني لا تجد حيزاً لدهشة لدى الفلسطيني من أية ممارسة للاحتلال، لكن السؤال موجه لمن يوافق بل ويستثمر في تعزيز التكدس في جغرافيا ضيقة غير قادرة على المواجهة أو خلق حالة مواجهة فعلية مع الاحتلال.

«دولة سلّمية من المدن»

على عكس «القوى» الفلسطينية التي تختصر تحركاتها في سياقات لا تعتمد الواقع الجغرافي ولا الحال المعاش للأرض، كانت القوى الاستعمارية والصهيونية في بحث وتدارس وتطبيق مستمر للخطة التي تمكنها من فرض سيادتها على المتبقي من الأرض الفلسطينية من دون احتلال مباشر. ففي العام 2004، أصدرت مؤسسة RAND الأميركية دراسة تحت عنوان «مشروع القوس، كيف للدولة الفلسطينية أن تنجح». اعتمدت هذه الدراسة على بناء ما يُسمى «دولة سلّمية من المدن» تتصل فيما بينها بخط مواصلات يصل جنين بالخليل مروراً بكل الضفة المحتلة، ويصل الخليل بالقطاع من خلال رفح ويمر إلى شمال القطاع. والملاحظ أيضاً في الدراسة أن هذا الخط يقع في أقصى شرق مدن الضفة، الأمر الذي يدفع بالتحرك الديموغرافي بعيداً عمّا يسميه الاحتلال في أسطورته «تلال يهودا والسامرة» الذي استوطن في الجزء الأكبر منها وأبقى هذه الجيوب من المدن والتكدس السكاني من الأفراد غير القادرين على الحياة إلا بالعمل في المنظومات الاقتصادية التي تعمل على إبادتهم.
قد لا تكون هذه الخطة هي ما ينفذ الآن، فما يحدث فاق التحليلات والأهداف المرجوة منها، وخلق واقعاً أكثر «إيجابية» لتعميق الاستيطان الصهيوني. ومن اللافت أيضاً أن ما يقوم به الاحتلال في خطته يستند الى أن هذه المستوطنات لا يمكن لها أن تعيش وحدها من دون الحاجة إلى المدينة ومرافقها. وفي هذا حساب لـ«أسوأ» ما قد يقْدم عليه الاحتلال (إن لم يكن مستحيلاً) وهو أن يقوم بالانسحاب من الأرض المحتلة العام 1967، وإبقاء المستوطنين تحت رعاية الإدارة الفلسطينية التي تهيئ مدنها لتكون بما يكفي من الليبرالية والتحرر لتستوعب أي مستفيد من مرافقها. وحيث إن هذا الأمر يستحيل من منطلق أن الواقع الجغرافي يقول بأن المستوطنات الإسرائيلية متصلة فيما بينها بشبكة طرق خاصة، ومتصلة أيضاً بمحاور طرق عرْضية مع المدن المحتلة العام 1948، كما أن بعض المستوطنات «الكبرى» في الضفة الغربية تتصل عرْضياً بطرق إقليمية تصل فلسطين المحتلة بمدن الأردن، ضمن مشروع ربط إقليمي كما هو وارد في الخطة الاستراتيجية الصهيونية ضمن ما يُسمى بـ«إسرائيل 2020» وهو المشروع الذي يخطط لحالة دولة الاحتلال في المستقبل، وهو لا يلقي بالاً لوجود دولة فلسطينية بينه وبين الأردن، وخطته تقضي بأنه لا وجود لأي كيان غير صهيوني في تلك المنطقة.

النظرية والتطبيق

كل المخططات التي يجري تنفيذها وتخطيطها، مما علمنا وما لم نعلم، تخرج من أروقة مؤسساتية صهيونية تعمل فيها كل القطاعات، من المخططين والعسكريين والخبراء، من الكيان وداعميه من عنصريي وصهيونيي العالم السالكين للمدارس الاستعمارية في التخطيط والبناء والتوسع. وعلى الطرف المقابل، لا أحد، لا إدارة ولا مؤسسة ولا أفراد، حيث إن لا نفع للأفراد في مجال كهذا إلا أن يكونوا منصهرين في النظرية بممارستها. وبرغم اختلاف الأساسيات الناظمة لتجربته، فإن في تجربة المعماري والمخطط العربي المصري حسن فتحي مثالاً للمخطط المنخرط في نظريته حد التطبيق. كانت محدّداته تقوم على بناء قرى للفقراء والمهجّرين من المقابر الفرعونية، من خلال استخدام المواد المحلية المتوافرة تحت شعار «ابنِ مما تحت قدميك». قد يكون الاختلاف الموضوعي بين حالة البناء والتخطيط من أجل الفقراء والمواجهة الطبقية، وحالة البناء والتخطيط من أجل المواجهة ضد التطهير العرقي والإبادة، عائقاً أمام المقاربة للتطبيق والممارسة، ولكن تبقى فكرة المُخطِّط المطبِّق للنظرية رؤية يجب على مخططينا الوظائفيين أن يتبعوها وأن يوجدوا مناطق المواجهة بالديموغرافيا والجغرافيا المواجِهة.
لا إنكار أن الدخول في حيز هذا التفكير (للكبار فقط) ويحتاج إلى صناعة قرار ـ بالأحرى فرضه ـ وخلق سبل ووسائل تدخل في البنية المسيطر عليها، حيث أن شكل الممارسة يجري بشكل يقوم على خلق التوجه نحو النزول في سلم التطور الاجتماعي ـ وهذا أيضاً للكبار فقط ـ من المدنية المفتعلة إلى القروية الفعلية القائمة على الإنتاج المادي المرتبط بشكل مباشر بالأرض وقيمتها التي تكسبها المجاز فيما بعد.يتدخل شكل الحياة المدنية المفتعلة في خلق جوّ من الحنق الذي قد يؤدي إلى آثار ارتدادية تتمثل في النزول بسلم التطور الاجتماعي الذي صعدته فئة اجتماعية بشكل متسارع، لم يُتِح المجال أمام التطور الاجتماعي الطبيعي. يمكن تحقيق هذه الحالة من خلال تأجيج سخط هذه الفئة تجاه الجو العام المعيش في هذه الفضاءات، الأمر الذي يتيح المجال أمام الارتداد نحو المجتمع المترابط الذي يحمل حصانته بطبيعته، وبذلك تسير خطوط الديموغرافيا باتجاهات مختلفة عن المقرر لها، والموجهة من خلال قوى اقتصادية واستعمارية.
فالجغرافيا الأصيلة غير المشغولة هي أكبر مساحة بحكم النمط التخطيطي ـ من تلك المفتعلة والمتسارعة في نموها. إن فتح المجال أمام الصراع القائم على الحياة الطبيعية يطرح التحدي الجوهري التالي: «أي الأنماط قادرة على العيش؟ وأيها القادر على دفع ثمن من دون تردد؟»...

مقالات من فلسطين

الجيل المولود في التسعينيات في غزَّة... بين حانا ومانا

اطلق مواليد التسعينات حملة "شيّبنا"، محمّلين الحكومتين في الضفة الغربية، وقطاع غزَّة المسؤولية عن الحيلولة دون وصولهم الى سوق العمل بكافة القطاعات، باعتبارهم غير ملائمين للوظائف المتاحة لكبر سنهم!