الكاريكاتير في الأردن تحريض أم نكتة؟

الخشية من هذا الفن تفوق الخشية من الكلمة المكتوبة. ففي ثوانٍ معدودة، يخاطب الكاريكاتير عين القارئ محرضاً إياها على قضية ما، موقظاً "الوعي" لديه. والكاريكاتير في الأردن بدأ ثورياً محرضاً على يد رباح الصغيّر أول رسام في البلاد، فلماذا لم يعد يقوم اليوم بدوره؟ بداية واعدة في ظل "سياسة الممكن" وبما أن الصحافة الأردنية تمر بأسوأ
2015-01-05

رانية الجعبري

قاصة وصحافية من الاردن


شارك
| en
أمجد رسمي - الأردن

الخشية من هذا الفن تفوق الخشية من الكلمة المكتوبة. ففي ثوانٍ معدودة، يخاطب الكاريكاتير عين القارئ محرضاً إياها على قضية ما، موقظاً "الوعي" لديه. والكاريكاتير في الأردن بدأ ثورياً محرضاً على يد رباح الصغيّر أول رسام في البلاد، فلماذا لم يعد يقوم اليوم بدوره؟

بداية واعدة في ظل "سياسة الممكن"

وبما أن الصحافة الأردنية تمر بأسوأ أحوالها اليوم، فالكاريكاتير يتبعها في انتكاستها كما صاحَب انتعاشها. في مطلع السبعينيات، وعلى الرغم من أن الأردن كان يعيش في ظل الأحكام العرفية، إلا أن المزاج العام للناس كان محكوماً بالأحلام الكبيرة ولم يكن يقبل بأي سقف في الإعلام، مما أجبر رئيس الوزراء حينها زيد الرفاعي على التخلص من صحيفة الرأي التي كانت مملوكة للحكومة وتقدم وجهة نظرها، فاشتراها شيخ الصحافيين الأردنيين جمعة حمّاد وشركاء له. وحينها انتقل للعمل فيها برفقة حمّاد رسام الكاريكاتير رباح الصغيّر. أمكن لحمّاد، من خلال علاقاته الطيبة مع السلطات ووعيه في إدارة الصحف، إنتاج بيئة صالحة "نوعاً ما" للتجريب وإنتاج ما هو جديد، ومنه فن الكاريكاتير فعند العودة لأرشيف صحيفة الرأي قبل أن يتملكها حمّاد وشركاؤه يظهر أنها كانت قبلاً تخلو منه تماماً. وعلى الرغم من احتضان حماد لرباح الصغيّر إلا أنه كان يعلم تماماً حدود القتال، ووازن دوماً بين الممكن والممنوع فتناول في كاريكاتيراته الحضور الأميركي في الساحة العربية وتوقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل أيام السادات.
في تلك الفترة كان الأردن لا يعرف كرسام كاريكاتير إلا رباح الصغيّر، وفي صحيفة الدستور جلال الرفاعي بالإضافة للتشكيلي محمود صادق الذي كان يرسم الكاريكاتير في صحيفة الشعب، وعندما تم إغلاقها مطلع التسعينيات لأسباب مالية تتعلق بسوء الإدارة ترك رسم الكاريكاتور. وعند سماع التجارب التي مر فيها الصغيّر أثناء محاولاته تمرير كاريكاتيراته، يبدو كأنه كان يمارس العمل النضالي الذي تركه عند بداية السبعينيات، إذ كان ينتمي لجبهة تحرير فلسطين، وبعدها تفرّغ للعمل الصحافي مؤمناً بالقتال على جبهات الوعي. ورغم منع رسومه في أحيانٍ أو توقيفه عن الرسم في أحيان أخرى، إلا أنه بقي حتى آخر أيامه مصراً على "المشاغبة" والمناورة، إيماناً منه بأن وصول الرسالة سيحقق الكثير.
 

تقليم أظافر الأحلام الكبيرة

توفي الصغيّر قبل "هبّة نيسان/ابريل" في العام 1989 بشهرين، ولم يشهد عودة الحياة الديموقراطية إلى الأردن التي أسفرت عن توالد الصحف الأسبوعية لتخطف الاهتمام من صحيفتي الدستور والرأي حينها.
وبدأ فن الكاريكاتير يزدهر في الصحف الأسبوعية. صحيح أن المتابعات أو الملاحظات الأمنية لم تفارق الرسامين، لكن الحالة العامة كانت تفتح أبواب النقد الموصدة، وتحديداً عبر الصحف الاسبوعية السياسية والساخرة. وفي تلك الأثناء عرف الأردنيون رسامين ناقدين. وتلك البيئة الخصبة أسست لها حريةٌ لم يتجاوز عمرها سبع سنوات (1990-1997) كان لها دور في تقديم قصص نجاح لرسامين ليتقدم غيرهم من الموهوبين من دون خوف نحو الكاريكاتير.
فلا يمكن نسيان تجربة عماد حجاج في الصحف اليومية وميلاد شخصية "أبو محجوب" الكاريكاتورية وهي الشخصية الأكثر شهرة في الأردن في العام 1993، والتي خرجت بصورة أو بأخرى من رحم النقد. وبالتزامن مع تجربة حجاج بدأ رسام الكاريكاتير ناصر الجعفري بالرسم في الساحة المحلية في العام 1994 عندما عمل رساماً للكاريكاتير في الملحق السياسي الصادر عن صحيفة الدستور الاردنية، ولا يمكن إغفال تجربة رسام الكاريكاتير أمجد رسمي الذي بدأ برسم الكاريكاتير في صحيفة الدستور العام 1999 ثم انتقل للرسم في جريدة الشرق الاوسط، بالإضافة لتجربة الفنان أمجد عورتاني الرسام الحالي في جريدة الدستور الاردنية.

هل كان يعلم أبناء شارع الصحافة ما ينتظرهم عند مطلع العام 1997؟ لقد طرحت الحكومة مشروع قانون المطبوعات والنشر للعام 1997 الذي تضمّن رفع رسوم ترخيص المطبوعات مما أدّى لما اصطلح الصحافيون على تسميته بـ "مذبحة شارع الصحافة"، فأغلقت ما يزيد على عشر صحف أسبوعية أبوابها. منذ ذلك الحين عاد الرقيب الداخلي للنمو في أعماق الصحافيين ورؤساء التحرير، فقد تم استبدال عقوبة حبس الصحافي بالغرامات المالية العالية، فأي مالك صحيفة أو رئيس تحرير سيغامر بدفع مبالغ عالية مقابل رسوم كاريكاتورية أو مقالات عالية السقف؟ الروايات التي يتم تداولها على سبيل النكات بين الرسامين تشي بأن نموذج جمعة حمّاد بدأ يغيب من شارع الصحافة لمصلحة رؤساء تحرير يتفنون في إرضاء السلطة على حساب المهنة. فالمنع في أحيانٍ كثيرة لا يتعلق بتجاوز الخطوط الحمراء تماماً، بل يقوم على اعتبارات تخص رؤساء التحرير وحدهم، وتتعلق بالمزاجية قبل كل شيء. وهنا لا يتم تجريد الكاريكاتير من دوره التحريضي وحسب بل يتم تجريده من أدنى الأفكار التي يمكن التعبير عنها.
ففي مرة تفاجأ رسام الكاريكاتير الحالي في صحيفة الرأي خلدون غرايبة أنه تمّ منع كاريكاتير له عن زلزال اليابان، وحجة رئيس التحرير في منعه هو أن الملك يزور اليابان هذه الأثناء. وفي مرة طالبه رئيس تحرير بأن يُغيّر اسم "جودو" (مسرحية "في انتظار جودو" الشهيرة) الى اسم "جودت" حتى يفهم الناس الاسم، ويومها استعان غرايبة بدلالة "جودو" ليتحدث عن حالة اليأس التي تتملك الناس. يُقلّب غرايبة كفّيه ويتساءل "ماذا يريد الناس اكثر من ذلك؟"، بل إن أحد رؤساء التحرير في مرة أخذ يُقلّب رسمة الكاريكاتير ليبحث عما يُخفيه الرسام من رموز داخل اللوحة، قائلاً "بعرف بدّك تضحك عليّ".

 

العالم الافتراضي و"التحريض"

هذا ما يجري مع جميع الرسامين، فلغالبيتهم صفحات على فيسبوك يقومون من خلالها بنشر ما تمّ منعه من رسومهم. ولا يمكن اعتبار السلطات والشعب وحدهم مذنبين، بل إن رسامي الكاريكاتير مسؤولون عن الحال البائس أيضاً منذ جعلوا الانتشار هدفهم فرسموا ما يرضي الناس الذين ينتظرون من الكاريكاتير ان يحمل اليهم "النكتة"، وأصبح رئيس التحرير ينتظر من الكاريكاتير أن يحصد مشتركين ومشترين للصحيفة عبر انتشاره..
إذاً، لماذا لا يقوم الكاريكاتير بدوره التحريضي؟ ببساطة لأن تمييع القضايا والحلول طغى على الواقع وعلى إدراك الناس، وراح المواطن ينتظر دائماً من الكاريكاتير أن ينتقد له المسؤول، متناسياً الدور الذي يجب عليه هو القيام به.. فالتغيير يبدأ من فرد مؤمن بقدرته على التغيير، إذ تلقى رسام الكاريكاتير أمجد رسمي من جهة رقابية أثناء عمله في الدستور ملاحظة عندما قام برسم كاريكاتير يحرض المواطن على رفض ارتفاع الأسعار، قيل له باختصار "يا أخي انتقد الحكومة"! ببساطة انتقاد المسؤول مسموح، لكن التحريض ممنوع!

مقالات من الأردن

ما تبقّى من «الكرامة»

2018-04-26

في هذا المقال استعادة لمعركة «الكرامة»، ومحاولةٍ التورّط في البنيان السياسيّ الذي أنتجته بالنسبة لفلسطين والأردن، وموقعها من الوعي الصهيوني العام، فضلًا عن تتبّع ظلّها الرسمي وما تبقّى منها اليوم..

للكاتب نفسه

نظام انتخابي "جديد" في الأردن؟

بماذا يفكر الأردني عندما يضع ورقته الانتخابية في صندوق الاقتراع؟ في الواقع، أول ما يفكر به هو الخدمات التي تُقدَّم له، من توظيف أو تأمين خدمات صغيرة، سيقوم بها النائب...