الاكتفاء الذاتي في سوريا، أبجديّةٌ تتحايل على الحرب

يقبل السوريون في الداخل عقيدة للحياة على أنها محاولة كثيفة لتجنب فنائهم، بهذا يصير الإفلات من الموت شرطاً براغماتيّاً خالصاً، كأنهُ أنسنة غير متوقّعة لصراع بقاء يعبره السوريّون متخفّينَ بين حدّيه كلّ يوم تقريباً، يجرّبون فيه صنوفاً من القوننة توائم بين إيراداتهم وبين الكلفة الباهظة للاستمرار على قيد الحياة. يستعيرون أيضاً بعض التدابير التي اختبروها في الثمانينيات خلال الأزمة الاقتصادية
2016-02-11

أيمن الشوفي

صحافي من سوريا


شارك
سارة شمّا-سوريا

يقبل السوريون في الداخل عقيدة للحياة على أنها محاولة كثيفة لتجنب فنائهم، بهذا يصير الإفلات من الموت شرطاً براغماتيّاً خالصاً، كأنهُ أنسنة غير متوقّعة لصراع بقاء يعبره السوريّون متخفّينَ بين حدّيه كلّ يوم تقريباً، يجرّبون فيه صنوفاً من القوننة توائم بين إيراداتهم وبين الكلفة الباهظة للاستمرار على قيد الحياة. يستعيرون أيضاً بعض التدابير التي اختبروها في الثمانينيات خلال الأزمة الاقتصادية الخانقة، يضيفون عليها استدامة الخراب وانشطار البلاد إلى راياتٍ عديدة، ثم يعودون ويجرّبون شرط البقاء مجدداً، ويسألون: هل بات ممكناً؟ كأنهم ينتشلون الجواب من قاع العبث. حياتهم تجربة مدهشة يمسكون بتلابيبها كي لا تسقط منهم فيسقطون معها.

الجغرافيا تحصد الزراعة

رمت الحرب بالزراعة على قارعة الطريق، عاريةً من الدعم الحكومي الذي سمّنها طوال الخطط الخمسيّة التي صاغت اقتصاد البلاد منذ مجيء البعث إلى السلطة، لكنها وفي سنوات الحرب أصيبت بالهزال، ففقد الإنتاج الزراعي 80 في المئة من قيمته خلال السنوات الماضية، إذ أنّ تنظيم الدولة الإسلامية الذي احتلَّ 90 في المئة من حقول النفط والغاز في سوريا، يُدير وفي آن أخصب الأراضي الزراعية حول حوض الفرات وفي ريف حلب، مُغلقاً حدوده على ما ينتجه. ومثله فعلت فصائل المعارضة المسلحة التي تسيطر على أرياف حمص وإدلب وحماه ودرعا ودمشق، ليصير الإنتاج الزراعي رهينةً للتداول داخل «الكنتونات» التي تزرعه، بما يشبه التحوّل التدريجي إلى منظومات منعزلة من الاقتصاد المناطقي. وهذا هو حال الزراعة أيضاً في مناطق سيطرة النظام، إذ تدهورت عائديتها بسبب ارتفاع أسعار المحروقات والأسمدة وانقطاع الكهرباء الدائم. لقد جرّب مهندسون زراعيون في تلك الأرياف الآمنة الاتكال على مردود قطع صغيرة من الأراضي لتحقيق الاكتفاء الذاتي المنزلي، مستبدلين الأسمدة المكلفة بتناوب زراعة البقوليات والحبوب والخضروات، مقترحين بذلك نموذجاً من الاقتصاد المنزلي المنتج والقابل للتعميم. استلهم مشروع «فلاحي السلام» في مدينة كوباني ذات الغالبية الكردية فكرة الاكتفاء الذاتي تلك، وطوّرها في إطارٍ منهجي تخطّى تجارب اكتفاء المهندسين الزراعيين في مناطقٍ أخرى. المشروع جاء بطرق زراعة حديثة وببذور ذات نوعية جيدة تأخذ حاجات نموّها الذاتي من مكونات التربة بلا حاجة إلى السماد الكيمائي أو إلى المبيدات. أسرٌ كثيرة لا تزال تقطن تلك المدينة استفادت من مزايا المشروع فصارت جزءًا منه.
«السلفيّة» تجرّب عقيدة الاكتفاء
لم يعد قطاع الزراعة في سوريا هو المشغّل الأعلى للعمالة، ولم يعد يساهم بربع الناتج المحلي الإجمالي كما كان يفعل قبل العام 2011. باتت الأراضي الزراعية الواقعة تحت سيطرة «داعش» و «جبهة النصرة» و «لواء الفتح» على الحدود الشمالية، مندمجة أكثر بقنوات الاقتصاد التركي. وهناك بالإمكان رصد تدفق السلع والمواد المصنّعة ونصف المصنّعة من الأسواق التركية إلى تلك المناطق، بعدما انخفضت إنتاجيّة القطاع الصناعي في سوريا بنسبة 80 في المئة.
المناطق التي خرجت عن السيطرة العسكرية للنظام السوري باتت خارج اقتصاده أيضاً، رصدت لنفسها مقداراً من التجريب يساير نفوذ القوى التي تديرها، وارتباطاتها الإقليميّة، فتوجّب عليها البحث عن نموذج أو أكثر للإدارة الاقتصادية. عرفت المناطق الكردية التي يسيطر عليها حزب الاتحاد الديمقراطي مثل تلك النماذج، وطبّقتها عملياً تحت مسمّى «الإدارة الذاتية الديمقراطيّة»، بحيث تسيّر تلك الإدارة الشأن الاقتصادي للمنطقة في منظومة متواضعة من المدخلات والمخرجات، مثلما تسيّر الشأن العام للسكان المحليين. بعض تلك الإدارات جَبَتْ من خلال بيعها النفط إلى تركيا، ورسوم العبور التي تتقاضاها من استخدام المنافذ الحدوديّة التي تسيطر عليها، تدفقاتٍ مالية لا بأس بها عانتها في الإنفاق الجاري (غير الاستثماري) داخل مناطق سيطرتها، سواء في تمويل «قوات حماية الشعب الكردي» أو في تأمين السلع الاستهلاكية للقاطنين داخل مناطق نفوذها.
كذلك لم تكن مبادرة «حركة التغيير والبناء» داخل مناطق سيطرة «الجيش الحرّ» بعيدةً عن مقاربة فكرة الاكتفاء الذاتي المحلّي، وإن كانت لصيقةً أكثر بالشأن الخدمي لا الاقتصادي للسكان حيث هي، إذ يبدو نشاطها مقتصراً على توفير السلع الاستهلاكية المباشرة، واستقبال تبرعات الملابس المستعملة، ثم إعادة توزيعها على المحتاجين، وربط الناس في مناطق عملها بمنظومة بسيطة من العلاج الطبي والتداوي شبه المجانيّ.
لكن تنظيم «داعش» يظلُّ يحتكرُ دون سواه أصول العمل البراغماتي في المناطق الشاسعة التي أضحت من نصيبه داخل سوريا. لا يتوانى التنظيم، وهو يدير شؤون الرقّة ودير الزور وأجزاءً من ريف حلب وحمص، عن الاستعانة بموظفين حكوميين لإدارة سد الفرات، الشريان الأساس الذي يغذّي مناطق سيطرة تنظيم الدولة بالماء والكهرباء. التنظيم، وفيما هو يدير منظومة عمله الذاتية، بحاجة إلى خبرات بشريّة جاء بها من منظومة العمل الحكومي لأجل تسيير مرافق عامة مثل المطاحن والمخابز. كذلك فقد جَلَبَ خبرات من خارج سوريا لأجل إدارة قطاع الاتصالات الأرضيّة والخلوية، كان معظمهم من المتطوعين التونسيين المتيقنين من حتميّة قيامة الخلافة الإسلامية.
ولجبهة النصرة أيضاً تصورات تطبيقية لإدارة الشأن العام في مناطق نفوذها داخل ريفي إدلب وحلب، تشبه في مراميها نماذج الاكتفاء الذاتي السابقة. فهي تفرض الأتاوات لتأمين حماية الشركات والمصانع وغيرها من الأنشطة الاقتصادية، كما تفرض ضرائب تصاعدية على الأرباح من «منظورٍ إسلامي»، فهي بذلك تجني من الأغنياء المقيمين في مناطق نفوذها مداخيل جيدة تفيدها في تجديد قنوات التمويل الذاتيّة لتنظيمها المسلّح.

تجربتا «خيوط الشمس»، و «طائر الراماج»

تدلّنا أرقام الأمم المتحدة على وجود نحو 6 ملايين سوري يعتمدون بصورةٍ أساسيّة في قهر جوعهم اليوميّ على المساعدات الخارجيّة، كما يرشدنا أحد تقارير «مجموعة عمل اقتصاد سوريا» الصادر في شهر آذار / مارس 2015، إلى أنّ نسبة البطالة صارت تقارب 60 في المئة من إجمالي قوّة العمل المتبقّية في سوريا.
لهذا لم تنضب المحاولات التي رصدت تطويع الظرف الموضوعي ليخدم بحواضنه الجديدة الظرف الذاتي المتغيّر. تعددت المشاريع التي كانت غايتها بلوغ ضفّة الاكتفاء، لكنها بقيت تطمح لرفع فاقة العوز عن الذين لا يزالون عالقين في حضن الوطن المدمى بنصالِ حربٍ لم تهدأ بعد. إحداها حمل عام 2013 اسم «خيوط الشمس». أراد المشروع تفعيل معادلة الاكتفاء الذاتي للأسر العالقة في ريف دمشق الساخن، أطلقه «تجمّع حرائر داريا» وأشرف عليه من ألفهِ إلى يائهِ، كنموذجٍ من نماذج المشاريع الصغيرة ذاتيّة التمويل، وقليلة الأرباح، لكنها سريعة في دورة رأس مالها. وهذا الشكل يفيد أكثر في ظروف الأزمات والحروب. المشروع جاء بإعالة ذاتيّة للأسر الراغبة بأن تكون جزءًا منه، وهذا شَمَلَ أعمالاً يدويّة نسائيّة مثل الحياكة والتطريز، وأعمالاً أخرى تتطلب اللجوء إلى نصف تصنيع، مثل إعادة التعليب المنزلي لبعض المنتجات الزراعيّة.
وفي السويداء جنوب سوريا حيث لم تقضم آلة الحرب شيئاً من النسيج العمراني والسكاني للمكان، ازدهرت منذ سنوات مشاريع منزلية لتربية طائر الراماج من فصيلتي «الرونكوليس» و «الفيشر» (وهو طائر استرالي المنشأ يشبه في شكله وألوانه الببغاء)، حيث يعاد بيعه إلى تجار معروفين لهم صلاتهم مع الأسواق الخارجية، ليقوموا بتصديره لاحقاً. مثل هذا المشروع لا يبدو مكلفاً إن قُورن بأرباحه المضمونة بعد أعوام إذ يكفي اقتناء عدد قليل من تلك الأزواج في البداية وانتظار تكاثرها.
.. إلا أنه لم يعد بالإمكان الوثوق بوصفاتٍ جاهزة تستلهم حلول الاكتفاء الذاتي كـ «تِكنيك» نظريّ وعمليّ لمباراة الحياة في جولات نزالها اليوميّ الدامي، وفي ظل تنامي انحسار دور الدولة وخدماتها داخل مناطق نفوذها، وسيطرة قوى إسلاميّة متشددة على مناطقٍ واسعة من سوريا، تديرها اقتصاديّاً واجتماعيّاً في آن.

 

مقالات من سوريا

راس السنة، أصابع ملوثة بالحبر

خلال العام الماضي، ظهر العراق والصومال كوجهتين استمالتا السوريين الراغبين بالسفر، والقادرين عليه. فالراغبون بأعمال هامشية في المطاعم والفنادق استحصلوا على "فيزٍا" إلى أربيل، أما الأطباءُ متوسطو الدخل، والقادرون على...

هل من أحد يريد الحل في سوريا؟

كمال شاهين 2020-12-30

لم يعنِ تطويق العنف (بشكل جزئي)، وعمل اللجنة الدستورية (البطيء للغاية)، أن وضع السوريين ككل قد بات أفضل. بل على العكس، فقد وجد الناس أنفسهم أمام مزيد من اﻷزمات الضاغطة...

للكاتب نفسه

راس السنة، أصابع ملوثة بالحبر

خلال العام الماضي، ظهر العراق والصومال كوجهتين استمالتا السوريين الراغبين بالسفر، والقادرين عليه. فالراغبون بأعمال هامشية في المطاعم والفنادق استحصلوا على "فيزٍا" إلى أربيل، أما الأطباءُ متوسطو الدخل، والقادرون على...