الحرب أنجبت معاً الموت والاحتكار

تنتكس الحياة برمّتها، ولا تنتكس التجارة. يظلُّ السوق وفيّاً لحسبةِ العرض والطلب، ما دام هناك بشرٌ يجوسون فسحةَ العيش كلّ يوم، فلا ينزع السوق عنهُ أطروحة الربح، وإنْ استعرت الحرب غلوّاً، وصارت هي الشأن العام. ساسةُ السوق هم أنفسهم لا يتغيرون، لا في سوريا ولا في غيرها. يبقون يطاردون العملة، يجرّونها من جيوب الناس إلى جيوبهم، ويتقاسمون بينهم رزق الحرب، وإن كان قوتَ الناسِ نفسه.. ليكون 21 تاجراً
2016-03-31

أيمن الشوفي

صحافي من سوريا


شارك
سمعان خوام - سوريا

تنتكس الحياة برمّتها، ولا تنتكس التجارة. يظلُّ السوق وفيّاً لحسبةِ العرض والطلب، ما دام هناك بشرٌ يجوسون فسحةَ العيش كلّ يوم، فلا ينزع السوق عنهُ أطروحة الربح، وإنْ استعرت الحرب غلوّاً، وصارت هي الشأن العام. ساسةُ السوق هم أنفسهم لا يتغيرون، لا في سوريا ولا في غيرها. يبقون يطاردون العملة، يجرّونها من جيوب الناس إلى جيوبهم، ويتقاسمون بينهم رزق الحرب، وإن كان قوتَ الناسِ نفسه.. ليكون 21 تاجراً على قائمة أثرى مئة شخص في سوريا. تجارتهم هي صنوف عدّة من السيارات والمواد الغذائية والنسيج والحديد والخشب والورق والإلكترونيات. يعيبون على الحرب ظلّها الثقيل، ويتناسون أنهم عمّدوا بقوته أرباحهم، فتعاظمت. بعضهم أكل الكتف من حيث تُؤكل، فسخّر لنفسه منافع الدروب الضيقة لتمويل المستوردات بتعرّجاتها المعلومة، وراح يغتبط في كلّ مرّة يرتفع فيها سعر الصرف، وتنخفض قيمة عملة البلاد. الحرب أنجبت الاحتكار مثلما أنجبت الموت، أنجبتهما معاً.

السلطة تعترف باحتكار القلّة؟

لم يخبرنا رئيس الحكومة السورية بأسمائهم، أطلعنا على عددهم وحسب. 25 تاجراً فقط هم الذين يستوردون لكلّ سوريا. السلطة بهذا تجاهر بوجود احتكارٍ فاقع لقلّةٍ من التجار، وتنسحب هي من المشهد المتعِب لأعصاب البلاد، وكأنها ليست المسؤولة بوزارة تجارتها عن منح إجازات الاستيراد وعقوده، وكأنها لا تموّل بمصرفها المركزي أغلب مستوردات البلاد. تريد أن تبرّئ نفسها من تبعات سياستها النقدية، وقبلاً من تبعات سياستها المالية، وهما اللتان سوّغتا نمو الاحتكارات والنهب والربح الطفيلي.
غامت الأسعار الحقيقية للسلع في السوق بعدما جرى على نحوٍ حثيث ربطها بسعر صرف الدولار داخل السوق السوداء. وهذا وصل مؤخراً إلى 420 ليرة. وبمقدور القائمين على السياسة المالية مدّ رقابهم بخفّة، والتصريح بأن هذا السعر وهمي. كيف هذا وقد لحقت به أسعار كل السلع. المستودعات فُتحت على مصاريعها، وتدفقت منها صنوف البضائع إلى السوق منتعشةً بالسعر الجديد وكأن أصحابها استوردوها بالأمس، ويريدون بيعها اليوم، ربحٌ طفيليّ مؤكد، وقلّةٌ تحتكر الاستيراد في سوريا أشارَ إليها رئيس الحكومة ومضى. حتى أننا لم نعرف بعد ما إن كانت وزارة المالية تلاحقهم على أرباحهم فتقتطع منها مثلا الضرائب المستحقة الدفع، أم لا؟

الدور المتراجع للدولة

لعل الوفرة النقديّة التي رافقت رموز المال السياسي بعد العام 2000 وكانت تبحث عن مطارح توظيفٍ جديدة، بدت حاجتها ملحّة إلى حرثِ واقعٍ جديد لا مكان فيه للاقتصاد التأشيري، ولا دور فيه للدولة. هتفَ الجميع حينها لاقتصاد السوق، هتفوا بلا وعي، وهم يعلمون أن الاقتصاد القائم لم يطوّر بعد الأدوات والبنية الموائمة لمثل ذاك الانتقال. كان انتقالاً تجميلياً اكتفى بتحسين صورة الوجه، ودفعت كلفته الباهظة الطبقات الفقيرة والمتوسطة. الدولة اكتفت بتغيير أسماء بعض الوزارات، وتشريع بعض القوانين، فظهرت "هيئة المنافسة ومنع الاحتكار"، وشرّعت السلطة العام 2008 قانوناً لحماية المستهلك. الآن لا فائدة مأمولة من تلك التشريعات ولا من تلك الجهات. الاحتكار قائم باعتراف الحكومة، حتى أن وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك تلك التي اشّتقتها السلطة من وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية، لتساير بها الآثار المربكة لاقتصاد السوق على الطبقات ذات الدخول التي قوّضها الانتقال الاقتصادي الارتجالي، تبدو الآن عاجزة عن حماية "مستهلكها"، عجزٌ يتخطّى وجود الاحتكار المعلن. فهو اقتصاد غنائم لفئةٍ أو فئات محددة، وما تجليات الحرب الراهنة سوى تمكين إضافي وفئوي للبعض لمزيدٍ من إثرائهم، وإفقار باقي المجاميع البشرية التكميلية في ذاك الاستطراد القاسي. فلا المؤسسات الاستهلاكية، ولا مؤسسات الخزن والتسويق أبلت بلاءً حسناً خلال السنوات الماضية في تمكين منظومة الدعم الاجتماعي من انتشال الفقراء من حضيض الإفلاس الحقيقي، وتخليصهم من قوى السوق الناشئ من قوانين ذاتيّة تخصّ الاحتكار، والمنفعة الضيقة وحسب. صارت تلك المؤسسات الحكومية تفكر بعقلية التاجر الضيقة، صار لها جيب تريد أن تملأه، متلهّيةً به عن دورها الاجتماعي. بهذا ظلّ حجم العرض من السلع محدوداً، وظلّت الأسعار مرتفعة، الدولة بمؤسسات تدخّلها بقيت متفرّجة إلى درجةٍ لا تطاق، وكان بمقدورها لو تدخلت بزيادة العرض السلعي أن تفرض أسعاراً متوازنة أكثر بكثير من قيمها الآن.

هيئة للمنافسة ومنع الاحتكار

مطلع العام 2012، لم تكن هيئة المنافسة ومنع الاحتكار متيقنةً بعد من وجود حالات للاحتكار داخل السوق السورية، اكتفت بوصف ما كان يحدث وقتذاك بـ "الانكماش الاقتصادي والتضخم". بذلك نفت وجود أحد يقوم باحتكار سلعة أو أكثر، بمعنى أنهُ يحجب تلك السلعة عن السوق، وينتظر زيادة سعرها لأجل إعادة طرحها للبيع.
الهيئة جاءت لتضمن التعددية والمنافسة. قانون إنشائها يرتّب عليها أن تتبع نسبة السيطرة على السوق، فتمنعها من أن تتجاوز نسبة 30 في المئة. قانون حماية المستهلك هو الآخر يمنع وفق مادته رقم 17 حجب أيّ سلعة عن السوق بهدف إعادة عرضها للبيع لاحقاً بأسعارٍ عالية.
لكن ذاك لم يثنِ جمعية حماية المستهلك بدمشق لأن تقر قبل أربع سنوات بوجود احتكارات داخل السوق. تواضعت وقالت حينها إنّ هناك احتكاراً يمارسه بعض التجار، ليس فقط بحجب عرض بعض السلع، وإنما في تحديد سعرها. في سوريا ثمّة 5 تجار فقط يحتكرون استيراد السكر، بينما بالأصل يصل عدد مستوردي هذه السلعة إلى 200 تاجر. من يستورد السكر يعود ويحدد سعره في السوق المحليّة، باقي المستوردين يتفرجون على هذه الحيلة ويتحسّرون. الحرب أيضاً أيقظت مخيلة الاحتكار. ثمة متنفّذ واحد في سوريا فقط يحتكر استيراد المولدات الكهربائية الصينيّة، ويعود ويسعّرها بجلافة، مراكماً أرباحاً لم تكن لتخطر على باله. انقطاع التيار الكهربائي أنعش هذا السوق منذ أربع سنوات. فالاحتكار بهذا التوصيف لا يهين هيئة المنافسة ومنع الاحتكار وحسب، بل ويختزل دورها، يجعله مساوياً الصفر تقريباً.

هدم الاحتكار يتم من داخله

يدور الاحتكار في سوريا حول قلّةٍ تتقاسم عقود التوريد، كلٌّ في اختصاصه التجاري. والاستيراد يتم وفق سعر الدولار الرسمي (يقلّ 100 ليرة عن سعره في السوق السوداء)، ويأتي البيع وفق سعر صرف الدولار في السوق السوداء. الناس تموت في الحرب، وثروات البعض تنهض على أشلاء البلاد. لا حياء في التجارة، هذا هو قانونها، لتبدو المادة الخامسة من قانون المنافسة ومنع الاحتكار مجرّد طرفة وهي تمنع تقاسم السوق وتقاسم مصادر التوريد على أساس المنطقة الجغرافية أو على أساس كميات البيع والشراء أو حسب عدد العملاء أو على أي أساسٍ آخر من شأنه أن يؤثر سلباً على إمكانيّة المنافسة.
لكن الاحتكار في سوريا لا يتشكل، ولا يكتمل عقده بعيداً عن تواطؤ جهاز الدولة، إذ أن وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية هي من يملك صلاحية منح إجازات الاستيراد، أيّ أنها تختار أسماء المستوردين وكمية مستورداتهم ونوعيتها وفق القيم والبنود الجمركية المعمول بها. فلا يقوم الاحتكار بمفرده إذاً. هدمهُ يتم من داخله، هدمهُ يبدأ من إجازة الاستيراد نفسها التي تمنحها وزارة الاقتصاد، وينتهي بتمويل المستوردات التي يقدّمها مصرف سوريا المركزي، ثم بإتاحة المنافسة، وتعظيم العرض السلعي، وهذا لا يستقيم إلا بدخول الدولة شريكاً جديّاً في معادلة السوق. دون ذلك ستبقى أسعار السلع والخدمات في ارتفاعٍ مضطرد، لن يشبع أبداً، حتى ولو شبعت آلة الحرب من نهب أروحنا جميعاً.

للكاتب نفسه

رمضانٌ جديد، وصيام السوريين طويل

يفطر الدمشقيون من أبناء احياء القيمرية والعمارة والحميدية على الأصوات الجماعية العذبة لـ"رابطة المنشدين" في الجامع الأموي وهم يرفعون آذان المغرب. لكن ذلك ليس حال جميع السوريين في شتاتهم، كما...