سوريا "نوستالجيا" لعناوين في ذاكرتنا فقط

تحثُّ شركات التأمين الخاصة خطواتها نحونا. لا تزال تبحث عن لقمتها داخل أمعاء الحرب. تقصد هذه المرّة جيوب الخائفين، تدعوهم في رسائل مقتضبة تصل هواتفهم المحمولة إلى التأمين ضد قذائف الهاون الطائشة و "الإرهاب"، تدمغ نهاية رسائلها بعبارة "بكرا أحلى"، وهم لا يصدّقونها، يعرفون بأنها تشتري خوفهم وحسب. مثل هذه الرسائل لا تصل إلى السوريين خارج مناطق سيطرة النظام. فمن يؤمن عليهم هناك
2016-02-25

أيمن الشوفي

صحافي من سوريا


شارك
تمام عزّام - سوريا

تحثُّ شركات التأمين الخاصة خطواتها نحونا. لا تزال تبحث عن لقمتها داخل أمعاء الحرب. تقصد هذه المرّة جيوب الخائفين، تدعوهم في رسائل مقتضبة تصل هواتفهم المحمولة إلى التأمين ضد قذائف الهاون الطائشة و "الإرهاب"، تدمغ نهاية رسائلها بعبارة "بكرا أحلى"، وهم لا يصدّقونها، يعرفون بأنها تشتري خوفهم وحسب. مثل هذه الرسائل لا تصل إلى السوريين خارج مناطق سيطرة النظام. فمن يؤمن عليهم هناك من غارةٍ جوية أو من رشقاتِ مدفعية؟.. لا أحد. الباقون منهم لا يصدّقون عبارة "بكرا أحلى"، ولا أحد يدسّها لهم في يومياتهم. بيننا وبينهم إذاً تقف حدودٌ فاصلة، خطوطٌ زَلِقَة كرغوة صابون، تطلّ علينا كأنها جغرافيا زائفة، متعجرفة وبعيدة في آن، لا نعبر إليها إلا من دروب الذاكرة فقط، مرتدين أعذاراً لائقة من الحنين. نتمرّن على بقاء سوريا حيّة في عقولنا على الأقل، حمولة كاملة من العاطفة نبسطها أمامنا كل يوم تقريباً، نستردّ خطانا من دروبٍ حفظناها، نتفقد رائحتها ثم نعيدها إلى أماكنها، وربما لا نقوى إلا على فعل ذلك فقط.

"تدمر" خلطة من اتجاهٍ واحد

كنّا نقصد تدمر من طريقها الوحيد الذي يصلها بدمشق، طريقٌ مضجرٌ باتجاهين متصلين، تظلّ عيوننا ناعسة، تتعثر بسلسلة جبال القلمون الجرداء حتى نصل إلى المدينة الساحرة، تلتقطها حواسنا فجأة خضراء وسطَ شحوبٍ يحيطها من كلّ الجهات. الطريق منها إلى حلب أسهل، يقولون لنا أوتوسترادٌ مريح باتجاهين، فنتحسّر على طريق دمشق ـ تدمر الضيّق بما يحمله من شبهات موتٍ لا تنقطع. يزول عرق تعبنا بمجرّد رؤية الآثار المغروسة إلى جوار أشجار النخيل، قبل أن تجمعنا يد الدليل السياحي في بهو الفندق، فنلحق به إلى تحت قوس النصر، ثم إلى معبد بعل، بعضنا يركب الجمال ويتصور فوقها قرب المسرح، ثم يأخذوننا إلى المدافن التدمرية. وفي المساء نصعد بالحافلة إلى قلعة فخر الدين المعني، نطلُّ على المدينة من فوق. وفي الليل نسهر داخل مطعم يتكئ بتفاصيله على صنوف "أنتيكا" مجمّعة من كل الجهات، نشرب العرَق، ونسمع غناءً عذباً من فرقة تدمرية، نراقب النيازك وهي تحكُّ بشرة الليل ونحن عائدون إلى الفندق. نتذكر الآن تدمر، ننبش صورها الفوتوغرافيّة من جيوب خزائن ملابسنا، غير مصدقين زوال قوس النصر ومعبدي بعل وبعلشمين من أماكنهم، بعدما محاها تنظيم "داعش" في شهر تشرين الأول / أكتوبر من العام الماضي بأصابعٍ من الديناميت. دخَل المدينة واحتلّها، ثم قضمَ تاريخاً عمره ألفا سنة.

انزلاق حلب عن قلعتها

تدير ظهرك إلى المدينة القديمة. أمامك تنبتُ قلعة حلب، تختار طاولة وتجلس في مقهى رصيف، تختار القهوة، ويصلكَ مذاق حجارة القلعة وهي تستطيل فوق تلةٍ ترابيّة تزنّرها. لا تحفظ ذاكرتك أسماء الشوارع. ربما جئت من ساحة سعد الله الجابري بسيارة أجرة، وستعود بسيّارة أجرة إلى الفندق الذي تنزل فيه، وبالكاد تحفظ اسمه. تذكّرك حلب القديمة بدمشق القديمة، لكنكَ ستحبّ حلب أكثر، تتجوّل في أسواقها القديمة، تصل حيّ الجلوم، يصير الجامع الأموي في حلب أمام عينيك، يقولون لك إنّ رفات النبي زكريا داخل الجامع، تقول في نفسك: وفي الجامع الأموي بدمشق مقام ليوحنا المعمدان وهو ابن زكريا. تُلقي المصادفة حملها عليك، تتفرّس الدهشة بوجهك وأنتَ في طريقك إلى حقيبتك تهمُّ بالمغادرة. قد تتأبط حواساً إضافية من حلب، تعيدها معك إلى بيتك، فأنتَ شقيقُ هذا التاريخ.
لكن حلب ستعود تطلّ عليك في السنوات الأخيرة بغيرِ صورتها في ذاكرتك. تراها منهكة على شاشات التلفاز، ينقبض قلبك في شهر نيسان / أبريل من العام 2013 حين أسقطت آلة الحرب مئذنة الجامع الأموي بحلب، وتراشَقَ الجميع التهم حينها. لاحقاً تهاوى جزء من سور القلعة، قالوا إن مقاتلي "الجبهة الإسلامية" فجرّوا الأنفاق التي حفروها تحت الأرض واختفوا. تتحايل على نفسك، تقول لها بأن ذاكرتك محصّنة ضد التفجير. لكنها تصاب بالشظايا على الأقل، تعلم ذلك، وتستطيع تحسّس مكانها بأصابعك لو شئت.

صيدنايا ومعلولا وجهان على حجر

الذاهبون إلى معلولا في 14 أيلول / سبتمبر من كل عام للمشاركة في احتفالات عيد الصليب، يعبرون دائماً الفجّ الصخري الشهير. تتمرّغ عيونهم في رطوبة البيوت المثبّتة قوائمها إلى الصخور، وهم يصعدون إلى دير القديّسة مار تقلا، أو وهم يقصدون دير القديسين سركيس وباخوس. ينتظرون حلول الليل ليذوبوا في غناءٍ خفيف تصاحبه ظلالُ الترانيم الدينية. تبتهج قلوبهم أولاً، ثم يحرقون الإطارات المطاطيّة. يلقون بها من قمم الصخور ويتركونها تتدرج إلى أسفل، ثم يعودون إلى الغناء. قد يعرّجون على صيدنايا أثناء عودتهم إلى دمشق، أو يكونون قد مرّوا بصيدنايا قبل حضورهم عيد الصليب. المدينتان لهما نسبٌ متشابه، بالكاد يتذّكرون إحداها ولا يتذكرون الأخرى. مدينتان تسكنان جبالاً صخريّة، الذاهبون إلى صيدنايا يقصدون على وجه الخصوص دير السيدة العذراء، يقولون لهم إنهُ ثاني أقدس الأماكن الدينية عند مسيحيّ الشرق بعد كنيسة القيامة في القدس.
يستنطقون ذاكرتهم لاحقاً، يتفقدونها بعد شهر كانون الأول / ديسمبر من العام 2013، حين دخلت "جبهة النصرة" مدينة معلولا، وقد أمّمت حسّياً "المختلف" الديني عنها. خرّبت دير مار تقلا وخرّبت غيره. لا يعنيها عمر المدينة المقدّر بنحو 15 ألف عام، فهي كما "داعش" تستقوي بمسلّمات إلغائية، تخاصم فيها الآخر "المختلف" عنها دينيّاً وتستخفُّ به.

الانغماس في الذاكرة

لم تجازف "جانيل ل. ويلسون" كثيراً (في كتابها "Nostalgia: sanctuary of meaning" الصادر عام 2005) حين اعتبرت أنّ الحنين إلى الماضي يساعد على استمرارية الهوية. تحدثت عن "نوستالجيا" رومانسية تتجاوز المعنى الظرفيّ للمكان، ولا تشوبها أيّ شبهات مرَضية تخصّ فرط التعلق العاطفي بالماضي. بذلك تكون قد وضعت معيار الحنين ضمن تناسبٍ طردي يزيد بازدياد التهديدات أو العقبات التي تنغّص وجدان الإنسان وعاطفته.
في سوريا اختبرنا هذا المعيار واقعياً. صارت الأماكن التي نعرفها والتي حذفها الدمار أو حذف بعضها، تحثُّ حنيننا صوبها، نشعر بأنها تخصّنا حسيّاً أكثر من سواها. نتشارك الحنين إليها مع من يعرفها. بهذا ربما نتحاصص ذاكرة جماعيّة من دون أن نعي. نعلم يقيناً أن التطاول على المكان، بصرف النظر عن هويّة المعتدي عليه، يعني بالضرورة التطاول على ذاكرتنا الفرديّة والجمعيّة في آن، يعني أيضاً احتلال بعضها، وإيذاء مكنونِنا العاطفي تجاهها، وقد اعتبر عالم الاجتماع الفرنسي Mauric Halbwachs أنّ عملية التذكر الفردية لا تنشأ ولا تتم إلا في إطار اجتماعي. هذا شرطها. وهذا قاده للربط بين الذكريات الشخصية للفرد وبين مجتمعه.. نخشى من أنّ يتقوّض المكان كليّاً، فيصير عناوين في ذاكرتنا، أو عناوين لذاكرتنا فقط، ويصير الحنين إلى مكوّناته هو ملاذنا الوجودي. الملاذ الوحيد.. المتاح.

مقالات من سوريا

للكاتب نفسه