خصخصة كهرباء سوريا، هل هي ممكنة؟

تتحاشى السلطة في سوريا النظر إلى الكهرباء بعينٍ جادة. تَراها ترفاً وهي تحبسها لثماني عشرة ساعة في اليوم. تتدبّر في كلّ مرّة ذرائع لاستفحال انقطاع التيّار. رمت منذُ سنوات بدائل هزيلة لسدّ حاجات الاستهلاك المنزلي، فخلقت طبقةً جديدة من التجار تخصّصوا بتسويق البطاريات الصغيرة والكبيرة، والمولدات الصينيّة وملحقاتها، على طولِ البلاد وعرضها، ثم تريّثت بالمجاهرة بنيّتها تخصيص قطاع الطاقة الكهربائية.
2015-08-06

أيمن الشوفي

صحافي من سوريا


شارك

تتحاشى السلطة في سوريا النظر إلى الكهرباء بعينٍ جادة. تَراها ترفاً وهي تحبسها لثماني عشرة ساعة في اليوم. تتدبّر في كلّ مرّة ذرائع لاستفحال انقطاع التيّار. رمت منذُ سنوات بدائل هزيلة لسدّ حاجات الاستهلاك المنزلي، فخلقت طبقةً جديدة من التجار تخصّصوا بتسويق البطاريات الصغيرة والكبيرة، والمولدات الصينيّة وملحقاتها، على طولِ البلاد وعرضها، ثم تريّثت بالمجاهرة بنيّتها تخصيص قطاع الطاقة الكهربائية. لم يستسغ وزير الكهرباء السوري مصطلح "الخصخصة"، فرماهُ من قاموسه اللغوي مرتين على الأقل. سمعناهُ يتبرّأ في أكثر من مناسبة من رغبة السلطة في ذلك، ولكننا سمعناه يغازل في أكثر من مناسبة العنايةَ الإيرانية والصينية، فيدعوهما إلى الاستثمار بهذا القطاع الواعد. تناقضٌ يمكن بحث حوامله الملتبسة.

علامات على خارطة التقنين

لا تستطيع وزارة الكهرباء السورية استيراد الغاز أو الفيول مباشرة. تستجرّهما حصراً من وزارة النفط السورية. بيروقراطية هَرِمَة، أنهكت مؤسسات الدولة والقطاع العام، وأوقعتهما في خسائر دائمة.
في شهر أيلول/ سبتمبر من العام الماضي، خفّضت وزارة النفط حصّة وزارة الكهرباء من الغاز والفيول لتصل إلى أدنى مستوياتها. كان ذلك على خلفية الاعتداء على "حقل الشاعر" للغاز. انخفض نصيب وزارة الكهرباء من الفيول، وصارت تحصل يومياً على نحو ألفي طن منه أو أقل، وانخفضت حصّتها من الغاز إلى خمسة ملايين متر مكعب يوميّاً. عاشت البلاد وقتذاك أحلكَ تقنينٍ للكهرباء على الإطلاق، استمر لثلاثة أسابيع.
الأرقام الرسميّة تقول بأن انتهاء تقنين الكهرباء في سوريا يتطلب توفير 20 مليون متر مكعب من الغاز، و15 ألف طن من الفيول يوميّاً. لكن، وخلال سنوات الحرب الدائرة في البلاد لم تزد المخصصات التي تمنحها وزارة النفط السورية لمحطات توليد الكهرباء عن 8 مليون متر مكعب من الغاز، وعن ألفي طن من الفيول في اليوم الواحد، ما يعني أن كميّة الوقود التي تحصل عليها تلك المحطات لا تستطيع سوى تأمين 28,5 في المئة من الاحتياج الفعلي للطاقة الكهربائية. تبدو الصورة هنا مربكة للغاية، إذ هناك ارتباطٌ اعتباطي لمصائر الوزارات السورية بعضها ببعض، فلا وزارة النفط قادرة على تأمين الاحتياج الفعلي من الوقود اللازم لعمل محطات التوليد، ولا وزارة الكهرباء قادرة على استيراد ذاك الوقود من الخارج بمفردها.
لكن الوزارة لا تُلحق هنا أسباب التقنين بنُدرة وقود محطات التوليد وحسب، بل وتسوقُ وابلاً من فجائع أخرى تخصُّ كامل حلقات توليد الكهرباء وتوزيعها داخل البلاد. تُعلن أن نصف خطوط التوتر العالي صارت خارج الخدمة، وأن قرابة 184 محطة تحويل تم تخريبها، هذا عدا عن تأثير الاعتداءات المستمرّة على خطوط الغاز والنفط والسكك الحديدية. ووفقَ تقديراتها، فإن قيمة الأضرار المباشرة التي لحقت بقطاع الكهرباء منذ أربع سنوات بلغت قيمتها نحو 400 مليار ليرة، وقيمة الأضرار غير المباشرة لامست حدود 320 مليار ليرة.

المدخل إلى خصخصة الكهرباء

مرتان أنكر فيهما وزير الكهرباء السوري نيّة حكومة بلاده القيام بأي إجراءات تطال خصخصة قطاع الكهرباء لا من قريب ولا من بعيد، لا من خلال بيع الأصول، ولا من خلال إشراك القطاع الخاص في الإدارة. الأولى مطلع شهر تموز/ يوليو من العام الماضي أمام مجلس الشعب السوري، والثانية في شهر آذار/ مارس من هذا العام خلال أعمال مؤتمر نقابة عمال الكهرباء بدمشق. لكنه بحثَ بلا مشقة خلال شهر تموز/ يوليو ذاك من العام 2014 مع السفير الصيني بدمشق رغبة السلطات السورية تدبيجَ صيغٍ أمتن من التعاون الثنائي، وبالأخص في قطاع الكهرباء. الشركات الصينية تلقت دعوةً مفتوحة إثر هذا الاجتماع، تحثّها على المشاركة في إعادة اعمار قطاع الكهرباء المنكوب في سوريا، والمساهمة في تنفيذ المشاريع الكهربائية المتفق عليها. لكن هل يمكن اعتبار مثل هذه الدعوة شكلانيّة محضة؟ وهل تقبل الشركات الصينية أن تعمل وفق منطق الجمعيات الخيرية؟ أم أنَّ هذه دعوة لخصخصة مقنّعة؟ فما الخصخصة إلا الترجمة العربية للمصطلح الإنكليزي privatization. ظهرت أول مرة في القاموس عام 1983 على أنّها "سياسة نقل ملكية المنشآت العامة أو إدارتها من القطاع العام إلى القطاع الخاص".
ثمَّ وخلال شهر حزيران/يونيو من هذا العام الجاري، كرّس وزير الكهرباء السوري لقاء كاملاً مع وزير الطاقة الإيراني في طهران للحديث عن التعاون الحثيث بين البلدين في قطاع الكهرباء. لكن هل تباحث الرجلان لساعات في المضي فقط بتوريد قطع التبديل والصيانة وتجهيزات شبكات نقل الكهرباء ومستلزمات محطات التوليد والعقود المنفذة، والموقّعة، وقيد التوقيع مع الشركات الإيرانية، أم تباحثا بما هو أعمق من ذلك؟
الجواب يجيء بعد مرور عشرة أيام على ذلك الاجتماع، حين صرّح مساعد وزير الطاقة الإيراني بأن الشركات الإيرانية مستعدّة لإعادة إعمار وتحديث وتنمية قطاع الكهرباء في سوريا، كونها تمتلك الإمكانيات الفنية والهندسية لتحديث محطات الكهرباء وشبكة نقلها وتوزيعها.

ماذا لو لم تأتِ الحرب؟

أوائل شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2009، فاحت نوايا السلطة السورية في التحضير لخصخصة قطاع الكهرباء من تصريح للرئيس التنفيذي لشركة "مرافق"، وهي مشروع مشترك بين شركة "شام" القابضة السورية، و "مجموعة الخرافي" الكويتية. وقتذاك، قالَ متودداً بأن سوريا تتحول بدافع الضرورة لا بدافع الرفاهية إلى نظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص. ثم ساقَ تبريراتٍ إضافية تمحّورَ جلّها حول أن السلطة في سوريا لا تملك رأس المال الكافي اللازم لتمويل كامل البنى التحتيّة الأساسية. وأضاف بأن شركة "مرافق" ستكون عندَ ثقة المستهلكين السوريين للكهرباء، بحيثُ إن احتاجوا التيار الكهربائي يجدونهُ متى يشاؤون. حينها كانوا يحتفلون ببدئهم تنفيذ مشروع جديد في منطقة الناصرية الواقعة شمال شرق العاصمة دمشق، وهو عبارة عن محطة لتوليد الكهرباء بطاقة إنتاجية تصل إلى 240 ميغاواط /ساعة، بالتعاون مع شركة "وارتسيلا" الفنلندية بنظام "تسليم المفتاح" لأعمال التصميم والإنشاء والتشغيل، بكلفة 200 مليون يورو. بالمقابل تعهّدت السلطات السورية توفير وقود تشغيل المحطّة بالمجان، وبأنها ستشتري وتوزع الكهرباء التي تنتجها تلك المحطة.
في ذاك العام، تجذّرت على نحوٍ ملموس رغبة النظام في سوريا بتوسيع مظلّة مشاركة القطاع الخاص في العملية الاقتصادية، ليس فقط في الاستثمار بقطاع الطاقة، وإنما في قطاعات اقتصادية عديدة أنهكتها بيروقراطية الاقتصاد الموجّه، شملت أيضاً العديد من مؤسسات القطاع العام الصناعي. وصفاتٌ عديدة من الخصخصة، لا وصفةٌ واحدة، تمّ اختبارها، تجريبٌ واسع رعاه انخفاض النمو في مذهب الاقتصاد التأشيري Indicative Planning (حيث دور الدولة توجيهي)، وبرر نظريّاً الجنوح صوب الخصخصة. وتتحين الحكومة السوريّة كل المناسبات تقريباً لتذكّر بأنها تدعم شرائح الاستهلاك المنزلي للكهرباء بنسبة تصل إلى 3000 في المئة من تكلفة الكيلوواط /الساعة، وبنسبة تبلغ نحو 10 في المئة لشرائح الاستهلاك غير المنزلي، ذاك الذي يخصّ الصناعيين والتجار والحرفيين وسواهم من قطاعات إنتاجية أو ربحيّة. تفعل ذلك وكأنها تبرر أيَّ رفعٍ مستقبلي يطال أسعار الطاقة في البلاد.
تعتقد وزارة الكهرباء السورية أيضاً بأن القانون رقم 32 يستبطنُ تشريعات تُغري الاستثمار الخاص، فنراها تحثُّ خطوات المستثمرين العرب والأجانب نحو توظيف رؤوس أموالهم في مشاريع إنتاج الطاقة الكهربائية داخل سوريا. تتباهى الوزارة بعنفتين ريحيّتين (توربينات هوائية) لتوليد الكهرباء تمّ تجميعهما في المدينة الصناعية بحسياء في حمص، وستشتري وزارة الكهرباء إنتاجهما من الطاقة بالكامل. الوزارة تبدو هنا أكثر وضوحاً في اللحاق برأس المال الخاص ودعوته للاستثمار بتوليد الكهرباء باستخدام مصادر الطاقة المتجددة. وإن سارت ريح الإنتاج الكهربائي كما تشتهي الوزارة، فإنها تنتظر أن تنتج بحلول العام 2020 قرابة 500 ميغاواط /ساعة من العنفات الريحيّة لوحدها. هذه التجربة بدأت متأخرة، وأول العنفات الريحيّة دخلت طور الإنتاج في العام 2010، لكن حراك عام 2011 في سوريا، وسنوات الحرب التي لحقت به، ضيّقت على الشهيّة الاستثمارية للشركات العالمية المتخصصة بهذا النوع من استثمارات الطاقة وجعلتها تتفادى المضيَّ بها.
ولكن، وعلى أية حال، وفي ظروفٍ ملتبسة كالتي يعيشها السوريون منذ سنوات، يصيرُ تقنينُ الكهرباء حالةً دائمة تستبيح حياتهم المقنّنة من أصلها. لم يعد الإجراء وقتياً، يستقيمُ بعد حين. صار حدثاً يومياً يستحضر عجز السلطة في تلافيه، ويمهد لسواه

للكاتب نفسه

رمضانٌ جديد، وصيام السوريين طويل

يفطر الدمشقيون من أبناء احياء القيمرية والعمارة والحميدية على الأصوات الجماعية العذبة لـ"رابطة المنشدين" في الجامع الأموي وهم يرفعون آذان المغرب. لكن ذلك ليس حال جميع السوريين في شتاتهم، كما...