رمضان سوريا: إفطارٌ على أكثر من مدفع!

ينكسر يوم صيام طويل بين طلقتين، من جبهتين مختلفتين، من ضدّين لا يتفقان. تجيء ساعة الإفطار حذرة، متخفّيةً بين أكثر من مدفع، يجتمع المقاتلون من هنا أو من هناك حول مآدب رمضان، كلٌّ في مكانه، فتستحي الأسلحة من اقتناص حياة عابرة من أمامها، يتعلّق برميلٌ متفجر في سقف طائرة فلا يسقط فوق ريف حلب الشمالي أو فوق ريف أدلب، يسكتُ البارود. رمضان هذا العام ليس كَمِثل سابقيه، نراقبه في هلاله المتحوّل
2015-07-16

أيمن الشوفي

صحافي من سوريا


شارك

ينكسر يوم صيام طويل بين طلقتين، من جبهتين مختلفتين، من ضدّين لا يتفقان. تجيء ساعة الإفطار حذرة، متخفّيةً بين أكثر من مدفع، يجتمع المقاتلون من هنا أو من هناك حول مآدب رمضان، كلٌّ في مكانه، فتستحي الأسلحة من اقتناص حياة عابرة من أمامها، يتعلّق برميلٌ متفجر في سقف طائرة فلا يسقط فوق ريف حلب الشمالي أو فوق ريف أدلب، يسكتُ البارود.
رمضان هذا العام ليس كَمِثل سابقيه، نراقبه في هلاله المتحوّل من أوّله إلى آخره، وهو يسوق أمامه رقماً إضافياً في تغذية مدوّنات الموت والنزوح، فيما تستمر منتجعات يعفور متبرّجة تستقبل الصائمين على موائد إفطارها وسحورها، ويستمر مخيم اليرموك شاحباً، صائماً في حصاره وفي عزلته، ويستمر "داعش" يتمدّد، تصل يده إلى الحسكة، فيفطر التنظيم على مذبحة من عشرين شخصاً.
يصوم قرابة ألفي شخص داخل حارات المخيّم المنهكة. آخرون تركوا جسد المخيم المتصدّع قبل رمضان، الى بيت سحم ويلدا وببيلا. لم يبق في المخيم إلا 15 في المئة من إجمالي عدد قاطنيه. كلفة الحياة الرمضانية باهظة، فإن تواجدت السلع الغذائية يصرخ الأحياء من داخل المخيّم بأنها غالية، ويقاومون محنةَ بقائهم بمعلبات تقذفها إلى بطونهم المساعدات الإغاثية، أو بلقمات تسيل إلى أفواههم من داخل عتبات المطابخ الخيرية. وبين إفطارٍ يُشبه في شُحّه غذاءهم منذ سنوات، وبين سحورٍ يرونه ترفاً، يتوسّدون تعبهم من غياب من يحبون، يحصون أسماء الباقين وأسماء الذاهبين، وهم الذين اختبروا فضائل صيام طويل لم ينقطع منذ سنوات، ولم ينته بعد. فحتى بعدَ التثبّت من زوال هلال رمضان الحالي، قد يستمرّ صيامهم إلى حين.. إلى زوال هلال الحرب.
قبل الإفطار بساعات تنفطر الأجساد إلى محاور، يلاحق أحدها هاجس التسوّق من سوق الهال في الزبلطاني أو من أحد فروع مؤسسة الخزن والتسويق، أو من سوق التنابل في الشعلان، ويلاحق آخر حافلةَ النقل العام داساً بنفسه بين العروق المتصلبة بفعل الحرّ لأجساد غيره، ومحورٌ ثالث يحافظ على مظهر الصائمين في عاصمة الهاون والريف الثائر. تتكدّر الوجوه من أوّل النهار إلى آخره، تنتظر صلاة التراويح لتتظاهر بالخفّة، يصلها أذان المساجد مضبوطاً على إيقاع صوت السلاح الخفيف، ونبضات من رشقات المدفعية، تنسدل كستائر تحجب الهواء، فتتدارى الوجوه الصائمة حيثما هي بمسحات زائدة من الإيمان تبثّها صلاة الجماعة عبر مكبرات الصوت، علّها بذلك تتقي المصائر الملتبسة لصوم النهار التالي، والذي يليه.
ويحدث ألا تكفَّ دوما عن إتقان مهنة الجوع في رمضان أو في سواه، بل وترضعه كما لو أنّه حليبها اليوميّ، والناشطون هناك لا ينكرون تواجد الهيئات الإغاثية، لكنهم ينعون علناً عجزها عن الإيفاء باحتياجات الناس كافة، وينعون معها غلاء أسعار المواد الغذائية. بالمقابل يحدُث أن يتباهى شارع القصّاع غير البعيد عنها باختراع أكبر سندويشة فلافل في سوريا، بلاد الجوع، بطول مئة متر. وبذلك ينقسم رمضان بنسخته السوريّة إلى مشهدين بصريين، بهلالين سياسيين، أحدهما معارض والآخر موالي، يفصلهما خطُّ اشتباك، وخططٌ كثيرة للموت المتقن. يحدث أيضاً أن يحدد هواء المنطقة وميولها درجة الجوع والشبع على مقياس الشهر الفضيل.
يقصد أغاوات الشام وأثرياؤها الجدد موائد يعفور، يلتحقون بطاولات الإفطار والسحور، ملبّين دعواتٍ شخصية، أو متأثرين بالإعلانات التلفزيونيّة التي تروّج لرمضانٍ سعيدٍ هناك. يجرّبون "النراجيل" بنكهاتٍ جديدة، داخل المنطقة المحميّة بقوة المال السياسي، حيث لم تُصب أيٌّ من استثماراتها الهانئة بطلقةٍ واحدة، ولو طائشة، خلال سنوات الاقتتال الطويلة.
داخل دمشق تستمرّ حملة "عِيشها غير" بمضمونها الزائف، فتدخل البازار الرمضاني من باب التكيّة السليمانيّة. هذه المرّة تتعاون الحملة مع إدارة غرفة تجارة دمشق ووزارة الأوقاف فتقيم مهرجاناً تسمّيه "رمضان والعيد" تعلن فيه عن البيع بأسعارٍ تشجيعية، فلا تبيع عملياً إلا مع هوامش أرباحٍ مفهومة. خلال ساعات النهار تعبر الخطوات مستعجلةً من أمام التكيّة السليمانيّة، تتجاهل الفرجة على ألوان المهرجان أو معاينتها، وبعد الإفطار تجتذب الأضواء الرخوة أعداداً أكبر من الفضوليين لاكتشاف روح المهرجان وأسعاره. ثمّ وعلى مقربة من بشائر الشعار وأسعاره التشجيعيّة، تتوسّد ساروجة الدماء: قذائف وسيارات مفخخة استهدفت واحدة منها جامع بيدر السلطاني في مدينة التلّ بريف دمشق. تَدخَّل الموت في نيات الصائمين، مع أدعيةٍ كثيرة تعقب صلاة الفجر، قبل استقبال يومِ صيامٍ جديد واستفحال حرّه وقلقه، فتتساوى على عتبته احتمالات الحياة والموت معاً.
بدأ رمضان في جنوب سوريا مشوّشاً. في أولّه استيقظت مدينة السويداء ذات الغالبية الدرزية على نزوحٍ كثيف للبدو، وهم أقليّة داخل المحافظة، على خلفية حوادث قتل غامضة طالت ثلاثةً منهم وأشاعت جوّاً من الاحتقان المذهبي. جاء النزوح كمخرج انفعالي لتفادي المضي في فوبيا التوتر، إذ تتنامى ظاهرة التسلّح الذاتي للدروز داخلة في طورٍ هذياني.
في الشمال الشرقي لسوريا، تدحرج هلال رمضان في أوّله على وقع الأناشيد الجهادية لتنظيم الدولة الإسلامية، داعش، وهي تدخل أحياء في مدينة الحسكة، وهي تُعدم بالرصاص عشرين شخصاً في بلدةٍ تقع جنوب عين العرب، كوباني. بحسب المرصد السوري وبحسب أرقام الأمم المتحدة أيضاً، فإن تنظيم "داعش" تسببَ خلال رمضان الحالي بتهجير قرابة 60 ألف سوريّ من الحسكة التي يقارب إجمالي عدد سكانها في المدينة نفسها نحو 300 ألف. أي أن 20 في المئة من سكان الحسكة أضافتهم يد داعش إلى سجل النزوح السوري بأرقامه النامية يوماً بعد يوم.
هذا العام يتخفّف رمضان أكثر من رمزيّته الطقسيّة في أدبيات الصوم. الألفة والحميميّة المعتادة صارتا الآن من المفقودات. جاءت الحرب وفرطت طوقهما في تجريدٍ قاس، مروّجةً في الآن نفسه لقلقٍ وجودي لا حدود لاحتماله أو للاحتماء منه، حتى ولو شفع لذلك صيام الشهر الفضيل.

 

للكاتب نفسه

راس السنة، أصابع ملوثة بالحبر

خلال العام الماضي، ظهر العراق والصومال كوجهتين استمالتا السوريين الراغبين بالسفر، والقادرين عليه. فالراغبون بأعمال هامشية في المطاعم والفنادق استحصلوا على "فيزٍا" إلى أربيل، أما الأطباءُ متوسطو الدخل، والقادرون على...