في سوريا: موازنةُ عام 2015 وهمٌ على ورق

تُجاهر الموازنة العامة للدولة السورية للسنة المالية القادمة 2015 بأرقام متوقعة في احتساب بنود الإنفاق المنتظر، بشقيّه الجاري والاستثماري، بعدما بلغت القيمة المتصوّرة للإنفاق الجاري في مشروع الموازنة الجديدة نحو 1144 مليار ليرة، وهذا يزيد بمقدار 134 مليار ليرة عن رقم الإنفاق الجاري في موازنة العام الحالي، في حين بقيت فيه قيمةُ الإنفاق الاستثماري المقترحة في حدود 410 مليار ليرة، بزيادة متواضعة
2014-12-17

أيمن الشوفي

صحافي من سوريا


شارك
باسم الساير - سوريا

تُجاهر الموازنة العامة للدولة السورية للسنة المالية القادمة 2015 بأرقام متوقعة في احتساب بنود الإنفاق المنتظر، بشقيّه الجاري والاستثماري، بعدما بلغت القيمة المتصوّرة للإنفاق الجاري في مشروع الموازنة الجديدة نحو 1144 مليار ليرة، وهذا يزيد بمقدار 134 مليار ليرة عن رقم الإنفاق الجاري في موازنة العام الحالي، في حين بقيت فيه قيمةُ الإنفاق الاستثماري المقترحة في حدود 410 مليار ليرة، بزيادة متواضعة مقدارها 30 مليار ليرة فقط عن قيمة الإنفاق الاستثماري في موازنة العام الحالي.
لكن هل تكون الصفة الانكماشية في موازنة العام القادم هي ما يجدر بحثه مع مصادرِ تمويل العجز المؤكد في أرقام الموازنة؟ أم يجدرُ أكثرالتقاطُ كلِّ الأسئلة الشاقة التي طاردت حقيقةَ الرقم المرصود للدعم الحكومي دون أن تمسكهُ خلال بيان الحكومة المالي حول مشروعها للموازنة حينما عبرَ آمناً أمام مجلس الشعب في جلسةٍ خصصها لهذا الغرض أواخر شهر تشرين الأول / أكتوبر الماضي.

الدعم الاجتماعي رقمٌ خاوٍ

تُقدِّر موازنة عام 2015 قيمة الدعم الاجتماعي بنحو983.5 مليار ليرة، أي 86 في المئة من قيمة الإنفاق الجاري. اللافت أن يُسجّل هذا الرقم زيادة غيرَ مفهومة في احتسابها عن الرقم الذي مثلّهُ في موازنة العام الحالي، ومقدارها 368.5 مليار ليرة، في وقت تواظب فيه السلطة على تنظيم جولاتها لرفع الدعم عن أسعار المحروقات، وكان آخرها خلال عطلة عيد الأضحى من هذا العام، ما يخفّض عملياً من قيمة فاتورة هذا الجانب في مشروع موازنة العام 2015 لا العكس. بل أنَّ رقم الدعم الاجتماعي الذي خصصته السلطة في موازنة العام الحالي يحتاج إلى مزيد من البحث والتدقيق، إذ لا تزال ساعاتُ تقنين الكهرباء تتراوح ما بين 12 إلى 16 ساعة في مناطق سيطرة السلطة. كما أن أبواب الشتاء التي شرّعها بردٌ باهظ الكلفة بدأ باكراً في سوريا، ولم يحمل السلطة سوى على توزيعِ كميات محدودة من مادة "المازوت"، وصلت نسبتها في العاصمة بحسب تصريحٍ سابق لمدير محروقات دمشق إلى 25 في المئة فقط.
ألم تقترح السلطة على لسانِ حكومتها أن يكون دعمها للكهرباء هو الأعلى قيمةً في بنودِ الإنفاق على جدولِ أعمال الدعم الاجتماعي، وحددتهُ في موازنة العام القادم بنحو 413 مليار ليرة، في حين أنها ستدعم أسعار المشتقات النفطية بنحو 338 مليار ليرة؟ وهذان الرقمان يشّكلان معاً نحو 76.3 في المئة من كامل الدعم الاجتماعي المقترح. على الأرض، تتكبّد دلالاتهما معانٍ غير واقعية تكاد تلتصق بالفصام نظراً لغياب توافرهما، فأيُّ دعمٍ رصدته السلطة لهما في موازنة هذا العام، أو في موازنة العام القادم؟

فلسفة عجز الموازنات

الأرقام الرسمية التي يحتمي بها مصرف سوريا المركزي تشير إلى وفرٍ مالي تحقق بين موازنتي العام 1995 والعام 2002 ويبلغ 330 مليار ليرة. لكن المعادلة انقلبت بعد موازنة العام 2003 ليصل العجز المتراكم في موازنة عام 2011 إلى 547 مليار ليرة، ثم ليصل العجز في موازنة عام 2012 إلى 740 مليار ليرة، تلك التي بلغ فيها الإنفاق الجاري قرابة 951 مليار ليرة. ثم ارتفع في موازنة عام 2013 ليصل إلى 1108 مليار ليرة، توزّعت حينها بين 317 مليار ليرة نفقات للوزارات والإدارات العامة، بما فيها كلفة الأجور والرواتب، واكتفت وقتذاك طلاسمُ الدعم الاجتماعي بنحو 512 مليار ليرة من كتلةِ الإنفاق الجاري. وحينها وثّق الانفاق الاستثماري أوّلَ انخفاضٍ له خلال سنوات النزاع المسلّح الطويلة، فانخفض بمقدار 100 مليار ليرة بين موازنة العام 2011 وموازنة العام 2012.
مواردُ الدولة هي الأخرى رَجَمَهَا النزاع المضني، فانخفضت من 797 مليار ليرة عام 2012 إلى 638 مليار ليرة في موازنة العام 2013. إذ تقلّصت إيرادات الضرائب والرسوم من 278 مليار ليرة عام 2012 إلى 198 مليار ليرة عام 2013.
والآن تتكهّن أكثرُ التحليلات الاقتصادية تفاؤلاً بعجزٍ مقداره الثُلث في موازنة العام 2015، والمعطيات العامة على حالها من التدني المؤكد في إيرادات الدولة الضريبية المحصّلة، ومن عجز قطاع النفط ومعه قطاع السياحة (نتيجة ما أحاقَ بهما من ضرر) عن رفد الخزينة العامة للدولة بإيراداتٍ حقيقية خلال عامٍ واحد، إن افترضنا اهتداءَ الطرفين المتنازعين في سوريا إلى حلٍّ سياسيٍّ خلال العام القادم.
لذا ستكون السلطة في سوريا مضطرةً إما إلى تمويل العجز في موازنتها.. سواء بطباعة نقود بلا قيمة، أي الدخول في شرور تضخّم إضافي، أو "بالتسنيد" الداخلي للدين العام وبيعه للناس على هيئةِ سندات خزينة، ونجاعة هذا التوجّه مرتبطة بأولوياتِ الإنفاق عند عامة السوريين، وهل يجدون لديهم وفراً مالياً يشترون به دينَ الدولة، أو بالاستدانة الخارجية من الدول الحليفة للسلطة في سوريا، وهذا أكثر الحلول حظّاً في التطبيق الواقعي. كل ذلك إن أرادت السلطة في سوريا التعامل جديّاً مع رقم العجز المتوقع، لكنها قد تُبقي أرقامَ الموازنة مجرّدَ أرقامٍ على ورق، فلا تدخل نفقَ العجز من أساسه، بل تبقي حياة السوريين رديئةً خلال العام القادم، مثلما كانت متقنةَ الرداءة خلال الأعوام الماضية لجهةِ شحِّ الحصول على أساسياتِ الحياة من مشتقاتٍ نفطية، ومن كهرباءٍ بلا تقنين، أو قليلته، وسلّةٍ غذائية منطقيّة الكلفة لا تلحقُ بشبحِ سعر صرف الدولار كلّما انقلبَ من حالٍ إلى حال. فيبقى الإنفاق الجاري عملياً ضمن حدوده الدنيا، وتكون أرقامُ الموازنة تالياً مجرّدَ "بروباغاندا" يتلّقفها الإعلام الرسمي، ويسوّقها على أنها حقيقة مضيئة في زمن الحرب الذي ألفته البلاد، ثمَّ تَمُنُّ بها الحكومةُ على الناس بأنها لا تزالُ قادرةً على إصدار موازنات عامة، والبلدُ على ما هو عليه من ظروف حرب ومحن.

****
1144 مليار ليرة هي حجم الإنفاق الجاري المتوقع في موازنة 2015، منها 983.5 مليار ليرة لميزانية الدعم الاجتماعي، أي 86 في المئة من قيمة الإنفاق الجاري. لكن العجز المتراكم في موازنة عام 2011 وصل إلى 547 مليار ليرة، ثم إلى 740 مليار ليرة في موازنة عام 2012، تلك التي بلغ فيها الإنفاق الجاري قرابة 951 مليار ليرة. ثم ارتفع في موازنة عام 2013 ليصل إلى 1108 مليار ليرة.. بينما انخفضت موارد الدولة من 797 مليار ليرة عام 2012 إلى 638 مليار ليرة في موازنة العام 2013.

 

مقالات من سوريا

للكاتب نفسه

رمضانٌ جديد، وصيام السوريين طويل

يفطر الدمشقيون من أبناء احياء القيمرية والعمارة والحميدية على الأصوات الجماعية العذبة لـ"رابطة المنشدين" في الجامع الأموي وهم يرفعون آذان المغرب. لكن ذلك ليس حال جميع السوريين في شتاتهم، كما...