المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل.. كمان وكمان!

في غياب حركة مقاومة مسلحة قد تشغل إسرائيل أو تقارعها، وبينما الدول العربية والإسلامية المجاورة مشتبكة في حروب طائفية وصراعات إقليمية جعلت من "قضيتهم الأولى" أولويتهم الأخيرة، ومع انعدام عملية سياسية قد تختم 25 سنة من التفاوض والإقرار بمحدودية تأثير المقاومة السلمية الشعبية على المحتل، أصبحت حركة "المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات" (BDS) تمثل إحدى أبرز الأدوات المتاحة
2015-08-27

رجا الخالدي

باحث في التنمية الاقتصادية، من فلسطين


شارك
سمير سلامة-فلسطين

في غياب حركة مقاومة مسلحة قد تشغل إسرائيل أو تقارعها، وبينما الدول العربية والإسلامية المجاورة مشتبكة في حروب طائفية وصراعات إقليمية جعلت من "قضيتهم الأولى" أولويتهم الأخيرة، ومع انعدام عملية سياسية قد تختم 25 سنة من التفاوض والإقرار بمحدودية تأثير المقاومة السلمية الشعبية على المحتل، أصبحت حركة "المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات" (BDS) تمثل إحدى أبرز الأدوات المتاحة "للنضال القانوني" والعمل الجماهيري التضامني الدولي المناهض للاحتلال الإسرائيلي. وفي السنوات الأخيرة، تزايدت وتيرة القرارات الصادرة عن الجامعات والشركات والهيئات المالية الدولية بتبني حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات، في إطار حملات عامة، وتحققت بعض النجاحات البارزة مما جعل من الموضوع شأناً لجدل سياسي إسرائيلي داخلي، كما بعثت هذه الاختراقات الأولية الأمل لدى الناشطين بأن تصعيد حركة المقاطعة هي الوسيلة الأساسية لخوض الصراع مع الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في المحافل الدولية، بالإضافة للمطالب المتكررة بتطبيقها على الصعيد الميداني الفلسطيني، كما جرى في الضفة الغربية في 2014 في أعقاب الحرب الإسرائيلية على غزة.
ومع التقدير لما أنجزته حركة المقاطعة العالمية من انتصارات حتى الآن، وما يمكن أن تحققه نظرياً في حال توسيعها لتشمل دولاً أوروبية وعالمية متعاطفة مع القضية الفلسطينية، فإن مسألة تطبيق المقاطعة الاقتصادية محلياً شأن مختلف تماماً وله مغازٍ أخرى، لا بدّ من دراسة تداعياتها بشكل جدّي قبل المطالبة بمثل ذلك التصعيد في المواجهة مع إسرائيل، الذي ينطوي عليه تحدّي الفصل الاقتصادي عن إسرائيل وبناء اقتصاد منتج فلسطيني، وهذا ما عجزت جميع الحملات السابقة عن إحداثه، بغض النظر عن الجهة المبادرة أو القطاعات المستهدفة أو الحقبة السياسية التي تمّت فيها.

من 1936 الى 2015: ماذا تعلّمنا؟

وربما تغفل "الذاكرة الشعبية/ المؤسسية" الفلسطينية أن حملة المقاطعة الحالية ليست التجربة الأولى التي يلوّح فيها الشعب الفلسطيني ومناصروه بسلاح الحرب الاقتصادية لوضع حد للاستعمار الصهيوني، وأن الأسباب التي أدت إلى فشلها وإبطالها في الجولات الماضية ربما لم تتغيّر إلى درجة تجعل من المبادرة للمقاطعة اكثر حظاً اليوم. وقبل الحملات الشعبية في 2014 التي استهدفت البضائع الإسرائيلية المصدرة إلى أسواق الضفة الغربية (بمقدار يفوق 3 مليارات دولار سنوياً) وهي اختفت بعد أشهر قليلة ولم تغير شكل العلاقة التجارية الفلسطينية مع اقتصاد الدولة المحتلة، فإنّ أبرز حملة واسعة النطاق لمقاطعة منتوجات المستوطنات هي تلك التي أطلقتها السلطة الفلسطينية بمبادرة من وزير الاقتصاد الوطني في 2009، من خلال تشريع يحرِّم التعامل مع اقتصاد المستوطنات، مما نجح بالتقليل من توغل بضائعها في الأسواق الفلسطينية. لكن هذه المبادرة عجزت عن تحريم العمال الفلسطينيين من العمل في المستوطنات لأسباب عديدة على رأسها عدم المقدرة على توفير أماكن عمل ووظائف بديلة لما يقارب 30 ألف عامل فلسطيني.
وقبل ذلك، في إطار فعاليات الانتفاضة الأولى، خاضت الفصائل الفلسطينية والفئات الشعبية، اعتباراً من 1988، العديد من حملات مقاطعة البضائع الإسرائيلية والعمل في إسرائيل والامتناع عن تسديد المطالب الضرائبية الإسرائيلية والإضراب التجاري اليومي.. إلى أن استنفدت زخم الانتفاضة وقدرة الاقتصاد والمواطنين على تحمل أعباء المقاطعة وخلق فرص عمل وإنتاج البديل من خلال "الاقتصاد المنزلي" أو "العودة للزراعة"، وخاصة في أعقاب حرب الخليج الأولى والعقوبات المالية العربية التي فرضت على منظمة التحرير الفلسطينية وتهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين من الخليج وانضمامهم إلى أعداد الباحثين عن عمل في السوق الفلسطيني - الإسرائيلي المشترك. ومع أنّ عمر الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة يُحسَب عادة على أساس أنّها ولدت مع انطلاقة الكفاح المسلح العام 1965، فإن التجربة النضالية الوطنية الفلسطينية تمتد إلى أوائل القرن العشرين، وكان السلاح الاقتصادي والإضراب التجاري الشامل من بين الأدوات التي وظفت في ثورة 1936-1939، من دون جدوى، وتجدّدت في 1946 مع دخول جامعة الدول العربية في المعركة الاقتصادية مع قرارها بمقاطعة الاقتصاد اليهودي تجارياً ومالياً. ومع إطلاق المقاطعة من قبل الدول العربية، كان على القيادة الفلسطينية الانضمام إلى ذلك الجهد عشية قرار تقسيم فلسطين ووقوع النكبة العام 1948.

"ومضى عهد المجاملات"

لا يهدف الخوض في هذه المراجعة إلى مزيد من دراسة التاريخ الاقتصادي أو النضالي الفلسطيني، بل لما تتضمّنها من عبر يبدو أن ناشطي المقاطعة وصناع السياسات اليوم لا يُعيرونها ما يجب من اهتمام أو تقدير، على افتراضهم أننا في القرن الـ21 الذي يتطلّب حلولاً وأجوبة لائقة بالعصر، وليس التذكير بنضالات تاريخية مضى عهدها. وعلى الرغم من ذلك، فهناك كتاب هام صدر مؤخراً في ثلاثة مجلدات، بعنوان "ومضى عهد المجاملات: مذكرات الدكتور حسين فخري الخالدي"، الذي كان عضواً في الهيئة العربية العليا منذ قيامها وأول رئيس بلدية منتخَب للقدس إلى أن نُفي إلى جزر السيشل مع زملائه إبّان ثورة 1936.
ومع أنّه تمّ تسجيل هذه المذكرات العام 1949 بعد سقوط البلاد وفي أكثر الحقب التاريخية مأساوية، فإنها لم تنشر سوى بعد 65 سنة من تجميعها، لأسباب سياسية تمّ شرحها في مقدّمة المذكّرات. ومن بين ما يميّز هذه المذكرات أنها بمثابة تأريخ للقضية الفلسطينية بين 1919-1949 كما عاشتها الشخصيات القيادية الفلسطينية التي شاركت بجميع مراحلها، وفي مواقع مختلفة، وبالقرب من القائد الأعلى الحاج أمين الحسيني. وما يدعو للدهشة هو استعراض المؤلف من "دون مجاملة" (لكن أيضاً من دون تجريح أو تشهير أو تخوين) لأوجه القصور في البناء المؤسسي والنظام السياسي الفلسطيني حينذاك، ولأخطاء فادحة في الأداء النضالي والسياسي والديبلوماسي والاقتصادي الفلسطيني، ومن تواطؤ رسمي عربي (وأحياناً فلسطيني) مع المطامع الإمبريالية البريطانية والمصالح الصهيونية. وما هو أكثر جاذبيةً ليس تعامل المؤلف الحذر واللبق مع قضايا في غاية الحساسية السياسية والشخصية فحسب، بل مدى التشابه بين تقييمه الصريح لتلك الحقبة التاريخية وإخفاقاتها من جهة، والوضع الفلسطيني اليوم الذي ربما يعتبر أسوأ بكثير مما كان عليه قبل 65 عاماً، نظراً للدروس التي كان يُفترض استيعابها لكي تُحرز القضية الفلسطينية (والوسائل النضالية المستخدمة) تقدّماً بعد كل هذه النكبات والنكسات والشهداء والتضحيات.

"أن نشنها حرباً اقتصادية اجتماعية لا هوادة فيها"

يروي حسين فخري تفاصيل الجهود التي كلّف بالإشراف عليها من قبل الهيئة العربية العليا في القدس العام 1946، لتنظيم تجارة فلسطينية مساندة للمقاطعة العربية الجديدة، من خلال توفير منتجات وأسواق فلسطينية عربية بديلة عن القنوات التجارية التي كانت قائمة فترة الانتداب البريطاني بين بعض الأسواق في الدول العربية وتلك اليهودية في فلسطين، بالإضافة إلى إطلاق حملة مقاطعة فلسطينية ــ عربية للعلاقات الاقتصادية التي كانت تربط الاقتصادين العربي واليهودي في فلسطين: "وكان قرار الجامعة العربية هذا في صالح القضية الفلسطينية ومن أجلها، فكان لزاماً على الشعب العربي الفلسطيني أن يتحمل أيضاً جميع التضحيات في هذا السبيل مهما كانت جسيمة أو شاقة". ويستعرض المؤلف بشكل مفصل المجريات المؤلمة للصراعات الداخلية الفلسطينية حول المبادرة لتفعيل المقاطعة المحلية في قطاعات حساسة مثل صناعة الحمضيات ومواد البناء و "المنتوجات الموحدة" (النسيج والأدوات المنزلية)، التي تعتبر من أكثر القطاعات التي يسيطر عليها الاقتصاد اليهودي، وهي ذات حيوية خاصة للعديد من الطبقات الفقيرة والتجارية الغنية الفلسطينية على السواء. وبين الأمور التي يذكرها الطعن من قبل أعضاء في القيادة العربية بالترتيبات التي توصل لها مع الغرف التجارية العربية لتوسيع رقعة المقاطعة، ومحاولات كبار تجار الحمضيات للحصول على استثناءات عن المقاطعة بسبب الاعتماد الكبير على شبكات التسويق اليهودية، وشراء "بعض التّجار الجشعين" البضائع اليهودية المحظورة وتسويقها على أساس أنها كانت في مخازنهم قبل إعلان المقاطعة، وبيعها "بأضعاف أضعاف أثمانها عند اليهود"، وكيف "اشتبكت مصالح العرب بمصالح اليهود في جميع نواحي الحياة"، ثم الإدارة غير الدقيقة لنظام شهادات المنشأ للحمضيات العربية الذي "سادته الفوضى بعد حين فأصبحت هذه التصاريح تعطى يميناً وشمالاً على بياض فيملؤها المصدّرون وتتسرّب الحمضيات اليهودية إلى البلاد العربية..."، وغيرها من الأمثلة لسوء التحضير وقلة التخطيط والدراسة والالتزام النخبوي "اللّين" بخطوط وأهداف المقاطعة التي هي "كما هو معروف قضية أخلاقية وعقيدة وإيمان قبل أن تكون أوامر تصدرها هيئة وطنية فيطيعها الناس... أو تفرضها أداة تفتيشية مهما كانت ميزات أو أخلاق القائمين عليها". ويختتم حسين فخري قراءته لتلك التجربة وهو يتحسر على السنوات الـ30 الضائعة في المواجهة مع الحركة الصهيونية التي لم يتم فيها التمهيد للمقاطعة، بينما في 1946 "أردنا القيام بعمل جبار بظرف بضعة أشهر، نقيم فيها المصانع لنستقلّ بإنتاج ما نحتاجه ونؤلف الشركات الكبيرة للاستيراد والتصدير، وفاتنا القطار هذه المرّة كما فاتنا في مرات عديدة سابقة...".
فيبقى السؤال في محله: هل تعلمنا شيئاً من كل هذه التضحيات والتجارب والمواجهات، قد تطمئن بأن المقاطعة اليوم لن تواجه مصير سابقاتها نفسه؟ هل الاقتصاد الفلسطيني اليوم بوضع يسمح له بخوض "حربٍ اقتصادية اجتماعية لا هوادة فيها"، كما كان يدعو أمثال حسين فخري، للانفصال عن الهيمنة الإسرائيلية وكسر الطوق التجاري والمالي المفروض و "تشابك مصالح العرب بمصالح اليهود"؟
.. هناك بريق صغير من الأمل في الإحصاءات الاقتصادية الفلسطينية: التطورات الأخيرة في القطاعات الصناعية الفلسطينية (الاستخراجية والتحويلية والطاقة) التي لطالما تراجعت حصتها في الإنتاج المحلي الإجمالي منذ 1994 (حين كانت حصتها تفوق 20 في المئة)، لكنها استطاعت، وبالرغم من كل ما يواجه الاقتصاد الوطني من عراقيل إسرائيلية، وغياب للدور الإنمائي للدولة، بأن تزيد حصتها من 13 في المئة من الناتج المحلي العام 2010 إلى 16 في المئة العام 2013. وفي شهر حزيران 2015، سجل الرقم القياسي للإنتاج الصناعي الفلسطيني ارتفاعاً بنسبة 8 في المئة عن الشهر السابق (و3 في المئة عن الشهر نفسه من 2014)، في فروع الصناعة التحويلية أساساً، مما يدلّ على وجود النواة الصلبة الأولى "لصناعة وطنية" نشطة يمكن للسياسات العامة رعايتها وتحفيز نموّها وتوسّعها لكي توفر السند المادي والأساس المتين الذي لا بدّ منه بالتوازي لجعل المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل فعلاً وليس كلاماً.
وهذه هي البشرى السّارة من فلسطين!

 

للكاتب نفسه

ما بعد الأزمة المالية الفلسطينية: معادلة الانفكاك الاقتصادي عن إسرائيل

على الرغم من الامتعاض الفلسطيني الواسع تجاه "بروتوكول باريس" ومجمل ترتيبات أوسلو، فإنه ليس واضحاً بعد ما إذا كان الكيان الفلسطيني - السياسي والاقتصادي والاجتماعي - جاهزاً لدفع ثمن تفكيك...