الثورة المصرية: من هنا إلى أين؟

الثورات الناجحة حدث نادر في تاريخ البشرية، ولو لم تكن كذلك لكان العالم أجمل وأكثر عدلاً. وحينما نفكر في مسار الثورات العربية عموماً، والثورة المصرية على وجه التحديد، فمن المهم تذكر هذه الحقيقة حتى لا نبني قصوراً من رمال متصورين أن الطريق سهل أو أن النتائج مضمونة، خاصة في ظل المحاولات الناجحة من أطراف الثورة المضادة إقليميا ومحلياً لاستعادة سمات النظام القديم حتى وإن كان بشخوص جديدة مثل
2014-06-25

رباب المهدي

استاذة العلوم السياسية في الجامعة الاميركية بالقاهرة


شارك
منى عبد الرحمن - مصر

الثورات الناجحة حدث نادر في تاريخ البشرية، ولو لم تكن كذلك لكان العالم أجمل وأكثر عدلاً. وحينما نفكر في مسار الثورات العربية عموماً، والثورة المصرية على وجه التحديد، فمن المهم تذكر هذه الحقيقة حتى لا نبني قصوراً من رمال متصورين أن الطريق سهل أو أن النتائج مضمونة، خاصة في ظل المحاولات الناجحة من أطراف الثورة المضادة إقليميا ومحلياً لاستعادة سمات النظام القديم حتى وإن كان بشخوص جديدة مثل الجنرال عبد الفتاح السيسي.
ومما يزيد من صعوبة الأمر هو حالة الإرهاق المجتمعي على مدى ثلاث سنوات التي سهلت على المستوى العام تقبل فكرة القائد المنقذ التي تم تسويقها بقوة خلال العام المنصرم، والتي أدت لظهور بوادر فاشية شعبية تحتفي بالقتل وبالسلطوية تحت دعاوى المصلحة العامة. ومع الإقرار بكل هذا فلا مكان لتفاؤل أحمق حول ضرورة انتصار الثورة. ولكن النظرة التحليلية للمشهد تشير الى أن الظروف الموضوعية ما زالت تحمل ممكنات إنجاز هذه الثورة، ليس من باب الأماني، ولكن بسبب وضعية النظام في هذه اللحظة الممتدة منذ ما قبل سقوط مبارك.

أزمة اقتصادية وليست مالية

بضع البعض نهاية الثورة في الفترة ما بين مشهد تتويج السيسي زعيماً شعبياً في تموز/ يوليو 2013 - يوم طلب تفويضه لمحاربة ما يسميه الإرهاب - وتتويجه رسمياً رئيساً للجمهورية في تموز/ يونيو 2014، وذلك بنشوء نظام جديد ديكتاتوري شعبوي سيستمر لسنوات. ويغفل هذا التصور أن النظام الجديد حتى وإن بدا قوياً فإنه متآكل من الداخل. فأي نظام حكم، مهما كان سلطوياً، يحتاج لمعادلة حكم تمزج بين القبول والقمع (أو القدرة على القمع) من جهة، و بين القدرة على الحكم وإدارة شؤون البلاد بحد أدنى من الكفاءة من جهة أخرى. وفي حالة مصر الآن فالشرطان منعدمان. فمصر من قبل سقوط مبارك كانت تمر بأزمة اقتصادية بنيوية نجح نظام مبارك في تسييلها بشكل مؤقت عن طريق بيع أصول مملوكة للدولة وعن طريق مساعدات خليجية وأشكال مختلفة من الريع (قناة السويس، وتحويلات المصريين بالخارج، وبيع الغاز...إلخ).
وتجلت حدة هذه الأزمة مع انفجار الثورة وتوقف هذه المصادر الريعية. هذه الأزمة تجعل من المستحيل، إمكانية استعادة الثورة المضادة لنظام ولاء مبني على صيغة «تقليص الحقوق السياسية في مقابل الحصول على حد أدنى من الحقوق الاقتصادية» (مثلما فعل النظام الناصري أو البعثي مثلاً). فعلى الرغم من تدفق المساعدات الإماراتية والسعودية للنظام الجديد منذ انقلاب3 تموز/ يوليو وتوقع استمرارها أو حتى زيادتها في الفترة القادمة، فإن هذه المساعدات لن تكون كافية لاستعادة نظام «الخبز مقابل الحرية». وذلك، أولاً، لأن حجم المطالبات الشعبية منذ قبل قيام الثورة في ازدياد - في شكل موجات احتجاجية على الأجور والسكن والمياه. وزادت هذه التوقعات مع الثورة بشكل يفوق إمكانية المساعدات المالية الخليجية على الوفاء بها، وخاصة في ظل بنية تحتية متآكلة. فمن النظام الصحي الأولي إلى محطات الكهرباء شبه المنهارة، لا تكفي هذه المساعدات لتحسين الأوضاع المعيشية بشكل يعطي النظام ما يسمى شرعية الإنجاز.
وما يزيد تعقيد الموقف أن ما تمر به مصر ليس أزمة مالية فقط، بل هي إحدى تجليات الأزمة الاقتصادية الأكثر عمقاً والتي يزيد من صعوبتها وضع الرأسمالية العالمية. فعلى عكس لحظات تكوين النظام الناصري أو البعثي والذي جاء في لحظة نمو وازدهار للاقتصاد العالمي، يأتي نظام الثورة المضادة في مصر في لحظة انكماش وأزمة عالمية تجعل من غير الممكن تحقيق طفرات اقتصادية ومعدلات نمو كافية لتلبية التوقعات الشعبية. أضف إلى ذلك أن النظام الجديد، (مثلما بدت الخطوط العريضة لرؤيته الاقتصادية خلال العام المنصرم ومن خلال خطاب تنصيب السيسي على السواء)، يتبنى خطابا شعبويا مبنيا على فكرة ما يسمى المشروعات العملاقة، و«بناء الرأسمالية الوطنية مع الحفاظ على حقوق الفقراء»، وهذا لا يتعدى الكلام الإنشائي ولا توجد أي مقومات مادية لإمكانية تحقيقه.
فلا هو يملك رأسمالية وطنية ولا مقومات تنافسية تسمح له باجتذاب الاستثمارات التي يحتاجها ويدعي قدرته على جذبها في ظل هذه اللحظة من الانكماش الرأسمالي ووجود منافسة مع دول مثل البرازيل والهند والصين. وحتى الاعتماد على مصادر الريع السابقة، مثل السياحة أو دخل قناة السويس، فلم تعد تكفي أصلا، وعلاوة على ذلك فهي لن تعود إلى سابق عهدها في ظل الأوضاع السياسية المضطربة.

دولة متآكلة وصراعات داخل الطبقة الحاكمة

أما على الصعيد السياسي، فنحن بصدد نظام ورث جهاز دولة متآكلا وشبه منهار، ما لا يسمح له بإدارة شؤون الدولة بشكل كفؤ سواء على مستوى تقديم الخدمات أو حتى لإدارة القمع. والحقيقة أن كل الأنظمة الديكتاتورية، سواء تلك العسكرية التي انتشرت في أميركا الجنوبية في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين (ما سمي «السلطوية البيروقراطية» لاعتمادها على بيروقراطية أجهزة قوية) أو حتى الأنظمة الفاشية كما في إيطاليا أو ألمانيا قبل الحرب العالمية الثانية، اعتمدت على وجود مشروع تحديثي ما وامتلاك الدولة لأجهزة قادرة على إنجاز هذا المشروع لضمان ولاء قطاعات كبيرة من الشعب، ولتوفير القدرة على استخدام القمع بشكل يناسب قدرات الدولة، عن طريق تصور مدروس. في الحالة المصرية، لا يوجد اليوم مشروع تحديثي، ولكن أيضاً لا يوجد تصور مدروس لكيفية استخدام القمع بطريقة العصا والجزرة، ولا يوجد حتى جهاز دولة قادر على إدارة القمع والولاء.
نحن بصدد أجهزة دولة غير قادرة على توفير الأمن في الشارع بدءاً من التحرش بالنساء وسرقات السيارات وحتى تفجيرات مديريات الأمن، على الرغم من استخدامها القمع بشكل غير مسبوق. وهو النظام الذي بدأ بفكرة قمع الإخوان المسلمين تحت دعاوى محاربة الإرهاب، ثم ما لبث أن وسع الدائرة حتى فقد جزءا من مكوناته الأساسية التي ساهمت في تشكيل بدايته وشرعيته، مثل بعض نشطاء الثورة وحتى جزء من حركة «تمرد»، الشريك الأساسي في ترتيبات عزل محمد مرسي. بناء المؤسسية المطلوبة لإدارة نظام ديكتاتوري لديه استمرارية سيحتاج لسنوات، على عكس أوهام القطاعات المؤيدة للنظام والتي تتصور أنه بانتخاب «الزعيم» ستتم استعادة الأمن والاستقرار وتحقيق الطفرات الاقتصادية. ولذا، وبسبب ارتفاع سقف هذه التوقعات وعدم قدرة النظام على الوفاء بها، فستزداد حالة الاحتقان والسخط الشعبي.
ورغم الالتفاف الظاهر للطبقة الحاكمة حول السيسي، من دعم المؤسسة العسكرية له، ورجال الأعمال الكبار وقنوات إعلامهم، فضلاً عن دعم أجهزة الدولة، وحتى انسحاب منافسين مثل الفريق سامي عنان وأحمد شفيق من سباق الرئاسة ضده، إلا أنه اتفاق مؤقت يخبئ صراعات مكتومة داخل الطبقة الحاكمة ليس بمقدور النظام احتواءها بسهولة. فالصراع والتنافس الذي بدأ في سنوات مبارك الأخيرة بين الجيش كمؤسسة اقتصادية وسياسية مهيمنة وطبقة رجال الأعمال الجديدة، ممثلة سياسياً في لجنة سياسات الحزب الوطني، لم ينته بعد. نجحت المؤسسة العسكرية في استغلال الثورة لترجيح كفتها، واستكان لها جزء من هذه الطبقة حتى تمر العاصفة، وتوحدت جهود أقطاب الثورة المضادة بشكل وقتي، ولكن لا توجد هنا إمكانية لتحالف دائم ومستمر. فكلا الفصيلين له طموحات تنافسية تضعه في مواجهة الآخر، وتصورات عن إدارة الصراع مع الثورة وعن شكل النظام الجديد، خاصة على مستوى السياسات الاقتصادية، تجعل من انفجار الصراع بينهما حتميا.

هل الثورة مستمرة؟

لا يمكن إنكار أن الثورة المصرية تمر بأسوأ وأضعف لحظاتها، ما بين حالة قمع هستيرية وحالة شعبوية معادية وتشرذم القوى التقدمية وغياب الرؤية الإستراتيجية لكيفية الخروج من هذا المأزق... ولكن الثورة المضادة ونظامها الجنيني ليسا أفضل حالاً - على الرغم من النجاح الصوري. ففي داخل هذا النظام تكمن إمكانيات فنائه وانهياره. العامل الحاسم هنا سيكون قدرة القوى التقدمية على إعادة إنتاج نفسها وتنظيم صفوفها للبناء على هذه الفرص الموضوعية.
لن يتحقق ذلك بالشعارات الكبرى مثل إسقاط النظام أو محاولة إعادة لحظة «الميادين» المملوءة بالمتظاهرين الآن وفوراً. المعركة الآن تتطلب العودة لما تستنكف بعض القوى الثورية الانخراط فيه من نضالات تبدو صغيرة ومحدودة في مواقعها، سواء لإسقاط قانون التظاهر مثلاً الذي يسجن بفعله النشطاء الثوريون، أو التركيز على نضالات الحركة الطلابية داخل الجامعات، أو حتى المحافظة على مساحة الإعلام الإلكتروني البديل وتوسيع دائرته... هذه النضالات التي تبدو محدودة، هي ما سيبني بشكل تراكمي سريع كتلة داعمة قادرة على استعادة العملية الثورية. هي الآن معركة بالنقاط ضد الثورة المضادة ونظامها وليست معركة الضربة القاضية... بعد!

مقالات من مصر

الحركةُ النسويةُ في مصر حيةٌ لم تَمُت

مُزن حسن 2019-09-08

الفرضية التي ننطلق منها تقوم على أن المجال العام (الآمن) يُتيح للنساء الدفاع عن حقوقهن، وتحسين شروط مشاركتهن في البنية المجتمعية والاقتصادية القائمة. إلا أن إغلاق هذا المجال يعني بالضرورة...

للكاتب نفسه

عن كسر الإيهام ومحاربة الأوهام

أسس الكاتب والمخرج المسرحي الألماني برتولد بريخت لما سُمّي "كسر الجدار الرابع"، أو كسر الإيهام، وهي المدرسة التي تقوم على إلغاء حالة الفصل بين العرض الفني والجمهور، وتجعل الأخير مشاركاً...

بعد خمس سنوات.. هل فشلت الثورة؟

مزيج من الغضب المكتوم و الحسرة والملل يغلف المدينة التي عرفْتها "قاهرة" وقاسية، ولكن نابضة بالحياة. على مدى خمس سنوات تغيرت المدينة - على الأقل في إدراكي ومخيلتي- ليس للأسوأ...