تونس بعد الثورة: إنتاج الكحول واستهلاكه يُحطمان أرقاماً قياسية

صرّح راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة الإسلامية، الحزب الحاكم في تونس بعد الانتخابات، بأن منع الخمر سيكون تدريجياً. وبعد سنتين من حُكم النهضة، صرّح السّيد محمد بالشيخ، رئيس الغُرفة الوطنية للمشروبات الكحولية، بأن نسبة مُستهلكي الكحول في تونس ارتفعت لأكثر من 1.700.000 مُستهلك. وإنتاج الخمور ارتفع بنسبة 15 في المئة مقارنة بسنة 2011! ويوميا، صار التونسيون يستهلكون ما يُعادل 493.000 جعة و109.000
2014-02-10

أيمن الدبوسي

كاتب وأخصائي في علم النفس، من تونس


شارك
(من الانترنت)

صرّح راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة الإسلامية، الحزب الحاكم في تونس بعد الانتخابات، بأن منع الخمر سيكون تدريجياً. وبعد سنتين من حُكم النهضة، صرّح السّيد محمد بالشيخ، رئيس الغُرفة الوطنية للمشروبات الكحولية، بأن نسبة مُستهلكي الكحول في تونس ارتفعت لأكثر من 1.700.000 مُستهلك. وإنتاج الخمور ارتفع بنسبة 15 في المئة مقارنة بسنة 2011! ويوميا، صار التونسيون يستهلكون ما يُعادل 493.000 جعة و109.000 قنينة نبيذ.
مع أن الكثير من نقاط بيع الكحول قد أغلقت، خاصة في المناطق الداخلية من البلاد، ورغم أن المجموعات السّلفية المُتشددة هاجمت عدّة شاحنات لنقل المشروبات الكحولية، وضايقت واعتدت، وحتى أحرقت وأغلقت بعض النُزل والمطاعم، كما حصل في ولاية جندوبة من الشمال الغربي، فإن فئة كبيرة من الشعب التونسي آثرت العمل بمقولة بُودلير: "اسكروا. لا بد للمرء من أن يكون سكرانَ دائما. تلك هي الخلاصة، تلك هي القضية الوحيدة. فلكي لا تشعروا بعبء الزمن الفادح الذي يُحطم كواهلكم ويحنيكم إلى التراب، لا بد لكم من أن تسكروا بلا هوادة". إنّه "سَأم تونس" هذه المرّة، مع الاعتذار للشاعر على تحريف عنوان ديوانه. كل شيء بات يبعث على السّأم هذه الأيام: سحنة السياسيين الكريهة، نكد الواعظين والمتأسلمين، ارتفاع الأسعار، غلاء المعيشة، إضراب الأطباء، الكتاب الأسود، مسودة الدستور، أكوام الزبالة المتراكمة في الطرق، التهديدات الإرهابية، أفواج المعطلين أمام مكاتب التشغيل، جرحى الثورة، أهالي المهاجرين المفقودين في عرض البحر... وصور الشهداء، هي الأخرى، صارت تثير السّأم.

يبدو أنّ صُداع الرأس الناجم عن صدمة الإفاقة من سُكرة الثورة، هو ما جعل التونسيين يُقبِلون أكثر فأكثر على استهلاك الكحول. كل النّسب في تدهور، كل المؤشرات إلى الأسفل، إلا نسب إنتاج المشروبات الكحولية في ارتفاع مستمر. وبالرغم من أن أسعار هذه المواد قد ارتفعت أكثر من مرّة منذ وصول حركة النهضة للحكم، فإن لا شيء يُشير إلى إمكانية تراجع أو انحسار نسبة الإنتاج وعدد المستهلكين. ومن حين لآخر يُعلن الأمن "الجُمهوري" عن بعض إنجازاته المتمثلة في حجز كميات من الخمور المخزنة والمعدة للبيع في السوق السوداء. مداهمات ليلية يُلقي فيها القبضَ على بعض الباعة البائسين، ويحجز كميات هائلة من مادة الزّطلة (الحشيش) وأقراص الباركيزول، يعرضها في نشرة الأخبار كغنائم وانتصارات يغطي بها عجزه عن إيجاد مخازن أسلحة الارهابيين. لكن الخمور سُرعان ما تعود إلى مجاريها، وكل بائع خمر خلسة يَسقُط في يد الأمن، يعوضه عشرة آخرون. والخمر باق ما بقي الكَرْمُ. لأن الخمر هو الحُلم. وحتى المتُدينون لهم "حاناتهم" الميتافيزيقية التي يكرعون منها. هي كلها روحانيات، تستجيب للعمق النفسي والاجتماعي نفسه. الكل يبحث عن مساحة للحلم والرؤيا. الكل يُقاوم السّأم وثقل الزّمن. "ولكن بماذا؟ بالخمر أو بالشعر أو بالفضيلة، بحسب ما تهوون. ولكن اسكروا"، يقول لكم بودلير.

لمن العار أن يرتفع سعر الكحول في بلد قام بثورة، لمّا كان من المفروض أن يصير مجانياً كل ما يأتي من الشّعير: خُبزا كان أو جعة! المسؤولون في الحكومة التونسية لا يعرفون الآثار الجانبية المدمرة لقرار كهذا. هناك آلاف مؤلفة من المفقّرين الذين لن يعودوا قادرين على اقتناء تلك المشروبات، ولا حتى على اقتناء أقلها جودة وأبخسها ثمنا. فالأسعار زادت بنسبة أكثر من 50 في المئة. لكن هذا لم يحدّ أبدا من نسبة الإقبال على الشرب. نحن نعرف أن البعض بدأوا بإنتاج الكحول في بيوتهم. والبعض الآخر طفقوا يستهلكون ذلك المخصص لأغراض طبية، وحتى الكحول المُعدّ لإيقاد النار. وغيرهم مضوا يقتفون أثره في العطور. ومن لم يتمكن من العثور عليه إطلاقا، فسيشمون البنزين وسيسكرون بأي شيء. وهذا السّلوك اليائس سيخلق، إلى جانب الإدمان، جيشا من المصابين بشتى الأمراض الناجمة عن استهلاك تلك المواد غير الصحيّة. فهل من مسؤول يقول لنا ما هي نسبة الأرباح التي تجنيها الدولة التونسية من الضريبة التي تفرضها على المشروبات الكحولية؟ وبكم تُساهم هذه النسبة في تمويل خزينة الدولة؟ وهل يعلم آلاف النهضويين الذين التحقوا بالوظيفة العمومية بأنّه لولا الضريبة على الكحول لما قدرت الدولة أن تدفع لهم مرتّباتهم آخر الشّهر؟ وهل من مسؤول آخر يمدنا بالأرقام والإحصائيات لنعرف كم يُشغّل قطاع إنتاج الكحول وبيعه وتصديره؟ مصائب قوم عند قوم فوائد!

المؤكد أن نسبة الإقبال على استهلاك المشروبات الكحولية في تونس ستظل في ارتفاع مطّرد ما دام الوضع العام في تدهور. إنها مُعادلة بسيطة لا تحتاج إلى الكثير من التأمّل. الكحول لم يكن أبدا مشكلا ولن يكون أبدا حلا. "ليس هناك مُدمن سعيد"، قال "أوليفنشتاين"، بعد تجربة طويلة في معالجة المدمنين. فخلف الادمان دائما أزمة نفسية واجتماعية. لكن الناس يحتاجون إلى الكحول ليأملوا. لينشئوا ثقبا في الجدار الذي يحول دونهم والأفق. وإلى حين تفي الثورة بوعودها ويُطعَم الفقراء ويُكرم الشهداء ويعمل العاطلون، لا يسعُنا إلا أن نقول ما قاله امرؤ القيس ذات قصيد: اليَوم خَمرٌ وغدا أمرٌ

            
 

مقالات من تونس

في أهمية المبادرات الأهلية، أمثلة من تونس

ضو سليم 2019-08-14

تبقى مثل هذه المشاريع رمزية ومحدودة بالطبع ولا تحل مشكلات الأزمة البيئيّة الخانقة، ولكنها خطوات إيجابية لتطوير حس المسئولية الفردية تجاه هذه المسائل، ولتحفيز روح المبادرة الجماعية إجمالاً، بدءاً من...

السلطة والثروات الطبيعية في تونس.. عن الفساد والمحسوبية

يرتبط "النمو الاقتصادي" بمداخيل الناتج من تصدير المواد الأساسية الخام مثل الفوسفات والثروة السمكية والمنتوجات الفلاحية. تقلص التصدير يعني تقلص النمو. لكن النمو المتأتي من تصدير الثروات الطبيعية لم يحقق...

تونس: اختراقات تمهد للتطبيع؟

مسألة التطبيع توضّح المسافة الكبيرة التي تفصل "روح" الثورة التونسية عن حسابات/ سياسات الحكام الجدد. اذ يبدو ان الإسلاميين و"الدساترة" لديهم قناعة راسخة بأن اغضاب إسرائيل سيجلب عليهم غضب الأوروبيين...

للكاتب نفسه

حماقات السبعين

في عيد ميلاده الثاني والسبعين، الكاتب التونسي أيمن الدبوسي: «لا زلت أشرب زجاجة ونصف من النبيذ يوميّا وأحلم بالذهاب للعيش في أميركاخصّ الكاتب التونسي أيمن الدبوسي جريدة السفير العربي بلقاء...

Parkizol

ورّقت الطبيبة المُقيمة، بعجالة، الملف الطبي للمريض الذي دخل المكتب وجلس قبالتها، من دون أن ترفع بصرها نحوه. كانت مرهقة إثر يوم شاق، أتت فيه على طابور طويل من المرضى...