«نحن نعرف ماذا نفعل»

بالأمس عايدتُ ستة مرضى. هذا كثير على ما أعتقد. وصلتُ للعمل متأخراً بعض الشيء، فوجدتُ فوجاً في انتظاري أمام باب المكتب. كنتُ مصاباً بصُداع الخمار ولم أجد فسحة واحدة لأغادر القسم وأحضر قهوة. مريض يخرج مريض يدخل. تفحصتُ تواريخ مواعيدهم بدقة على البطاقات، كلها سليمة ومدونة بخط يدي. (المرضى يزورون المواعيد في بعض الأحيان) لقد جاؤوا في الموعد وأنا الذي لم يكن في الموعد. أنهيتُ العمل كذلك مع بعض
2013-10-09

أيمن الدبوسي

كاتب وأخصائي في علم النفس، من تونس


شارك
من دفتر:
أخبار الرازي

بالأمس عايدتُ ستة مرضى. هذا كثير على ما أعتقد. وصلتُ للعمل متأخراً بعض الشيء، فوجدتُ فوجاً في انتظاري أمام باب المكتب. كنتُ مصاباً بصُداع الخمار ولم أجد فسحة واحدة لأغادر القسم وأحضر قهوة. مريض يخرج مريض يدخل. تفحصتُ تواريخ مواعيدهم بدقة على البطاقات، كلها سليمة ومدونة بخط يدي. (المرضى يزورون المواعيد في بعض الأحيان) لقد جاؤوا في الموعد وأنا الذي لم يكن في الموعد. أنهيتُ العمل كذلك مع بعض التأخير، ولما غادرتُ القسم وجدتُ مجموعة من الممرضين في بدلات رياضية. كانوا يتهيؤون لخوض مباراة كرة قدم في ما بينهم بالملعب المعشب خلف قسم العيادات الخارجية. كان هناك بعض المرضى بألبسة المستشفى، يقفون حول حافة الملعب لمتابعة المباراة التي توشك على الانطلاق. لم أكن جائعاً ولا مُتعجلا لمغادرة المُستشفى.
لكني كنتُ بحاجة ماسّة لشُرب قهوة سريعة. أحضرتُ واحدة من الكافيتيريا وجلستُ على جذع شجرة مقطوعة لأتابع المُباراة، فجاءني مريض يطلب جرعة. لم يكن ممكنا أن أعطيه ولو قطرة واحدة. تمسكتُ بقهوتي. كنتُ أحتاجها. ما يزال بي صداع الخُمار. لو مددتُ يدي لجيبي وناولته شيئا سيتجمع مرضى آخرون حولي يطلبون مثله. وأنا لم أكن في حالة تسمح بالاستماع والاستجابة لأي طلب من أي كان. قلتُ له بأني لا أستطيع أن أعطيه جرعة لأني مُصاب بزكام، وأخشى أن أعديه. بقي للحظات ينظر إليّ، ثم انصرف متمتما بشيء مّا. انتابني بغتة إحساس بالذنب. أخذتُ جرعة أخيرة من القهوة ثم سكبتها على الأرض. دائماً أسيء التصرّف. القهوة صارت مرّة ولم يعد بالإمكان شربها.
المُقابلة انطلقت. الممرضون يركضون ببطء. الإيقاع مُحبط للغاية. تمريرات عشوائية هنا وهناك. الكل في الهجوم. الكل في الدفاع. الكل على الكرة. يُشعل الحارس سيجارة، يضعها في فمه ويقفز ليُصدّ تسديدة. تفلتُ الكرة منه وتدخل الشباك، لكنه يُحافظ على السيجارة في فمه. واحد لصفر تنطلق المُباراة مرّة أخرى. هذه ليست كرة قدم. هذه مُباراة بين فريق من حيوانات البندا المصابة باكتئاب، وآخر من حيوانات الكسلان المصابة بإسهال. رجال منهكون من العمل، يُواصلون إنهاك أنفسهم مُعتقدين أنهم يرفهون عنها. يسحبُ الحارس جوّاله ليردّ على مكالمة بينما يخرج أحد أعضاء فريق البندا ليُواصل السعال متكئا على شجرة بُرتقال. يسعل بقوّة. يشخر. صدره يهتز وينتفض. يبصق الرّجل بلغماً غامقاً ثم يغادر المباراة نهائياً. يزجون بأحد المرضى مكان الحارس الذي نزل للعب. تستمرّ المباراة بالإيقاع نفسه.
ذهني شرد أكثر من مرّة وأنا أتابع المباراة بالأمس. حضرني شبح المرأة التي حاولت الانتحار بالأمس أمام باب المُستشفى. رمت الشقية بنفسها أمام سيّارة منطلقة، فكُسرت ساقها وأصيبت بعدّة كدمات. لحسن الحظ أن سيّارة الإسعاف نقلتها سريعاً إلى مُستشفى القصّاب القريب، لترجع بعد ذلك إلى الرّازي، ويتمّ إيواؤها بساق ملفوفة في الجبس. لكن شيئا من هذا ما كان ليحدُث لو أنهم قبلوا بإيوائها مُباشرة، لمّا جاءت تطلب ذلك في الصّباح. إنها نزيلة سابقة، وقد تعوّد الأطباء على حضورها المُتكرر هنا. امرأة تُعاني من اكتئاب مزُمن، تلوذ بالمُستشفى تطلب الإيواء كلّما عنفها زوجها، أو كلما سئمت حياتها البائسة، وضاق صدرها بأبنائها. ما زلتُ أذكر ذلك الارتياح المؤلم الذي بدا على وجهها وهي تهبط من عربة الإسعاف،
تتوكأ على عكازتين، وتتجه لإتمام إجراءات القبول، لتنال باستحقاق، اقامة في قسم إبن الجزار؛ هُدنة عائلية لالتقاط الأنفاس، قد تصل إلى أسبوعين أو ثلاثة.
ما كنتُ لأتذكرها على ما أظن، فالرازي يعجّ بأمثالها. لكن كسلانا غادر الملعب قبل قليل، بعد أن التوى كاحله وقد تعثر في حفرة وترك الملعب ليعوضه أحد المرضى. المباراة استمرت بعد ذلك بمزيد من الإصابات. يا للصحّة! كانوا يتساقطون كالذباب! يحشّون أرجل بعضهم بعضا. يُرفهون عن أنفسهم. مرحى، رياضة وعمل. يا للمجزرة! تتقدم هجمة، تصل تسديدة نحو الحارس المُعوّض. ينقضّ المريض على الكرة، يمسكها قبل أن تلج الشباك، ثم يضعها تحت ثوبه ويهربُ بها مُنطلقاً في حقل البرتقال المُحاذي.
انتهت المباراة!

***

أخشى من مجيء ذلك اليوم الذي يفطن فيه المرضى إلى أننا موجودون هنا لأجلهم، وليس العكس.
أرجو ألا أكون موجوداً هنا حين يحدث ذلك.

***

«نحن نعرف ماذا نفعل». هذه الجملة بقيت تتردد في ذهني يوما كاملا. كنتُ قد وقعتُ صدفة على مجموعة من الممرضين الذين بطحوا أحد المرضى أرضاً، وانهالوا عليه ركلاً ولطماً، بعد أن صدّع رؤوسهم بإلحاحه المُستمر لأجل أن يفتحوا له باب القسم ليخرج ويشتري قهوة من الكافيتيريا ثم يعود. وأمام المشهد وجدتني أصرخ من دون أن أريد: ماذا تفعل؟ لمَ تضربونه؟ إلا أن أحد الممرضين تنحّى عن الرجل المهزوم، وصاح بي في حماس: «لا تقلق دكتور. نحن نعرف ماذا نفعل. نعرف جيّدا أين نضرب وكيف نضرب»، ثم عاد ليلطم المريض الذي لم يُطلق أنة واحدة، وكل ما فعله هو أنه غطى رأسه بيديه وتكوّر على نفسه. مُساعِدة رئيسة القسم مرّت صدفة من هناك، وكانت في طريقها إلى الخروج، فشهدت ما كان يحصل. لكنها تصرّفت وكأنما لم تتفطن للأمر، والممرضون يرفعون المريض ويُسندونه على قدميه ليدخُلوا به قاعة أخرى. لحقتها خارج القسم حتى سيّارتها لأسألها عن رأيها في ما شاهدته قبل قليل، فقالت إنها تعرف جيّدا بأمر ما يحصل من تجاوزات، «أحيانا»، مُشددة على الكلمة الأخيرة، لكنها لا تستطيع فعل أي شيء. ومن يستطيع فعل شيء، كدتُ أن أصرخ بها؟ إلا أنها واصلت قائلة بأن رئيسة القسم جرّبت مرّة مُعاقبة أحد الممرضين عن سوء معاملته للمرضى، فما كان من الوزارة إلا أن نقلته للعمل بنوبة الليل، ليزداد الأمر سوءا. عند ذلك تسمّرتُ في مكاني وواصلت هي نحو سيارتها. أحسبُ أني فهمتُ جيّدا ماذا كان يقصد الممرّض لمّا طلب مني ألا أقلق لأنه يعرف ماذا يفعل. كان مُحقا تماما، وربما كان الشخص الوحيد الذي يعرفُ سبب وجوده في هذا المكان، ويعرف خاصّة، ماذا يفعل.


وسوم: العدد 65

مقالات من تونس

كوفيد-19 في تونس: انطلق الشوط الثاني..

ما الذي حدث في الصيف الماضي؟ خلال شهري تموز/يوليو، وآب/أغسطس، "يتخدر" أغلب التونسيين، ويهجرون الشأن العام، لينغمسوا في موسم الأعراس وحفلات الناجحين في البكالوريا، وعودة المهاجرين من الخارج، والاصطياف والتمتع...

للكاتب نفسه

حماقات السبعين

في عيد ميلاده الثاني والسبعين، الكاتب التونسي أيمن الدبوسي: «لا زلت أشرب زجاجة ونصف من النبيذ يوميّا وأحلم بالذهاب للعيش في أميركاخصّ الكاتب التونسي أيمن الدبوسي جريدة السفير العربي بلقاء...