المغتصَبة

مضت أكثر من ربع ساعة قبل أن أتفطن إلى أن الرّجل الذي يشكو ويتذمر أمامي منذ أن دخل المكتب، لم يكن هو المعنيّ مُباشرة. في الحقيقة، كانت ابنته هي المريض الذي أنتظِر دخوله. وبما أنّي تعوّدتُ ألا أترك المرضى ينتظرون أمام الباب، فقد أدخلته قبل أن يصلني الملف الذي عليه بيانات المريض الشخصية. منذ أن دخل وهو يرغي ويزبد.كان يُثرثر بلا توقف، وقد تجمع بُصاقه عند زاوية فمه، وتناثر بعضه على الملف
2013-10-23

أيمن الدبوسي

كاتب وأخصائي في علم النفس، من تونس


شارك
من دفتر:
أخبار الرازي
رشيدة عمارة - تونس

مضت أكثر من ربع ساعة قبل أن أتفطن إلى أن الرّجل الذي يشكو ويتذمر أمامي منذ أن دخل المكتب، لم يكن هو المعنيّ مُباشرة. في الحقيقة، كانت ابنته هي المريض الذي أنتظِر دخوله. وبما أنّي تعوّدتُ ألا أترك المرضى ينتظرون أمام الباب، فقد أدخلته قبل أن يصلني الملف الذي عليه بيانات المريض الشخصية. منذ أن دخل وهو يرغي ويزبد.
كان يُثرثر بلا توقف، وقد تجمع بُصاقه عند زاوية فمه، وتناثر بعضه على الملف الضخم الذي كان يضمّه إلى صدره في حِرص. قال إنّه لم ينم منذ أن وقع «ذلك الأمر»، وصار التفكير فيه شُغله الشاغل. وهو لن يسكت على ذلك أبدا، ولن يتوانى عن فعل أي شيء لأجل أن ينال حقّه. وسُيقيم الدّنيا ولن يقعدها.
الأمر ليس هيّنا كما يُمكن أن نعتقد. إنّه شرف عائلة. بل شرف منطقة وولاية بأسرها. قال إنّه سبق له وأن قابل العديد من الشخصيات الهامّة قبل وصوله إلى «هنا»، وكلّهم تعاطفوا مع قضيّته. وعليّ ألا أستهين به، فهذا الرّجل الذي يجلس أمامي: قابل رئيس منطقة الأمن في جهتهم مرّتين، واستقبله وكيل الجمهوريّة في مكتبه، وتطوّع للترافع في قضيّته ثلاثة محامين. كما أنّ أربع صحف أسبوعيّة كتبت عن الحادثة التي قال إنّها جعلته يعيش على السجائر والقهوة لأسبوع كامل، قبل أن يتمكن رجال الشرطة من القبض على الجُناة.
وأمام ذلك التدفق المُباغت والاستثارة النفسية التي وصلت حدّ الولع، وجدتني أخمّن مُباشرة في تشخيص معيّن لا طائل من ذكره. وحتى قبل أن أسأله أيّ سؤال، فتح الرّجل الملف الضخم الذي كان معه وراح يُخرج المقالات الصحافية والشهادات الطبيّة ونسخا من محاضر الشرطة، وغيرها من الوثائق التي طرحها أمامي، لأفهم، أخيرا، وبعد أكثر من رُبع ساعة، بأن ابنته تعرّضت للاغتصاب من قبل خمسة شُبّان.
لم أشأ مُقاطعته، وأوليته كلّ الاهتمام، وتركته يُفرغ جرابه، ليتفنن هو في عرض كل وثيقة، مهددا كلّ لحظة بمُراسلة رئيس الجمهورية ومُنظمات حقوق الانسان، لو أنّ القضاء لم ينفّذ في الجُناة أقسى العقوبات الجزائية.
كان لا يزال في غليانه، لمّا دخَلت المكتب مُمرّضة شابّة تمضغ بثقل علكة ضخمة. المُمرّضة ألقت نظرة ناعسة على الرّجل، قبل أن تضع الملف الطبي أمامي بضجر، وتُغادر المكتب بمشية مُتمعّجة كشدقيها الذين لم يتوقفا لحظة عن الاجترار. مّا إن قرأتُ الاسم على الملف، حتى سألتُ الرّجل إن كانت ابنته تنتظر في الخارج؟ فأومأ برأسه بالإيجاب، وعاد إلى تهديداته ومُطالبته بالقصاص. كنتُ لم أفق بعد من صدمة كون ابنته هي المعنيّة بالمقابلة، وأنّنا لم نقل عنها شيئا يُذكر منذ أكثر من رُبع ساعة، لمّا رأيتُ دوستويفسكي واقفا مُختبئا وراء ستارة النافذة المفتوحة، يُطلّ بجانب وجهه ويضحك في تكتم، ماسكا فمه بيده، ولحيته تهتزّ. ومن شدّة الحنق كدتُ أن أرميه بكوب القهوة الفارغ. اللّعين، هو الآخر استطاع أن يضحك على ذقني. كيف لم أتفطّن للأمر منذ البداية؟ فالمشهد برمّته لا يُمكن إلا أن يكون من وحي خياله الصّرعي.
عدتُ للرجل المُتحمسّ أكثر فأكثر لقضيّته، لأوقفه بصعوبة. ثم وجدتُ صعوبة أكبر في إخراجه من المكتب وإدخال ابنته لسماعها ومُعايدتها. أمّا «دُوستو» اللّعين، فكان يُطلّ كلّ مرّة بوجهه ليضحك ويعود للاختباء، بلا حذاقة، لتبقى لحيته الطّويلة بارزة من وراء السّتارة.
رحتُ أستمع إلى الفتاة وأحدجه بنظرة متوعّدة، على أمل أن يكفّ عن مزاحه الثقيل، ويُغادر المكتب من الشباك، كما أحسب أنّه تسلّل منه. ثم نسيتُ وجوده وأنا أستمع إلى الفتاة تقصّ عليّ مأساتها. فبخلاف رجال الشرطة الذين استمعوا إليها بكل انتباه، وأصرّوا، لغرض الدّقة والأمانة، أن تتذكر إن كان عدد المرّات التي أتاها فيها مُغتصبوها من الخلف تفوق تلك التي أتوها فيها من الأمام، أو إن كانوا جرّبوا إتيانها بالتزامن من الجهتين، فإن لا أحد استمع أو حاول الاستماع بجدّ إلى قصّتها. الكلّ يتحدّث عنها ولا أحد يُحادثها، خاصّة والدها الذي لم يترك مكانا إلا وأخذها ليعرضها فيه. لم يمرّ أسبوعان على عمليّة الاغتصاب حتى شربت الفتاة مُبيد الفئران، وقد قررت وضع حدّ لعذابها. يومان من الحبس والضرب في ضيعة منسيّة داخل زريبة للدّواب.
يومان أمضتهما في البرد بلا ثياب ولا طعام ولا شراب، يتداول عليها فيهما رُعاةٌ أجلافٌ تفوح منهم رائحة بعْر وعرق، أصرّ أحدهم أن يأتيها بغله بدلا عنه، حين فشل متاعه في الإنعاظ. لم تتوقف الفتاة عن النشيج، وهي تسرد عليّ بأنفاس ممزقة ما وقع لها في ذلك المكان المُظلم والرّطب. حتى «دُوستو» اللّعين توقف عن الضّحك وانهمرت دموعه التي أخذ يمسحها بقماش السّتارة، وأحسب أنّه لم يتوقّع أبدا أن تتطوّر الأمور بهذا الشكل.
كانت الفتاة التي لم يتجاوز عمرها التسعة عشر عاما تُعاني من اكتئاب وصدمة نفسيّة حادّة. ورغم أن أطوار الاغتصاب تحضُرها في النوم واليقظة، وتصرّ على إعادتها إلى زريبة الشيطان، كلما ظنّت لحظة أنّها نسيت ذلك، فإنّ والدها الذي يَعرضها باستمرار على القاصي والدّاني، يُعيد اغتصابها في اليوم أكثر من مرّة، ليُمعن في ذلك لمّا يحتقرها ويتجاهلها بمجرّد أن يعودا إلى البيت مساء. الكل في بيتهم يتحاشى النظر إليها أو الخوض في الموضوع. فلا وجود لأي داع لذلك، وكل شيء موجود في الملف الضّخم، الذي يُعيد الأب ترتيب وثائقه وتفحّصها كل ليلة قبل أن ينام. بغتة دخل الأب المكتب دون استئذان، مُتعللا بأنّه نسي أن يُريني أمرا مُهمّا. ابنته لاذت بالصّمت، وهو يسحب من الملف صورا لها، التُقِطت لحظات بعد أن عثرت عليها الشرطة.
كانت في حالية مُزرية وقد تورم وجهها الذي تفسخت ملامحه بفعل الكدمات والسّحجات. الأب أراني الصّور وطلب أن أمدّه حالا بتقرير مُفصّل عن حالة ابنته النّفسيّة حتى يضمّه لبقيّة وثائق الملف الذي يُعدّه بعناية ليضمن ربح القضيّة. كان وجهه قريبا من وجهي وقد عاد يُثرثر وبصاقه الرشاش يتناثر في كل الأنحاء. من أين أتيت بهذا المخلوق يا «دُوستو»؟ همست لنفسي بيأس، و«دُوستو» اللّعين، يعود للضحك، ولحيته بارزة تتراقص من وراء السّتارة. وكلما نظرت للرجل المسعور تتحرك شفته العُليا ومعها شواربه المنفوشة كقرون استشعار صراصير، ينتابني يقين موجع بأن هذه الفتاة التعيسة لن تقدر على تجاوز الأمر أبدا. فالرّجل المغمور وقع على قضيّة حياته، بعد أن كان لا يؤبهُ له. ولولا ابنته المُغتصبة، لما فُتِحت في وجهه المكاتب والأبواب، ولما قابل من قابل، وحظي، لأول مرّة في حياته، بالتعاطف والاهتمام. بل أحسب أنّه مُستعدّ لاغتصابها بنفسه لألا ينتهي الأمر، وحتى يعاود الناس الالتفات إلى «قضيّته».
كان قد دعا نفسه بنفسه للجلوس وانفرد مرّة أخرى بالكلام، مُنتظرا أن أخطّ له تقريرا خطيرا ولائحة طويلة من الأدوية. إلا أنّه صُدم حين أخبرته بأنّني أخصائي نفسيّ، ما يعني بأني لن أصف لابنته أيّ دواء، ولن أمنحه أيّ شهادة طبيّة، وكل ما يُمكن أن أفعله هو أن أقدّم علاجا وإحاطة نفسيّة لابنته المصدومة. ووجدتني للمرّة الألف مُضطرّا لأن أشرح الفرق بين الأخصائي النفسي والطبيب النفسيّ.
لا أحسب أنّه فهم الفرق بين الاختصاصين، لكني مُتيقن من أنّه أدرك أنه لن يجد عندي ما كان يطلبه، لأنّه أعاد بسرعة وثائقه الثمينة إلى داخل الملف كيفما اتّفق، وقبض على يد ابنته في تشنج وسحبها خارج المكتب ونظراتها المذعورة تتوسل إليّ بألا اتركه يأخذها.
كلّ ذلك الجنون انتهى بغتة. ووجدتني مع دوستويفسكي وحدنا في المكتب. أيّها الوسخ اللعين، صحتُ، وقذفته بالكأس، فأخطأتُه لتخرج من النافذة المفتوحة وتتدحرج على عُشب الحديقة دون أن تتكسّر. الملعون برز من وراء الستارة وقفز خارج النافذة ليتدحرج بدوره على العشب وينهض راكضا مُقهقها. ومن شدّة الغيظ وجدتني أرتمي خلفه لأقبض عليه. لكنّه لم يخط خطوتين حتى تهاوى على العُشب مرّة أخرى، وأخذ يتمرّغ هذه المرّة في تشنّج عنيف. كان فاقدا للوعي وقد اعوجّ فكّه السّفلي وأخذت عيناه تطْرفان بقوّة وخرج من حلقه صوت شخير مُرعب. كانت نوبة صرع فُجائيّة جعلتني أقف حائرا في مّا سأفعله به. ثم إني عطفت عليه وأملتُ رأسه على جنبه قليلا وتركته ممددا على الأرض وبقيت أتفقد تنفسه إلى حين بدأت النوبة تنقشع شيئا فشيئا. ها قد بلّلت سروالك أيّها المُخادع، قلتُ، وأحصيتُ في كفّه المرتخية ستا أو سبعا من حبوب «الديباكين» التي يبدو أنّه لم يكن يتناولها.
هل تحتاج شيئا؟ سمعتُ صوتا يهتف من ورائي. التفت. كانت الممرّضة الشابة واقفة تضع يدها على خصرها وتُواصل مضغ علكتها الضخمة في ضجر.
أجل، أجبتُها. أعتقد أنّي في حاجة إلى عُطلة مُطوّلة.

مقالات من تونس

كوفيد-19 في تونس: انطلق الشوط الثاني..

ما الذي حدث في الصيف الماضي؟ خلال شهري تموز/يوليو، وآب/أغسطس، "يتخدر" أغلب التونسيين، ويهجرون الشأن العام، لينغمسوا في موسم الأعراس وحفلات الناجحين في البكالوريا، وعودة المهاجرين من الخارج، والاصطياف والتمتع...

للكاتب نفسه

حماقات السبعين

في عيد ميلاده الثاني والسبعين، الكاتب التونسي أيمن الدبوسي: «لا زلت أشرب زجاجة ونصف من النبيذ يوميّا وأحلم بالذهاب للعيش في أميركاخصّ الكاتب التونسي أيمن الدبوسي جريدة السفير العربي بلقاء...