داعش والأربعون مثقّفًا

ضجّ الفضاء الإلكتروني الفلسطيني في الأيّام الأخيرة بأحاديث تتعلّق بالدولة الإسلاميّة ووجودها في قطاع غزّة. جاء هذا بعد أن عثر طلاب في جامعة الأزهر بغزّة على بيان يحمل شعار الدولة الاسلاميّة القديم، ويحث على لبس الحجاب مهدداً النساء اللاتي لن يلتزمن بذلك. أمّا البيان الثاني، فلم يُوزع ورقياً، بل وُجد، هكذا، على الانترنت. وقد كان عبارة عن شتائم وتكفير وتهديد لعدد من كُتّاب وكاتبات غزّة.<br
2014-12-07

محمود عمر

كاتب من فلسطين


شارك

ضجّ الفضاء الإلكتروني الفلسطيني في الأيّام الأخيرة بأحاديث تتعلّق بالدولة الإسلاميّة ووجودها في قطاع غزّة. جاء هذا بعد أن عثر طلاب في جامعة الأزهر بغزّة على بيان يحمل شعار الدولة الاسلاميّة القديم، ويحث على لبس الحجاب مهدداً النساء اللاتي لن يلتزمن بذلك. أمّا البيان الثاني، فلم يُوزع ورقياً، بل وُجد، هكذا، على الانترنت. وقد كان عبارة عن شتائم وتكفير وتهديد لعدد من كُتّاب وكاتبات غزّة.
وعلى عكس بيان الحجاب، حظي بيان المثقفين باهتمام واسع وصل إلى أعلى المستويات، حيث أدانه عبر بيانات مضادة متلاحقة كلٌّ من الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين، والاتحاد العام للمراكز الثقافيّة، والاتحاد العام لشؤون المرأة، بل ووصل الأمر بهذا البيان الذي هبط علينا من السّماء إلى طاولة مجلس رئاسة الوزراء الذي أصدر بدوره بياناً يستنكر فيه بيان داعش ويعتبره سابقة خطيرة وانتهاكاً لحريّة الرأي والتعبير.
والحقّ أنّ البيان الذي استهدف الكتاب الغزيين، أيًا تكن الجهة التي قامت بإصداره، يمثّل بالفعل انتهاكًا لحريّة الرأي والتعبير، واعتداءً لفظياً يجب التنقيب عن مقترفيه ومعاقبتهم. لكنّ الكيفيّة التي تمّ بها التعامل معه، وتضخيم دلالاته، واستغلاله من قبل أفراد وأجهزة واتحادات وحكومات، والخروج على إثره في مسيرات، والقفز فوق ضرورة التوقف مطولاً للبحث في توقيته ومصدره وطريقة انتشاره على الشبكة العنكبوتيّة، ناهيك عن صدقيّة ارتباطه بتنظيم الدولة، لهي انتهاك مواز أشدّ فداحة لحريّة النقد والتفكير.
والحال أنّ من يقرأ البيان ويدقق فيه يكتشف مقدار السهولة في تزويره، واحتوائه على الكثير مما يجانب الأسلوب الاعلاميّ للدولة الاسلاميّة. ناهيك عن أنّ البيان بالأسماء التي اشتمل عليها يمثّل غوصاً في أعمق أعماق "الوسط الثقافي" الغزّي الذي لا يمكن لعاقل أنّ يصدق أنّ داعش (إن هي وجدت في غزّة)، ستركز على شخوص متفاوتة المواقع والمناصب فيه، في ظلّ وجود أعداء آخرين لها أكثر وضوحاً وأهميّة، مثل حركة حماس أو حركة الجهاد الإسلامي، لاسيّما وأن كثيرين ممن وردت أسماؤهم في البيان قد غادروا غزّة بالفعل منذ زمن طويل.
ومما يزيد في العجب، وفي كمية الابتذال والتسطيح التي تمّ بهما التعامل مع المسألة، إنّ "بيان المثقفين"، على عكس بيان الحجاب، لم يوزّع ورقياً، ولم يخرج من غزّة، بل تمّ تداوله عبر صفحات التواصل الاجتماعيّ وحرص أولئك الذين نشروه، ممن كانت أسماؤهم واردة فيه وممن لم تكن، حرصوا على نشره باستخدام تعابير غامضة تحاول القفز فوق الكيفية التي عثروا فيها على هذا البيان، لتنتهي وتركّز حصرًا على وجوب الردّ عليه واستنكاره. لقد أشبع هذا البيان الموغل في السخافة، على ما يبدو، حاجة الكثيرين لاختراع داعش صغيرة على مقاسهم، داعش في غزّة التي تمسك أجهزة أمن حماس بزمام الأمور فيها وتطالب رام الله بالسيطرة الكاملة عليها، داعش يمكن إدانتها، وخوض الحروب ضدّها، وكتابة القصائد في هجائها، وكشف زيف ارتباطها بالرّب الذي يحبُّنا نحن ولا يحبُّها.
وإذا كانت داعش مكروهة لأسباب عديدة منها أنّها "ظلاميّة"، فإنّ الغالبية العظمى من الذين وصلهم هذا البيان و"فوجئوا" به وعقّبوا عليه كانوا ظلاميين على طريقتهم، حيث لم يبالوا بتسلّيط الضوء على الطريقة التي وصل إليهم عبرها هذا البيان، وتوقيت وصوله الدقيق، والوسيط الذي استخدمته داعش لإيصاله إليهم، ما قد يدفع في اتجاه كشف الفاعل، بل اكتفوا بنشره وتلقي التهاني التقدميّة لأنّهم قضّوا مضجع التنين الداعشيّ.
لقد أفشلت هذه المقاربة الطقوسيّة لبيان المثقفين وفحواه كلّ إمكانيّة للبحث الجدي في مضامينه واستخدامه، من جهة معناه لا مبناه، لمحاولة سبر أغوار الواقع الجهاديّ في قطاع غزّة وطرح السؤال الكبير: هل لدينا "داعش" في غزّة بالفعل؟ هل يمكن أن نعتبر هذه البيانات إرهاصات مشوّهة، منزوعة الكافيين، تسبق انبلاج فجر التنظيم الفعليّ؟ هل يمكن أن تصير هذه البيانات "موضة" يستخدمها كلّ من يريد تخليص إشكال شخصي من مجموعة من النّاس، أو كلّ جهاز أمنيّ يريد تطبيق أجندته؟ هل يجب أن نتوقّع، من الآن فصاعداً، أنّ أيّ إشكال أمني في غزّة ستتبناه داعش؟
إنّ كلّ الذين خاضوا الحرب المتوهمة ضدّ خيالاتهم عبر بوابة هذا البيان - النكتة، من الأفراد المعنيين إلى اتحاد الكتاب وصولاً إلى مجلس رئاسة الوزراء، قد فشلوا في تعريفنا، نحن الجمهور، بتفاصيل الواقعة التي وقعت، ولم يكلفوا أنفسهم عناء التعامل نقديا معها، أو أقلّه المطالبة بفتح تحقيق جدّي في الموضوع. لكنّ هؤلاء، من ناحية أخرى، نجحوا جميعا في ابتذال أنفسهم أشدّ الابتذال بأن خاضوا معركة بلاغيّة بحسابات شخصيّة وحزبيّة ولبناء أمجاد مجوّفة، وصوّروا لنا داعش وقد تركت كل معاركها ودخلت غزّة لتجلس في واحد من مقاهي المثقفين، تشعل سيجارة، تفتح حسابها على الفيسبوك وتشرع في صياغة أفظع عبارات التكفير والتهديد لكلّ الزملاء والزميلات الجالسين من حولها.
ولكي تكتمل فصول هذه المسرحيّة، نشرت مواقع إخباريّة فلسطينيّة في السابع من هذا الشهر ما يفترض أنّه بيان جديد للدولة الإسلامية - ولاية غزّة، حيث تعلن فيه هذه بفرعها الغزّي المُتخيّل براءتها من بيان الهجوم على الكتّاب، كما وتقدّم اعتذارها من كلّ الواردة أسماؤهم في البيان الأوّل، واضعةً قبل اسم كلٍّ منهم لفظ المواطَنة (!)، مؤكدة أنّ هدفها هو حماية المواطنين لا ترويعهم.

 

مقالات من غزة

غزّة: حرب على النفوس

مجد كيّال 2020-01-09

تلاوة الإحصائيّات التي تلخّص الأوضاع، مهما صَعقت، فهي قلّما تلتقط أحد العوامل المركزية في مأساة غزّة: التأرجح الدائم على حدود انفجار الكارثة – وهو تأرجح تصنعه إسرائيل بشكل إرادي ومقصود...

للكاتب نفسه

لا نريد «رام الله» أخرى هنا

محمود عمر 2014-10-22

«ما حققناه، وأقول هذا تواضعًا، هو أننا خلقنا رجالاً جددا»: الجنرال كيث دايتون، مدير المركز الأمني الأميركي في الضفّة الغربيّة، في خطابه أمام معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى.قدّمت الحكومة الفلسطينيّة...

شباب غزّة المهاجر مات مقتولاً

محمود عمر 2014-09-17

في واحدة من أعذب أغنياته، غنّى وليد عبد السلام لغزّة، المدينة التي لم تخن بلدها. المدينة التي جاعت ولم تقدّم سَمَكها للاحتلال. غزّة، بحق، لا تعرف الخيانة، ولا تحيد عن...