حكايات ساحات التظاهر العراقيّة بعدسات "المجازفين بحياتهم"

توثيق لنشاط الساحات وأبطالها في عشر محافظات عراقية، هي بغداد والناصرية والبصرة وكربلاء والنجف وواسط وبابل والسماوة والديوانية وميسان. قام به فنّانون فوتوغرافيون. نلمس ما عايشوه من حذر تجاه مخاطر متعدّدة، بينما كانوا يلاحقون التظاهرات، ويرصدون الوجوه الجديدة للعراق. وهذا عدا التهديد والملاحقة لهؤلاء. وثمّة رصاص ضرب بعض عدساتهم، وثمة إجبار لبعضهم على الهرب المؤقّت..
2020-12-03

حسام السراي

كاتب وصحافي من العراق


شارك
نصب الحرية، بغداد. تصوير: زياد متي

تم انتاج هذا المقال بدعم من مؤسسة روزا لكسمبورغ. يمكن استخدام محتوى المقال أو جزء منه طالما تتم نسبته للمصدر.

● هاتف فرحان: "الوجود في مثل هذا الحدث، يجعلني شاهداً عليه في زمن يسعى الكثيرون فيه لطمس الحقيقة وفقاً لتوجهاتهم، وهذا مكسب مهم، إضافة إلى تعلّمي السيطرة على ما أنجزه وسط الضغوطات".

● علي دبدب: "تعرّفت على جيل قويّ جعلني أشعر بالفخر بعراقيتي وبشبابنا الواعد".. هكذا يختصر أهمّ ما خرج به من الاحتجاجات التي شارك فيها متظاهراً ومصوراً محترفاً.

● علي نادر ركّز في صور "ثورة تشرين" على تبيان خطورة القنابل المسيلة للدموع، وقام بإنتاج قصص صحافيّة تنقل للعالم أفضل صور عن حياة المعتصمين داخل الساحات، وتعاونهم معاً.

● زياد متي ذهب إلى ساحة التحرير محمّلاً بتجربته السابقة في إبراز جماليات بغداد وتفاصيلها حتّى في أحلك ظروفها، يوم كان الإرهاب يضرب المدينة فتأتي صور متي وهي توثّق زخات المطر على جسر الشهداء، أو على شوارع المدينة المتعبة التي ينفخ المارّة فيها الحياة.

● محمود رؤوف يحب بشكل خاص الصور التي تمكّن فيها من إظهار الاندفاع الشبابي لتأسيس كيان ناجح في الساحة خارج نطاق الخراب المحيط، ومنها صور حملات التنظيف وصبغ الأرصفة وفعاليّات الرسم على جدران نفق التحرير وغيرها من مبادرات تحتفي بالكتاب في خيم عدة.

● محمّد علاء الدين رأي في التظاهرات الأخيرة فرصةً لإظهار جوانب مشرقة من حياة العراقيّين، وهم يتكافلون ويتعاونون داخل الساحات، قبل أن يحاصرهم العنف، وتتدخل الأحزاب في الاحتجاجات بالاشتغال على تشويهها.

● أحمد المهنا، المراسل الحربي، قتل قرب جسر السنك، برصاصة وطعنة سكين، وتهشّمت كاميرته برصاصة ثانية. في حالتي أيّام الحرب ضد داعش والتظاهر في ثورة تشرين، بقيت الكاميرا بيده حتّى اللحظة الأخيرة من حياته.

● حاتم هاشم: ما علق في ذاكرته عن تلك الأيّام كان يخص "المواقف غير المتوقعة في كسر الحواجز المذهبيّة والطبقيّة، وفيها إصرار على التخلّص من عادات وتقاليد اجتماعيّة متخلّفة".

● عيسى العطواني: يظهر هاجس استعادة هويّة مدينة بابل، في أعماله عن خروج الطالبات البابليات بأعداد كبيرة لمساندة المتظاهرين ولقيادة جموعهم أيضاً. هذه الصور يعدّها الأهمَّ بين ما التقطه أيّام "ثورة تشرين".

● كرّار العسّاف: لاحتجاج النجف معنى كبير يرتبط برمزية المدينة وخصوصيتها ودورها في العملية السياسيّة بعد 2003، وقد شكّل الجيل الجديد من الشابات والشبان، مؤشّراً على صعود فاعل آخر غير الفاعِلَين الديني والسياسي- الحزبي. "يوميات الثورة مسلسل من الدم بمقابل سلمية الشباب".

● غزوان باقر يقول أن أكثر الصور أثراً في نفسه هي تلك التي تخص امرأة مسنة صادفها وكانت تتكلّم مع صورة ابنها الوحيد الذي استشهد في تشرين الثاني/نوفمبر 2019 في مجزرة قمع التظاهرات على جسر الزيتون، في الناصرية بمحافظة ذي قار.

● حسين فالح من البصرة واجه غضب المتظاهرين الذين تصوّروا بأنّه، ومن معه فريقٌ لإحدى قنوات الإعلام الحكومي. لكنه استمرّ بتصوير الجرحى، وهم يصرخون من الألم: "هذه الصرخات ما زالت ترن في أذني".

● حيدر داود الربيعي وجد في الاحتجاج فرصةً لحوار لم يكن مألوفاً بين "شباب وشيّاب البصرة"، كما انتابته مخاوفُ كثيرة من الاستمرار بتصوير التظاهرات التي حرص فيها على تقديم صورة شاملة للروح العراقيّة المتوثّبة في الساحات.

*****

مرّ عامٌ كامل على انطلاق ما صار يسمّى بـ "ثورة تشرين". نحن اليوم أمام لوحات اجتماعيّة متتالية من مآثر وتآزر، كانت مفاجئة حتّى للمجتمع نفسه، حيث ملامح الشابات وزملائهنَّ تتصدّر واجهة الحدث العراقي في ميادين مختلفة.

لحظة تشرين التي جوبهت بالكثير من العنف والاستهداف والتشويه، يمكن عدّها واحدة من أهمّ وأكبر الثورات، والحراكات الاحتجاجيّة في تاريخ العراق المعاصر. وعبر مئات الصور التي تعيدنا إلى تلك الأيّام، نكون مع فرصة جيّدة لمراجعة ما قام به الفنّانون الفوتوغرافيون في هذه الأجواء الثوريّة. نلمس ما عايشوه من حذر في محفل مخاطر متعدّدة، بينما كانوا يلاحقون التظاهرات، ويرصدون الوجوه الجديدة التي تريد أن تقول إنّ للعراق شبابه وبدايته المختلفة عما سبقه من عقود ضيّعت الكثير من فرص بناء هذا البلد.

غير التهديد والملاحقة لهؤلاء، ثمّة رصاص ضرب بعض عدساتهم، وإجبار لبعضهم على الهرب المؤقّت أو غير المعلوم، خوفاً ممّا يمكن أن يستهدفهم لقاء شجاعتهم في توثيق نشاط الساحات وأبطالها في عشر محافظات عراقية، هي بغداد والناصرية والبصرة وكربلاء والنجف وواسط وبابل والسماوة والديوانية وميسان.

هنا شهادات خاصّة لعدد من هؤلاء الفنّانين، مع عرض لصورة مختارة مما التقطه كل واحد منهم.

هاتف فرحان: بين ضفتين

هاتف فرحان، عضو جمعية المصورين العراقيين، من بغداد

الفنّان هاتف فرحان من المصوّرين المعروفين في بغداد، كان من أوائل المندفعين نحو ساحة التحرير في مهمّة يصفها بـ "تجربة غنيّة أضافت لي الكثير"، لأنّه يعتبر أنّ "الوجود في مثل هذا الحدث، يجعلني شاهداً عليه في زمن يسعى الكثيرون فيه لطمس الحقيقة وفقاً لتوجهاتهم، وهذا مكسب مهم، إضافةً إلى تعلّمي السيطرة على ما أنجزه وسط الضغوطات".

أمّا أقرب صورة إليه، هي تلك التي يظهر فيها المعتصمون في ضفة، وفي الضفة الأخرى القوات الأمنيّة، وفيها اختزال لنوع العلاقة بينهما. الفراغ بين الضفتين كأنّه يشير إلى الهوة بين مطالب المتظاهرين، وبين عدم الاستجابة إليها.

"تظاهرات تشرين منعطف تاريخي مهم، وسابقة في مستوى التظاهرات كونها الأكبر والأطول في تاريخ البلد". من منطلق توصيفه لهذا الحراك، ينظر إلى أن "كلّ ما يمت إليه بصلة مهم جدّاً" وبالأخصّ بعد أن تحوّلت التظاهرات إلى اعتصام مفتوح بطريقة جماليّة وفنيّة.

علي دبدب: مغامرة عظيمة

علي دبدب، مواليد بغداد 1991، خريج معهد الفنون الجميلة.

هناك من كان متظاهراً وفنّاناً فوتوغرافيّاً في الوقت نفسه، كعلي دبدب الذي عُرف عنه أنّه ركّز على خطوط المواجهة والتحدّي في ساحات التظاهر، إذ وثقت عدسته فوهات البنادق التي كانت تحيط بالساحات، ولحظات الإقدام الشبابي للثبات في ساحة التحرير، وتنقّل علي (المصوّر والمتظاهر) بين أرجاء الساحة وخيمها وامتداداتها في الشوارع.

دبدب من الأسماء التي لاقت صورها في التظاهرات اهتماماً استثنائياً، يصف حصيلته منها بأنّها "مغامرةٌ عظيمة" كسب فيها ثقة الناس لدوره في نقل الأحداث في الوقت الذي كانت فيه الإشاعات هي سيّدة الموقف.

"تعرّفتُ خلالها على جيل قويّ جعلني أشعر بالفخر بعراقيتي وبشبابنا الواعد" هكذا يختصر أهمّ ما خرج به من الاحتجاجات.

لحظة استشهاد زميله المصوّر أحمد المهنا في ما يسمّيه بـ "مجزرة السنك"، كانت أصعب ما مرّ عليه من تلك الأيام، "بعد دخول الأحزاب وقمع المتظاهرين ليلتها، وعدت أحمد أنّي سأكمل ما بدأ به في تغطية الأحداث".

مقالات ذات صلة

تهديدات عدة وصلت لدبدب، أوّلها أتى من مجهول أجبره هو وعائلته على الخروج من العراق في تشرين الأول/أكتوبر 2019، ليعود وحده إلى بغداد ويكمل مشواره مع التظاهرات. حينها نجا من أربع إصابات قاتلة لاح بعضها معدات التصوير الخاصّة به، وتعرّض لرضوض في جسده، لتنتهي قصّته مع الساحة بتهديد أخير من داخلها منعه من مواصلة حضوره هناك.

يعتزّ بجميع صوره، لأنّ كلّ واحدة منها كانت "مشروع إصابة أو موت محقق"، انشغل فيها بإظهار تفاصيل غير منظورة في التظاهرات، تبيّن حالاتها الإنسانية في "صور ناطقة تحمل رسالة لا تحتاج إلى شرح أو توصيف" على الرغم من تصرفات فرديّة، وأخطاء شابت بعض أيّامها استغلتها ماكينات إعلاميّة مسيّسة.

علي نادر: للقنابل قصصها

علي نادر، من بغداد، دخل عالم التصوير في العام 2014، عمل لصالح وكالات ومواقع عراقية وعربية.

أمّا علي نادر فقد انخرط في تصوير الحراك منذ ليلة 25 تشرين الأوّل /أكتوبر 2019، "كانت هذه أصعب ليلة داخل المطعم التركي في الطابق 13، وأنا أحاول توثيق كلّ ما أستطيع من الصور والفيديوهات لقنابل الغاز والفلفل والرصاص. أمّا أقسى موقف فيها فكان عندما سقطت بقربي قنبلة غاز مسيلةُ دموع وكادت أن تهشّم قدمي"، هذا ما يتذكره نادر عن بداية تجربته مع التظاهرات.

ومن ثمّ تعرض للإصابة يوم 24/1/2020 قرب محطّة وقود الگيلاني، وهو يصوّر العصيانات وقطع الشارع، حينما حاول إنقاذ صبي من أيدي قوات مكافحة الشغب، ليجد نفسه في مستشفى الكندي بعد أن أغمي عليه من ضربات على الرأس.

نادر ركّز في صور "ثورة تشرين" على تبيان خطورة القنابل المسيلة للدموع، وإنتاج قصص صحافيّة تنقل للعالم أفضل صور عن حياة المعتصمين داخل الساحات، وتعاونهم معاً.

زياد متي: بلاغة المشهد

زياد متي، فنّان فوتوغرافي برزت تجربته بعد العام 2014 في إظهار ملامح الحياة البغداديّة.

زياد متي، مصوّرٌ تميّزت أعماله بأنّها تخلق أيقونات من بعض الأمكنة والوجوه والحالات، حينما يقدّمها للمتلقي برصد ذكي نتاجَ تجربة سابقة في إبراز جماليات بغداد وتفاصيلها حتّى في أحلك ظروفها، يوم كان الإرهاب يضرب المدينة، فتأتي صور متي وهي توثّق زخات المطر على جسر الشهداء، أو على شوارع المدينة المتعبة التي ينفخ المارّة فيها الحياة.

بكلّ هذه الطاقة والتفكير الإيجابي، ذهب هذا المصوّر إلى ساحة التحرير، ليسجّل هناك موقفه عبر المئات من الصور التي واكبت ثورة الشباب، ولتأخذ كلّ صورة له بلاغتها من المشهد الذي يقتنصه، مرّة من وجه مسعفة بين المتظاهرين الجرحى، ومرّة أخرى من علم مائل على ظهر أحد الشباب، وثالثة من عبارة "نريد وطن" مكتوبة على الثلج النازل وهو يغطي خيمة المعتصمين وسط التحرير، وصور أخرى تحمل مفارقاتها وخصوصية لحظتها.

محمود رؤوف: صور للأمل

محمود رؤوف، مواليد 1974،بغداد، نشرت أعماله في وكالة رويترز ومجلة "دير شبيغل ، وفاز بجوائزَ عدة.

محمود رؤوف من الجيل الذي امتلك خبرة منذ العام 2003 في متابعة أحداث الساحة العراقيّة وتوثيقها بكاميرته، فجاءت ثورة الشباب ليجد فيها ما يجدّد أمله بالبلد. أصعب ما مرّ به هو عندما أراد اقتناص لقطات مميّزة لشباب متظاهرين، فاخترقت رأس أحدهم قنبلة غاز مسيل للدموع، فأجّج هذا الموقف صراخه الذي تكرّر لتساقط شباب آخرين أمامه.

في حصيلته الفوتوغرافيّة ما يجسّد رغبته بالتقاط صور فيها حركة وألوان، مثل هتاف المتظاهرين وتعابير وجوههم وما يعتلي رؤوسهم من شعارات ولافتات، مثلما حاول أن يظهر العلم العراقي، وكأنّ تموّجات قماشته كيانٌ مشارك في الاحتجاج وجزء بنيوي منه.

أقرب الصور إلى قلبه تلك التي أظهر فيها هذا الاندفاع الشبابي بتأسيس كيان ناجح في الساحة خارج نطاق الخراب المحيط، ومنها صور حملات التنظيف وصبغ الأرصفة وفعاليّات الرسم على جدران نفق التحرير وغيرها من مبادرات تحتفي بالكتاب في خيم عدة.

وبعد تحذيرات مختلفة من القوات الأمنية - فيها تلويح باعتقاله إذا ما استمرّ بتغطية التظاهرات - احتجز محمود ليوم واحد ثمّ أطلق سراحه، كما أصيب بقنبلة غاز مسيل للدموع أدت إلى إصابات في ظهره. سبيله للإفلات من المضايقات والملاحقات اليوميّة، كان بتغيير دائم لطرق دخوله إلى "التحرير"، ليكمل شهوراً طويلة مع هذا الحدث الكبير.

محمد علاء الدين: وجوه متكافلة

محمّد علاء الدين، مواليد بغداد 1991، خريج كلية الإعلام، يعمل مصوّراً متطوعاً منذ العام 2008.

تقديم صور متعدّدة عن الحياة البغداديّة، هو ما اهتم به محمّد علاء الدين منذ العام 2008. وقدّم تجربته في التصوير على وسائل التواصل الاجتماعي. كانت التظاهرات الأخيرة بالنسبة إليه فرصةً لإظهار جوانبَ مشرقة من حياة العراقيّين، وهم يتكافلون ويتعاونون داخل الساحات قبل أن يحاصرهم العنف، وتتدخل الأحزاب في الاحتجاجات بالاشتغال على تشويهها.

يعدّ محمّد الحضور في التحرير صعباً بمجمله، بسبب المخاطر المحتملة هناك، حيث المصادفة وحدها هي من أنجته من محاولة اختطاف يوم انتهى من التصوير وغادر الساحة مساءً، عدا تعدّيات أخرى على مواقع التواصل من قبل مشككين بوطنية هذا الحراك.

في أعماله لا يتحدّد بموضوع معيّن، إنّما تفرض عليه يوميات التظاهرات ما يستحق الرصد بالكاميرا، والأهم عنده الظفر بصور تبيّن عفوية الشباب، ومطالبهم الحقّة وسط حملات أرادت أن تَنسب بعض الأعمال التخريبية للمتظاهرين والمعتصمين السلميّين.

أحمد المهنا: رصاصة وطعن بسكين

أحمد المهنا، مواليد بغداد 1995، عمل في الإعلام الحربي بعد احتلال داعش لعدد من المدن العراقيّة، استشهد قرب جسر السنك في 6 كانون الاول/ديسمبر 2019.

من ساحات المعارك ومراحل المواجهة مع داعش، إلى الحضور في ساحة التحرير، انتقالةٌ لأحمد المهنا من الاحتماء بالسواتر من الرصاص، إلى ساحة كتبت نهايته برصاص آخر كان يتجنّبه. وفي حالتي أيّام الحرب والتظاهر بقيت الكاميرا بيده حتّى اللحظة الأخيرة من حياته.

المهنا مصوّرٌ حربي رافق القوات الأمنيّة والحشد الشعبي أيّام معاركه مع داعش، أراد أن تكون كاميرته حاضرة في الساحة، فتوجّهت عدسته إلى المشاهد الإنسانيّة في "التحرير". وفي يوم ملتبس (6 كانون الأول/ديسمبر 2019) تعرّض فيه المتظاهرون لهجوم مسلح جرت فيه مواجهات وإطلاق رصاص قرب جسر السنك، قتل أحمد في ظروف غامضة برصاصة وطعنة سكين، ومن ثمّ تهشّمت كاميرته برصاصة ثانية.

حاتم هاشم: كسر الحواجز

حاتم هاشم، مواليد بغداد 1988، عمل مصوراً حربياً وفي مجال الأفلام الوثائقية.

يعتقد حاتم هاشم أنّ توثيق "ثورة تشرين" أخطرُ عليه كمصوّر من وجوده للمهمة ذاتها في معارك التحرير من تنظيم داعش قبل سنوات: "كنت أعرف كيف أحافظ على نفسي أيّام تلك المعارك، لكن في الثورة لا تعلم من تواجه ومن أين يأتيك الرصاص والقنابل..".

أصعب المواقف التي مرّت به قرب أعمدة أجمل شوارع بغداد، وهو "الرشيد"، حيث مجموعة شباب يصدّون تقدّم عناصر من "قوات مكافحة الشغب"، ولما أصيب أحدهم لم يستطع حاتم إكمال التصوير، محاولاً إنقاذ هذا الشاب وهو في لحظاته الأخيرة يصارع الموت وسط ضرب كثيف للرصاص والقنابل.

لا يجد حاتم نفسه بمعزل عن مسلسل التهديدات، إنّما ما اختلف هو طبيعتها فقط، من عروض عمل مع جهات حزبيّة (ومعها تلميح بأنّ ذلك أفضل من تلقي مصير آخر!) أو تهديدات خفيّة عبر وسائل التواصل، ومن ثمّ تهديد مباشر وتتبع له خارج ساحة التظاهر.

ما علق في ذاكرته عن تلك الأيّام "مواقف غير متوقعة في كسر الحواجز المذهبيّة والطبقيّة، وفيها إصرار على التخلّص من عادات وتقاليد اجتماعيّة متخلّفة".

أبرز تلك المواقف عنده، حينما تحوّل الفوز في مباراة العراق وإيران التي عرُضت في شاشات بساحة التحرير، إلى "مهرجان احتفالي بين المتظاهرين، لم توقفه حتّى القنابل المسيلة للدموع التي ظلّت تتساقط عليهم وهم يحتفلون بهذه الفرحة، حالهم حال كلّ أهل بغداد الذين خرجوا إلى الشوارع في تلك الليلة".

أهمّ الصور بالنسبة لحاتم، هي ما وثّق فيها كيف كان شارع أبي نواس مكتظاً بشباب التحرير ليلاً، وهم يحملون "الليزر الأخضر" مصوبين إيّاه نحو "قوات مكافحة الشغب" لمنعهم من ضرب القنابل. فمشهد الإضاءة الناتجة عن ذلك كثيراً ما يستعيده مع نفسه.

صُور حاتم فيها مزيج من المشاعر والأحداث وردود الأفعال غير المتوقعة، في مكان بدا تكوينه العام مختلفاً حينما أثّثهُ الشباب بمبادرات تمشي على خيط من غرابة الحالة العراقيّة ونقائضها الكثيرة، حيث مجموعة فتية تلتقط القنابل للسيطرة عليها، ثمّ في الوقت نفسه تعود من حافة الخطر تلك للعب كرة القدم، أو للتعبير عن فرحتها الآنية بالرقص، أو التصفيق.

عيسى العطواني: بابل تستعيد الهويّة

عيسى العطواني، صحافي ومصور من محافظة بابل (وعاصمتها مدينة الحلّة)، عمل في عدة وكالات وفضائيات، شارك في تغطية المعارك ضد داعش بعد 2014.

لمحافظة بابلَ رمزية كبيرة في مشهد التظاهرات العام، فهي الحاضرة المُنكسرة في عراق اليوم، أُريدَ لها أن تفقد هويّتها الحضاريّة، فجاءت الاحتجاجات ليس ضدّ التردي والفشل فقط، إنّما دفاعاً عن الطابع المدني المُحاصر فيها.

لذا وبالنسبة للمصور عيسى العطواني، كان خروج أهل بابل وهم يحتجّون على سوء الإدارة وانعدام العدالة، "منظراً مفرحاً يدعو للفخر بهذه الصحوة العظيمة للناس".

مواقفُ صعبة مرّ بها العطواني خلال تغطيته لتظاهرات محافظته، منها تكسير كاميرته هو وصحافيون آخرون، وضربهم من قبل القوات الأمنيّة. ومن التهديد عبر حسابات وهميّة إلى التهديد بنصّ صريح، أجبر عيسى على التوقّف عن متابعة الاحتجاجات.

هاجس استعادة هويّة المدينة، تظهر ملامحهُ في أعمال عيسى عن خروج الطالبات البابليات بأعداد كبيرة لمساندة المتظاهرين ولقيادة جموعهم أيضاً، هذه الصور يعدّها الأهمّ بين ما التقطه أيّام ثورة تشرين، لأنّ "المرأة قدّمت نفسها هنا بشكل جديد، بعد أن عانت في العراق عموماً من الاضطهاد، لذا كان بروز صوتها وكسر القيود الاجتماعية نصراً كبيراً لها."

أكثر ما حرص العطواني على إظهاره هو "الزخم العددي للثورة؛ لأنّ المتظاهرين واجهوا العديد من الحملات التي أرادت التقليل من وجودهم، مع بعض المشاهد العفوية التي تدلّ على طهر ونقاء التظاهرة".

كرار العسّاف: في النجف فاعلٌ جديد

كرار العسّاف، صحافي ومصور عمل من النجف لصالح وكالات وفضائيات مختلفة.

كانت النجف في مقدمة المحافظات الثائرة، ولاحتجاجها معنًى كبير يرتبط برمزية المدينة وخصوصيتها ودورها في العملية السياسيّة بعد 2003، لذا شكّل الجيل الجديد هناك شابات وشباناً، مؤشّراً على صعود فاعل آخر في هذه النجف، غير الفاعِلَين الديني والسياسي- الحزبي.

مقالات ذات صلة

مهمة مصوّرٍ مثل كرار العسّاف ارتبطت بهذا المستجد في البيئة النجفيّة، فالاحتجاج عنده "مدرسة لكلّ مهني ليسجّل بصمته في السوح، وفرصة للصحافي كي يكون عيناً ترصد الكثير من الصور الإنسانيّة في زمن ومكان قد أخذت فيه هذه السمة بالتلاشي".

ما استوقف العسّاف، هو دافع وطني لدى الشباب لم يشاهده من قبل، وثبات وإصرار أكثر كلّما سقط شهيد بينهم، إضافة إلى دور النساء شابات وأقل شباباً في هذا الحدث.

يقرّ ابن النجف بتلقّيه تهديدات عديدة لم تثنه عن الاستمرار بتوثيق التظاهرات، بعضها مباشر وبعضها الآخر بتلميحات غير مباشرة.

"يوميات الثورة مسلسل من الدم بمقابل سلمية الشباب!" عبارة يختتم بها العسّاف توصيفه لتجربة ستة أشهر من التوثيق في ساحة اعتصام النجف...

غزوان باقر: حواريات جسر الزيتون في الناصرية

غزوان باقر، مواليد ذي قار 1980 متخرج من كلية الإعلام بجامعة بغداد، عمل مصوّراً لصالح عدد من المنصّات الإعلامية.

ما أن يُذكر اسم ذي قار ومركزها الناصرية، نكون أمام صمود أسطوري، ووقفة متفرّدة للشباب في ساحة الحبوبي. وبدا ذلك ملهماً لجمهرة الصحافيّين والمصوّرين هناك، ومنهم من وضعته هذه الوثبة الاجتماعيّة أمام شعور جديد بالوطنية وبالمسؤولية الكبيرة في نقل كلّ مجريات الاحتجاج.

مواقف عديدة بقيت في ذاكرته عن تلك الأيّام، أكثرها أثراً يوم صادفته امرأةٌ مسنة تتكلّم مع صورة ابنها الوحيد الذي استشهد في مجزرة قمع التظاهرات على جسر الزيتون بالمحافظة (تشرين الثاني/نوفمبر 2019).

تدابير شتّى اتّخذها غزوان ساعدته بألا يستهدفه أحد، إضافة إلى استخدامه الموبايل في تصوير أجواء الاحتجاج. ومع ذلك، وصلته تحذيرات من تهديدات محتملة لكلّ من يدعم التظاهرات إعلاميّاً، لكنّها لم تثنه في النهاية.

"الصورة العفوية هي المادّة الأساس في عملي"، بهذه العبارة يستخلص دوره في متابعة ستة أشهر من ثورة الشباب.

حسين فالح: مواجع أحمد عبد الصمد ورفاقه في البصرة

حسين فالح، من مواليد البصرة، مصور وكالة الصحافة الفرنسية Afp

(التقطتُ الصورة أعلاه في 14 تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، في مدينة البصرة، وهي لمحتجين يشاهدون مباراة جرت في عمّان بين منتخب كرة القدم العراقي ونظيره الايراني، عبر شاشات كبيرة نُصبت في ساحة الاحتجاج في المدينة. وقد تحول فوز المنتخب العراقي الى عيد وطني!)

للبصرة تاريخ شاخص في الاحتجاج العراقي. منها انبثقت شرارة التظاهرات العام 2015، وفي 2019 كانت أحد أركان الثورة الشبابيّة، حدثت فيها مواجهات كثيرة، واستهدافات لعدد من الناشطين. كلّ هذا الوضع دعا لأن يقول المصور حسين فالح: "إنّ تصوير الاحتجاجات تجربةٌ صعبة جدّاً تحتاج إلى شجاعة وقوّة خاصّةً عند اندلاع الاشتباكات بين القوات الأمنيّة والمحتجّين، وتكمن صعوبة الحصول على الصورة الصحافية عند الخطر. لذا أضافت لي هذه المرحلة الكثير من التركيز والسرعة في التقاط الصورة".

يومٌ ثقيل مرّ على حسين بعد أن أتمّ بشقّ الأنفس تصوير الاشتباكات في مدينة أم قصر، لحظات صعبة عاشها هناك، عندما تَصوّر متظاهرون غاضبون بأنّه ومن معه من فريق إحدى قنوات الإعلام الحكومي، فصبّوا غضبهم عليهم في بادئ الأمر، ومن ثمّ استمرّ بمهمته في تصوير الجرحى وهم يصرخون من الآلم، "هذه الصرخات ما زالت ترن في أذني" يقول لنا.

اغتيال الإعلامي أحمد عبد الصمد والمصوّر المرافق له صفاء غالي، في البصرة مطلع 2020، أخاف كلّ زملاء المهنة في المحافظة ومنهم حسين الذي أوجعه ما لحق بزميليه.

مقالات ذات صلة

من بين أعمال كثيرة عن الحياة هناك، يعتزّ ابن البصرة بصورة له عن متظاهر وضع يده على عدسته، لمنع التصوير. هذه الصورة صعبة التكرار لأنّها في يوم ممطر والعدسة حينها غير مخصصة للتصوير الصحافي، لذا نتجت هذه الصورة القريبة إلى قلبه وهي توضح معاناة المصور في التعامل مع الأحداث.

ما يهمه في النهاية أن يخرج بصور مختلفة عما ينتجه زملاؤه في الميدان نفسه.

حيدر داود الربيعي: خصال البصرة ومعارفها

حيدر داود، من مواليد البصرة، مصورٌ عمل لصالح عدد من الوكالات، شارك بتغطية الفعاليّات الاحتجاجيّة في محافظته.

الجديد بالنسبة لحيدر داود الربيعي أن يكتشف - خلال التظاهرات - في شباب محافظته (البصرة) قدرةً على امتلاك معارف وخصال لم يكن يتحسّسها سابقاً.

وجد هذا المصور البصراوي في الاحتجاج فرصةً لحوار لم يكن مألوفاً بين "شباب وشيّاب المدينة"، كما انتابته مخاوفُ كثيرة من الاستمرار بتصوير التظاهرات حرص فيها على تقديم صورة شاملة للروح العراقيّة المتوثّبة في الساحات.

"أهمّ صوري هي لقطةٌ أنا فيها بين المتظاهرين ومعهم لنقل الحقيقة برغم المغرضين الذين اندسوا فيها للتشويه"، هذا ما علّق به عن أكثر الصور القريبة إلى نفسه.

محتوى هذا المقال هو مسؤولية السفير العربي ولا يعبّر بالضرورة عن موقف مؤسسة روزا لكسمبورغ.

مقالات من العراق

الأنبار.. سطوة المذهب والقبيلة

ميزر كمال 2021-01-05

لم تكن الأنبار قبل 2003 مختلفةً عن بقية محافظات العراق من حيث البؤس والفقر والحصار والخوف، ولم تكن مدنها التسعة تتمتع برفاهية العيش كما هو مشاع عنها آنذاك. كان أهلها...