استفتاء على التعديلات الدستورية في الجزائر: تزوير واسع ومقاطعة شاملة

لم تشمل المشاركة إلا أكثر بقليل من 10 في المئة من مجمل الجسم الانتخابي. يُظهر الغياب الصارخ للشعب، بشكل أفضل من الكثير من التحليلات، استدامةَ وترسخ حركة شعبية قدّمها النظام وحاشيته، بصفة مبكرة جداً، على أنها انتهت.
2020-11-10

عمر بن درة

خبير اقتصادي من الجزائر، عضو في Watch Algeria


شارك
| fr
مكتب اقتراع في الجزائر. تصوير: رمزي بودينة (رويترز).

نُظّم الاستفتاء على إقرار الدستور الجديد في الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر، الموافق لذكرى اندلاع حرب التحرير في 1954، وهو جرى مع "احترام" تقاليد التلاعب والتزوير الموروثة من الفترة الاستعمارية، والتي يتقيد بها النظام بصرامة. لو أراد أصحاب القرار أن يُظهروا مدى استخفافهم بأكثر ذكرى مشحونة بالمعاني في تاريخ الجزائر، لما استطاعوا أن يفعلوا أسوأ مما فعلوه. رَدُ الجزائريين والجزائريات كان لاذعاً وواضحاً وقطعياً: وصلت نسبة المشاركة الشعبية إلى الحضيض. وحسب مراقبين ذوي مصداقية، فإن هذه المشاركة لم تشمل إلا أكثر بقليل من 10 في المئة من مجمل الجسم الانتخابي. يُظهر الغياب الصارخ للشعب، بشكل أفضل من الكثير من التحليلات، استدامةَ وترسخ حركة شعبية قدّمها النظام وحاشيته، بصفة مبكرة جداً، على أساس أنها انتهت. ومع ذلك فإن الوقائع واضحة لا لبس فيها: نسبة المشاركة المتدنية بشكل غير مسبوق هي التعبير الانتخابي للحراك الشعبي. الجزائريون والجزائريات أظهروا بشكل جلي تجاهلهم السياسي العميق للمناورات البالية، وكان ذلك أبلغ من السخط أو الغضب. وسعياً منهم لنقل بعض الصورة المتلفزة من مكاتب التصويت، استنجد كاتبو سيناريو هذه المسخرة البائسة بالكومبارس، وكان من الجلي أنهم عسكريون يرتدون ملابس مدنية، لمحاكاة إقبال شعبي غير قابل للتصديق...

لكن سلطة الأمر الواقع وجدت نفسها مجبرة على الأخذ بعين الاعتبار واقعاً يستحيل إخفاؤه، ولمرة واحدة، إذاً، زينت هذه الأرقام بشكل "عقلاني" مكتفية بنسبة مشاركة رسمية تتجاوز بقليل 23 في المئة من الجسم الانتخابي. وهو ما يمثل أدنى رقم على الإطلاق يقر به نظام معتاد على تضخيم نتائج طقوسه الانتخابية. وبطبيعة الحال، وبدلاً من الاعتراف بهذا النبذ الصريح، فضّل المتحدثون الرسميون التأكيد بأن "أغلبية المصوّتين" قد وافقوا على تلاعب دستوري آخر، وقد ادعَوا أنه يستجيب بشكل كامل ونهائي لتطلعات الحركة الشعبية، هذا الحراك المعلق بسبب الوباء.

كان هذا الاقتراع الذي تجاهله الناخبون ليكون مجرد مناورة سخيفة أخرى لو أنه لم يجرِ في سياق اجتماعي - اقتصادي شديد القتامة. إذ أن الاقتصاد الجزائري، المتضرر أصلاً من تراجع عائدات تصدير المحروقات، يعاني بشدة من التأثيرات القاسية لوباء كوفيد-19. انحسار النشاط الاقتصادي محسوسٌ بشدة، ويقدر خبراء اقتصاديون مقيمون في الجزائر أن الناتج الداخلي الخام تقلص بنسبة تقارب 6 في المئة خلال الفصلين الأولين من العام الجاري. أما البطالة - عند الشباب خاصة - والتي كانت تبلغ أصلاً مستوى لا يطاق، فإن نسبها ترتفع بشكل جارف ضمن وضع عام يتصف بالإدارة الكارثية لأزمة الوباء، وارتفاع الأسعار، وشح الأدوية، والتدهور الظاهر بشدة لظروف عيش الفئات الأكثر هشاشة. وكدلالة لا تقبل الدحض على غياب البدائل، فإن ظاهرة الهجرة غير النظامية، أو "الحرقة" كما تُسمى في الجزائر، والتي كانت قد تراجعت خلال المرحلة النشطة للحراك، عادت الآن بشكل واسع .

يزيد تدهور الظروف الاجتماعية – الاقتصادية من تدهور وضع سياسي يتصف بالوهن العام وقمع ناشطي الحراك. ويسلط القضاء الجزائري، الذي يطلق سراح لصوص معروفين ومرتبطين بقمة النظام، بشكل واسع أحكاماً قاسية على صحافيين شرفاء ومواطنين مسالمين، الأولون لأنهم قاموا بعملهم، والآخرون بسبب تعليقات أو فيديوهات شاركوها على شبكات التواصل الاجتماعي. كل الحريات منتهكة، والمشهد السياسي مغلق بإحكام، ومحجوز لشخصيات رديئة عديمة الموهبة، ووسائل الإعلام خاضعةٌ بشكل كلي للشرطة السياسية.

يقدر خبراء اقتصاديون أن الناتج الداخلي الخام تقلص بنسبة تقارب 6 في المئة خلال الفصلين الأولين من العام الجاري. وقد عادت الهجرة غير النظامية – الحرقة – إلى الارتفاع بشكل كبير بعدما كانت اختفت خلال عام الحراك.

هذا الدستور المعدل هو توطئة لإعادة ترتيب شكلي لمؤسسات صورية، وذلك خاصة عبر تنظيم انتخابات تشريعية موجهة لمكافأة شبكات النظام الزبائنية، وإبلاغ الرعاة الأجانب، وهم السند السياسي الوحيد والحقيقي للقبة العسكرية - البوليسية، بأن البلاد انخرطت في مسار ديمقراطي. الرسالة الموجهة إلى الشعب الجزائري واضحة حتى وإن لم تخدع أحداً: كما الأمر مع استبعاد بوتفليقة، فإن هذا الدستور يستجيب لمطالب إقامة دولة القانون والديمقراطية التي رفعها الحراك، وبناءً عليه تنتفي أسباب وجوده.

سهلت الإكراهات التي يفرضها وباء كوفيد المستجد استراتيجية التقهقر السلطوي هذه. في الواقع يظهر فيروس كوفيد-19 كحليف غير متوقع للنظام، مجبراً الحراك الذي انطلق في شباط/فبراير 2019 على تعليق مظاهراته الأسبوعية في آذار/مارس 2020. لكن وباستثناء المكلفين بالدعاية للنظام، وبعض هذيانات أتباع نظريات المؤامرة الذين يصورون هذه الحركة الواسعة كنتاج لتلاعب بوليسي، يندر أن نجد من يعتبر أن الحراك مرحلة وجيزة، وأنها قد انتهت. بالتأكيد، بعد عودة صمت الجمعات الخالية من المظاهرات، بدا وكأن النظام يسترد زمام المبادرة عبر تكميم الأفواه والقمع. لكن انتكاسة الاستفتاء الجلية بينت للذين سارعوا لقراءة خطاب تأبين الحراك أن حدادهم صادقاً كان أم متصنعاً، كان سابقاً لأوانه.

وبالفعل، يبدو أن سلسلة الفرص المواتية للنظام قد قطعت فجأة بسبب مرض رئيس الدولة الذي نُصّب في كانون الأول/ ديسمبر 2019 عقب انتخابات لا تقل تلاعباً وتزويراً عن هذا الاستفتاء. نقلُ "الرئيس" تبون إلى ألمانيا في 28 تشرين الأول/ أكتوبر الفائت – استبعدت فرنسا بكل تأكيد لتفادي التذكير بملابسات الاحتضار السياسي الطبية القاتمة لسابقه - يقوض بشكل حقيقي أسس بناء متهالك بطبيعته. مهما كان تطور الحالة الصحية لخادم النظام البالغ من العمر 74 عاماً، والذي اختير كواجهة مدنية للجنرالات، فمن الجلي أن وضعه حرج، وأن التوازنات في قمة السلطة أصبحت موضع تساؤل. وما لم يتعافَ بشكل واضح وسريع وكامل، فإنه سيتوجب استبدال عبد المجيد تبون على المدى القصير أو المتوسط. يجب أن يتفق أصحاب القرار في القبة العسكرية - البوليسية على اسم جديد ليشغل منصباً حيوياً في إدارة النظام. وكما علمتنا التجارب السابقة فإن هذه العملية شاقة ومولّدة لتوترات حادة بين مختلف جماعات المصالح في السلطة.

الدستور المعدل هو توطئة لإعادة ترتيب شكلي لمؤسسات صورية، وذلك عبر تنظيم انتخابات تشريعية موجهة لمكافأة شبكات النظام الزبائنية، وإبلاغ الرعاة الأجانب، وهم السند السياسي الوحيد والحقيقي للقبة العسكرية - البوليسية، بأن البلاد انخرطت في مسار ديمقراطي.

الجواب الوحيد للمطلب المبدئي للحراك يكمن في إبطال العمل بالقوانين الاستثنائية، وإلغاء الآليات القامعة للحرية والمعطلة للحياة السياسية.

يفاقم مرض الرئيس هشاشة المنظومة، ويوسع دوائر عدم اليقين التي تحيط بالحياة الاجتماعية والسياسية للبلاد. تتسارع الاستحقاقات الاقتصادية بشكل محتوم، ولا يبدو أن سلطات الأمر الواقع تقدّر مدى خطورتها. يواصل النظام، بين تدبير ترقيعي وآخر، هروبه إلى الأمام راجياً أن يجهد الحراك في آخر الأمر، وأن يكتفيَ الشعب بالديمقراطية الصورية التي يمنحه إياها. من جهته، ينتظر المجتمع - الذي تعلم الكثير من سنوات الدم - بصبر متفادياً مناورات النظام، ورافضاً تعيين ممثلين عن الحراك (على الرغم من التعليمات النيوكولونيالية ) نظراً لكونه يعي جيداً قدرات النظام على إفساد وتقويض كل شيء، ومتمسكاً بشرطه الأول المتمثل في إرساء دولة القانون. هذا المطلب يرفعه الشعب، ولا يحتاج إلى سعاة "يفاوضون" بشأنه مع أصحاب السلطة. الرأي العام اليقظ والمسيس يقيم بشكل واعٍ مبادرات النظام، كما أظهرت ذلك مقاطعة استفتاء 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020.

الخدع الدستورية، مثلها مثل الانتخابات المزورة، تمثيلياتٌ زائفة لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تعطيَ إطار تسوية لمواجهة بين منطقين متضادين بصفة مباشرة. الجواب الوحيد للمطلب المبدئي للحراك يكمن في إبطال العمل بالقوانين الاستثنائية، وإلغاء الآليات القامعة للحرية والمعطلة للحياة السياسية. في فضاء النقاش الحر ستحدد قدرات الشعب الخلاقة، بحكمة وتبصر، لكن بشكل مستعجل، طرقَ ووسائل حل الأزمة التي تضخمت على مدى الأشهر الماضية مترافقة مع تبعات غير مسبوقة.

______________

1-انظر مقال "المهاجرون الجزائريون يتدفقون على السواحل الإسبانية" لساندرين موريل، نشر بالفرنسية على موقع صحيفة "لوموند" بتاريخ 27 تشرين الأول/ أكتوبر 2020.
2-انظر افتتاحية صحيفة "لوموند" الفرنسية بتاريخ 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2020، "في الجزائر، الانتصار الصامت للحراك".

مقالات من الجزائر

الحراك الجزائري في زمن الحجر الصحي

عمر بن درة 2020-11-06

القطيعة بين النظام والجزء الأكبر من المجتمع الجزائري أصبحت ناجزةً بشكل لا يمكن إصلاحه، مع اقتحام ملايين المتظاهرات والمتظاهرين، بشكل فجائي وعلى نطاق واسع، الساحة السياسية التي كانت إلى حد...

الصحافي ليسَ شرطيّاً… دائماً

في العاشر من آب/أغسطس، انتهت محاكمة الصحافي الجزائري خالد درارني، الذي كان موقوفاً احتياطياً منذ آذار/مارس، مع بداية الحراك الذي انطلق في 22 شباط/فبراير. حُكم عليه بثلاث سنوات حبس بتهم...

للكاتب نفسه

الحراك الجزائري في زمن الحجر الصحي

عمر بن درة 2020-11-06

القطيعة بين النظام والجزء الأكبر من المجتمع الجزائري أصبحت ناجزةً بشكل لا يمكن إصلاحه، مع اقتحام ملايين المتظاهرات والمتظاهرين، بشكل فجائي وعلى نطاق واسع، الساحة السياسية التي كانت إلى حد...