الحراك الجزائري في زمن الحجر الصحي

القطيعة بين النظام والجزء الأكبر من المجتمع الجزائري أصبحت ناجزةً بشكل لا يمكن إصلاحه، مع اقتحام ملايين المتظاهرات والمتظاهرين، بشكل فجائي وعلى نطاق واسع، الساحة السياسية التي كانت إلى حد ذلك الوقت مغلقة بواسطة وكلاء منظومة عسكرية - بوليسية تهيمن على البلاد بلا منافس.
2020-11-06

عمر بن درة

خبير اقتصادي من الجزائر، عضو في Watch Algeria


شارك
| fr
"لا انتخابات مع العصابات". تصوير: حسان مزين

تم انتاج هذا المقال بدعم من مؤسسة روزا لكسمبورغ. يمكن استخدام محتوى المقال أو جزء منه طالما تتم نسبته للمصدر.

هل علّقت الأزمة الصحية - التي تسبب بها انتشار وباء كوفيد 19 - بصفة وقتية الحراكَ الذي انطلق في الجزائر يوم 22 شباط / فبراير 2019، أم أخمدته نهائياً؟ هذا هو السؤال - البلاغي المحض بالنسبة للكثير من النشطاء - الذي يعتمل في أذهان ملاحظين لا تتوفر لديهم مؤشرات سياسية، تائهين بعض الشيء في الترقب منذ تعليق المظاهرات الأسبوعية الحاشدة في منتصف آذار/ مارس 2020. بعد مضي أشهر مذّاك، يمكن أن نصيغ بإيجاز بداية جواب: الأسباب التي انتفض لأجلها جزء كبير من الشعب، بشكل سلمي للغاية، هي أكثر راهنية من أي وقت سابق . (1)

في واقع الأمر، لم تلبي السلطة العسكرية أيّاً من المطالب الجوهرية للحراك. تتصدر إقامة دولة القانون واحترام الحريات العامة هذه المطالب الملحة، وهي لا تظهر على أية "خارطة طريق" - لاستعارة واحدة من العبارات البلهاء - سلطات الأمر الواقع. لم تتبخر القوى الاجتماعية التي تحركت لفرض حق الشعب في الحرية والعدالة. ما زالت حاضرة بقوة وتسجل اشتداد القمع، وهو دليل قاطع على عدم قابلية النظام للتفاعل معها. لم يحدث شيء يقلص القطيعة السياسية بين الحاكمين والمجتمع.

الهوة بين الشعب والسلطة

في الواقع أصبحت القطيعة بين النظام والجزء الأكبر من المجتمع الجزائري ناجزةً بشكل لا يمكن إصلاحه، مع اقتحام ملايين المتظاهرات والمتظاهرين، بشكل فجائي وعلى نطاق واسع، الساحة السياسية التي كانت إلى حد ذلك الوقت مغلقةً بواسطة وكلاء منظومة عسكرية - بوليسية تهيمن على البلاد بلا منافس. أظهر الشعب الجزائري نضجاً سياسياً مميزاً، ومعرفة دقيقة بالفاعلين والرهانات وطريقة عمل النظام، وحدث ذلك تحت الأنظار المتفاجئة لجزء من المعلقين السياسيين الذين كانوا يعتقدون أنه ينفر بشكل عميق من الشأن السياسي. ظهر النظام عارياً في أعين الجميع، من أعلى "قبته" شبه المافيوزية إلى واجهاته الحكومية والإدارية، وكان ذلك خاصة منذ انقلاب 11 كانون الثاني/ يناير 1992، الذي وضع نهاية دموية لمسار ديمقراطي متلعثم. وعلى الرغم من التجائه لحيل مستهلكة تماماً، وعلى الرغم من محاولات "شد الوجه" التجميلية غير المجدية لواجهته المدنية، بقي النظام على حاله دون تغيير. لم يعد من الممكن إخفاء ديكتاتورية القيادات العسكرية خلف السواتر المدنية.

يعلم الجزائريون والجزائريات، عن تجربة، أن المشكل الذي تواجهه البلاد أبعد من أن يتعلق بشخصيات يمكن أن يؤدي استبدالها إلى تغيير إيجابي لسياق سياسي واجتماعي قاتم وبلا أفق. ليس للتحويرات التي تتعلق بالمكون البشري للمنظومة تأثيرٌ على بناها وطريقة سيرها. هذه الحقيقة أثبتتها التغييرات على مستوى قيادة الجيش بعد إبعاد عبد العزيز بوتفليقة، وكذلك تلك التي أجريت عقب وفاة صاحب النفوذ المطلق، قائد أركان الجيش أحمد قايد صالح (79 سنة) وتعويضه بواحد من أعضاده، بالكاد أصغر منه سناً، الجنرال سعيد شنقريحة (74 سنة). وجاء هذا التغيير غير المتوقع بعد أيام من انتخاب عبد المجيد تبون (74 سنة) رئيساً للجمهورية يوم 12 كانون الأول/ ديسمبر - في ظروف من التزوير أكثر فولكلورية من المعتاد - وهو من رجال النظام الثانويين والمتمرسين.

المشكل الذي تواجهه البلاد أبعد من أن يتعلق بشخصيات يمكن أن يؤدي استبدالها إلى تغيير إيجابي لسياق سياسي واجتماعي قاتم وبلا أفق. ليس للتحويرات التي تتعلق بالمكون البشري للمنظومة تأثيرٌ على بناها وطريقة سيرها.

هذه التحويرات وسط الركود تُظهِر قبل كل شيء عجز النظام شبه الكامل عن تجديد نفسه، ناهيك عن تشبيب قيادته. ويبدو أن الشيوخ المستحوذين على السلطة يجعلون من أنفسهم - طوعاً - أضحوكةً عبر ترقية شخصيات مسنّة يُفترض أن تكون - في مناطق أقل شذوذاً - كوادرَ احتياط، كما تبين ذلك تسمية قائد الحرس الجمهوري الجنرال بن علي بن علي (80 سنة) في رتبة فريق أول المستحدثة، في تموز/ يوليو 2020. متوسط أعمار أصحاب القرار الفعليين في الجزائر، المسؤولين في آخر الأمر عن قيادة شؤون الدولة، هو بلا شك من بين الأكثر ارتفاعاً في العالم. هذه الشيخوخة بارزة للعيان - وغير مفهومة - في بلد يواجه تحديات عملاقة، ويسكنه 44 مليوناً أغلبهم دون سن الثلاثين.

الديكتاتورية، قاعدتها الاجتماعية وداعموها

هذا النظام الهرم والمستنفَذ الذي لا يستند إلّا على القسر والإكراه، يمتلك على الرغم من كل شيء قاعدةً اجتماعية ضيقة استقطبها ضمن شرائح تتمتع بإمكانية الوصول المباشر أو غير المباشر إلى الريع. وهذه القاعدة الزبائنية هي المستفيدة من المنافع الاقتصادية والاجتماعية المتأتية من قربها من سلسلة القيادات العسكرية والبوليسية، وكذلك الأوليغارشيون، ورجال الأعمال المنتمين إلى جماعات مصالح مرتبطة بقيادات الجيش والشرطة السياسية. وفي بلد يبلغ فيه عدد منتسبي مختلف الأجهزة الأمنية قرابة المليون شخص، فإنّ هذه القاعدة - وهي في مرحلة انحسار بسبب التقلص المحتوم للريع المتأتي من المحروقات- لا يمكن تجاهلها. لكن التراجع واضح: على خلاف ما حصل خلال الحملات الانتخابية الصورية لكل من زروال وبوتفليقة، لم تتمكن الأجهزة السياسية – البوليسية من تنظيم مسيرات "عفوية" لدعم المرشح تبون. اضطر النظام الذي تعوزه الصور إلى الاستنجاد بعسكريين يرتدون ملابس مدنية ليظهر على شاشات التلفاز تدفقاً غير مقنع أمام مكاتب الاقتراع.

انطلاقاً من هذا الحوض/ الخزان البشري، وعلى الرغم من التغييرات المهمة التي حصلت على رأس الشرطة السياسية في 2019 - وهي فعلياً بمثابة "قسم الموارد البشرية" للنظام- فهي تواصل انتقاء واستقطاب الكوادر السياسية والإدارية المكلفة بلعب دور الواجهة المدنية للنظام، والبيروقراطيين القائمين بوظيفة تنشيط مشهد سياسي مصطنع، وكذلك يفعل المكلفون بالاتصال، صحافيون وأشباههم (مدوّنون وفاعلون في شبكات التواصل الاجتماعي) المكرسون للبروباغندا والإلهاء الإعلامي.

ويجب أن نضيف إلى هذه النماذج النمطية - في مستوى أكثر أيديولوجية - الستالينيين التائبين، وبعض ممثلي الأممية الرابعة، وكذلك تيار "حداثي علماني" مكون من مجموعات صغيرة يغلب عليها الطابع الليبرالي، الذين تمَّ استقطابهم من بين صفوف البرجوازية الصغيرة الفرنكوفونية، والذين برروا بشكل مبكر جداً انقلاب 1992 ضد الديمقراطية، والتصفية الجسدية للإسلاميين باسم تأويل معاد للدين لماركسية دوغمائية. وفي هذا القطاع من المجتمع، الأقلي للغاية لكن الموجود فعلاً - على الرغم من كون تمثيليته أضعف بوضوح في صفوف الأجيال الجديدة – انتدبت الشرطة السياسية أبواقها ومبعوثيها، وشكلت في سنوات 1990 "فرق كومندوس ديبلوماسية" فعلية، بالأخص في فرنسا، وكلفتها بالدفاع عن الانقلاب والدعاية له. حظي هؤلاء بقبول إيجابي جداً في العالم السياسي والإعلامي، خاصة من قبل تيارات من "اليسار العلماني" الجمهوري ذات النفوذ الكبير، وكذلك حلقات نيوكولونيالية وداعمة للصهيونية. ويواصل اليوم ورثة دعاة الاستئصال هؤلاء، كتّابٌ أو صحافيون مستقرون في باريس أو مناضلون جمعياتيون مكلفون بالدعاية والتحريض الإسلاموفوبي.. تنفيذ عملهم الإسنادي.

النظام الهرم والمستنفَذ، والذي لا يستند إلاّ على القسر والإكراه، يمتلك على الرغم من كل شيء قاعدة اجتماعية ضيقة استقطبها ضمن شرائح يمكنها الوصول إلى الريع. هذه القاعدة الزبائنية مستفيدة من المنافع الاقتصادية والاجتماعية المتأتية من قربها من سلسلة القيادات العسكرية والبوليسية، وكذلك الأوليغارشيون، ورجال الأعمال المنتمين إلى جماعات مصالح مرتبطة بقيادات الجيش والشرطة السياسية.

لكن في الجزائر، كما هو الأمر خارجها، ترتبط قيمة الفاعلين والوكلاء السياسيين في التنظيم السياسي الذي يسيطر على الدولة وأجهزتها بصفة مباشرة بالقضية التي يدافعون عنها. بلغ مستوى انحطاط إدارة هذا التنظيم للبلد، والتي تتسم بانعدام الكفاءة والنزاهة، أعماقاً سحيقة. وحدها العناصر الانتهازية التي لا حسّاً أخلاقياً لديها هي التي يمكن للنظام استقطابها، فهؤلاء وحدهم قادرون على تبني الخيارات العشوائية لقيادة لا يشغلها إلا بقاؤها في المدى القصير. وتتناسل هذه الطبقات المرتزقة والذليلة وسط رداءة متنامية. الإدارة الكارثية من كل النواحي، للأزمة الوبائية تؤكد العجز المتناهي والعقم العبثي في كل مستويات أخذ القرار.

بطريقته الفظة لكن الفصيحة، نعت الجنرال خالد نزار عموم هذه الفئة بال"المواشي". والجنرال هو أحد أكثر "اليناريين" (2) تورطاً في جرائم ضد الإنسانية، وكان حينها ساخطاً بشدة على الأداء الضعيف لشهوده المنتمين إلى هذه الأوساط. قال ذلك خلال جلسات قضية التشهير (خسرها) التي رفعها في باريس في تموز/يوليو 2002 ضد مؤلف كتاب "الحرب القذرة" (3) .. انعدام كفاءة صارخ يضاف إلى الفظاظة والفساد.

المحركات السياسية والإجتماعية للحراك

يستعيد رجال ونساء الجزائر، من خلال الحراك، كرامتهم المواطنية، ويحددون بدقة هؤلاء الفاعلين وولاءاتهم، والتنظيم الزبائني الذي يوحدهم حول النظام. بكل وضوح، يظهر الحراك- المنتمي بشكل ظاهر جداً إلى إرث الثورة الجزائرية وإعلان "الفاتح من نوفمبر" المؤسس للأمة -أنه يحدد موقع قوى الثورة المضادة المستنفرة للحفاظ على امتيازاتها عبر القمع والإنكار والكذب والتلاعب.

يمكن ملاحظة المكونات الاجتماعية للحراك بالعين المجردة: أغلبها فئات شعبية مهمشةٌ اقتصادياً. ومن الواضح أن الجزء الأعظم من أفواج المتظاهرين، التي لا تعد ولا تحصى، يتشكل من شباب الأحياء الشعبية الذين لا شغل ولا مستقبل لهم. وفي هذا الصدد نلاحظ أمراً ذا دلالة، إذ تنتمي الأهازيج والشعارات الأكثر تداولاً لدى المتظاهرين إلى عالم مشجعي أندية كرة القدم. هؤلاء الشباب الذين يمثلون قاعدة وطليعة الحرك ليسوا وحدهم بالطبع. التحقت بهم الفئات التي يشغّلها القطاع غير المهيكل (قرابة نصف السكان النشطين في الجزائر المقدر عددهم بـ8 ملايين شخص مرتبطون بهذا القطاع الاقتصادي غير المقنن)، وتلك التي تعيش على أجور متدنية أنهكها تدهور القدرة الشرائية، وهي حاضرة فعلياً على امتداد تراب الوطن.

هذا بالإضافة إلى جزء لا يستهان به من أبناء الطبقات الوسطى التي تأثرت هي أيضاً بالأزمة، والتي تعي بوضوح المأزق العام الذي تتخبط فيه البلاد. ومن المهم أن نسجل هنا التعبئة القوية جداً للجامعات سواء تعلق الأمر بالمدرسين أو الطلبة، والذين نجحوا في فرض يوم ثان للتظاهر، الثلاثاء بالإضافة إلى الجمعة، وهو تعبوي بشكل قوي على الرغم من كونه في الغالب أكثر تعرضاً للقمع من مظاهرات الجمعة. وتشمل هذه الفئات، حيث تحضر المرأة بقوة، كل الشرائح العمرية أيضاً. من وجهة نظر اجتماعية وديموغرافية هؤلاء المتظاهرون والمتظاهرات يمثلون بشكل فعلي قطاعات أغلبية في المجتمع.

أغلب مكونات الحراك من فئات شعبية مهمشة اقتصادياً. تتشكل أفواج المتظاهرين، التي لا تعد ولا تحصى، من شباب الأحياء الشعبية الذين لا شغل ولا مستقبل لهم. وتنتمي الأهازيج والشعارات الأكثر تداولاً لدى المتظاهرين إلى عالم مشجعي أندية كرة القدم. هؤلاء الشباب الذين يمثلون قاعدة وطليعة الحرك ليسوا وحدهم بالطبع.

لوحظ وجود تجمعات إسلامية أو قومية، وأخرى مناهضة لليبرالية أو نسوية، دون أن يهيمن أحدها بصفة خاصة، على الأقل من جهة الشعارات. كما لوحظ وجود لافتات تعبر عن مواقف قريبة من الطبقات الكادحة. لكن الشعارات الجامعة هي التي كانت الأقوى حضوراً. ويبدو أن شعار "دولة مدنية ماشي عسكرية" هو الذي حظي بالقبول الأكبر لدى المتظاهرين.

وتُظهر هذه التمثيلية على مستوى الامتداد الجغرافي أيضاً المتظاهرين هم من كل مناطق البلاد وتقريباً من كل المدن. وعلى الرغم من محاولات التلاعب والتفرقة، فإنه لم يحدث شقاق بين المناطق الناطقة بالعربية وتلك الناطقة بالأمازيغية، بل بالعكس واصلت الصدح بنفس الشعارات التعبوية الديمقراطية. حتى وإن ظهرت التعبئة، في مستوًى أكثر عمومية، متقلبة، فإنها أثبتت طابعها الوطني والشامل. طيلة جُمعات الحراك، وعلى الرغم من البكائيات الماكرة لجوقة "كاسندرات" (4) الشبكات الاجتماعية، فإن المواكب ذات الصفوف المتراصة، قليلاً أو كثيراً حسب الأسابيع، لم تتشتت.

كما أنه قلّما انقسم هؤلاء المتظاهرون حول معايير أيديولوجية، حتى وإن تشكلت مجموعات ("مربعات" حسب العبارة المستعملة محلياً) حسب مشتركات سياسية. لوحظ وجود تجمعات إسلامية وقومية ومناهضة لليبرالية ونسوية، دون أن يهيمن أحدها بصفة خاصة، على الأقل من جهة الشعارات. أكيد أنه لوحظ وجود لافتات تعبر عن مواقف قريبة من الطبقات الكادحة، لكن الشعارات الجامعة هي التي كانت الأقوى حضوراً. حسب هذا المقياس، يبدو أن شعار "دولة مدنية ماشي عسكرية" هو الذي حظي بالقبول الأكبر لدى المتظاهرين.

الوعي السياسي للحراك

تبين هذه الملاحظات بشكل جلّي أن الرأي العام يعرف جيداً أنه يتشكل بطبيعة الحال من حساسيات سياسية متنوعة وأحياناً متضادة، وهذا أيضاً صحيح فيما يتعلق بمكانة السوق وتعديل الاقتصاد من قبل الدولة. لا يعتبر المجتمع هذا الأمر معيباً وعائقاً، فلقد ولّى نهائياً زمن الحزب الواحد. على العكس من تمثلات المحللين الذين يعملون غب الطلب، يميز الحراكيون بدقة الأولويات السياسية، ولم يسقطوا في أي واحدٍ من الكمائن التي نصبتها أجهزة التأثير النفسي التابعة للشرطة السياسية.

من الجلي أن القليل من المتظاهرين كان يولي أي أهمية للتناقضات الزائفة - التي تضع وجهاً لوجه الإسلاميين / والعلمانيين، الليبراليين / والمناهضين للرأسمالية، الناطقين بالأمازيغية / والناطقين بالعربية.. وهي تناقضات يريد فرضها مساهمون نشيطون على شبكات التواصل الاجتماعي. يصطدم المكلفون ببث الدعاية المضادة للثورة بوعي سياسي أرفع بكثير. أغلب الناشطين يعبرون عن هذا بشكل مباشر جداً: الديكتاتورية هي ما يعادونه، ودولة القانون هي ما ينشدونه، وما يرغب فيه الجميع هو إطار سياسي عادل من أجل العيش المشترك بين كل أبناء الشعب الجزائري. أما بقية الأمور فتناقش عندما تتوفر هذه الشروط المبدئية مجتمعة.

الثقافة السياسية للديكتاتورية مبنية على العنف والاحتقار الكامل للشعب، الذي تتمثله ككتلة مسلوبة الإرادة والوعي.

من الظاهر أن النقاشات والجدالات على الإنترنت لا تمثل إلا بعداً محدوداً من واقع أكثر تبايناً بكثير. من النادر أن تجد من بين قادة الحراك، كثيري العدد والمجهولين، من هو مستعد لأن يترك نفسه ينزلق في دوامة المجادلات الأيديولوجية التي لا مخرج منها. خاصة وأن الناشطين يعلمون أن الاستفزاز شامل، وأن الرقابة البوليسية على الشبكات، والتي تمارس بشكل واسع، تترجم بإيقافات وأحكام سجن بتهمة اقتراف جرم التعبير.

الزمن الطويل للتحرر

اشتداد القمع هو الترجمة الملموسة لهذا الأمر. يسعى النظام من جهته، وهو المشغول حصراً ببقائه، إلى استغلال الأزمة الصحية لخنق الحراك وتذويبه. تتالي الاعتقالات في كل مكان، والأحكام الثقيلة المسلطة من قضاء تابع وقضاة غير نزيهين، منذ ربيع 2020، كلها إثباتات لا تدع مجالاً للشك. الثقافة السياسية للديكتاتورية مبنية على العنف، والاحتقار الكامل للشعب الذي تتمثله ككتلة مسلوبة الإرادة والوعي. وبدلاً من القيام بفحص نقدي لإدارته الكارثية، وتقييم شامل لعمله على الأرض، يوغل النظام في الإهانة. تصريحات الولاة (5) المهينة - والي سطيف الذي نادى بـ "ضرب الناس حتى يعودوا إلى أماكنهم"، ووالي جلفة الذي اعتبر أن "الموت جوعاً أفضل من الموت بوباء كورونا" - تعطينا صورة واضحة عن أخلاقيات السلطة. يعاود النظام إنتاج ما أوصله إلى الوضع الحالي. وسعياً منه لتشتيت الانتباه حول أسباب تدهور الوضع الصحي، يعتمد خطاباً اتصالياً خبيثاً يستعيد ثيمة "العوام المستهترين" محاولاً تحميل الشعب مسؤولية الانتشار المتسارع للفيروس، بدلاً عن الإدارة المفلسة أخلاقياً وسياسياً.

تنطلق القوى الاجتماعية، التي حفّزت وقادت حركة الشعب الجزائري من أجل القانون والحريات، من تاريخ من المقاومة على مدًى طويل، وهي لن تتخلى عن معركتها. خاصة وأن آفاق البلاد لا يمكن أن تسمح بمثل هذا التخلي، لأنه حتى وإن كانت الظروف الحالية تبعث على الانشغال، فإن المستقبل القريب حرج: الاقتصاد معطل، ومستقبل الأجيال الصاعدة مهدد.

لم يستطع أصحاب القرار، أو لم يريدوا، استغلال الوباء لمد جسور باتجاه الشعب الجزائري. على العكس، عمقت إدارتهم العشوائية للأزمة الصحية، وإهمالهم البارز للعيان، وتخليهم شبه الكامل عن الشعب مشاعر الغضب وانعدام الثقة. وقد عزز تضافر قمع الحراك وخنق الأصوات الحاملة لخطاب بديل والعجز عن إدارة الأزمة العامة، الصحية والاجتماعية، الإصرارَ الشعبي على نيل التغيير.

هذا الصراع من أجل التحرر المواطني يتنزل ضمن "الزمن الطويل" (6) لتحرير المجتمع وبناء الدولة. تنطلق القوى الاجتماعية، التي حفزت وقادت حركة الشعب الجزائري من أجل القانون والحريات، من تاريخ من المقاومة على مدًى طويل، وهي لن تتخلى عن معركتها. خاصة وأن آفاق البلاد لا يمكن أن تسمح بمثل هذا التخلي، لأنه حتى وإن كانت الظروف الحالية تبعث على الانشغال، فإن المستقبل القريب حرج: الاقتصاد معطل ومستقبل الأجيال الصاعدة مهدد.

ما زالت الأسباب الرئيسية التي فجرت انتفاضة الشعب السلمية قائمةً بشكل كامل. وبدلاً من الهروب إلى الأمام والتمسك بسياسة تسلطية غير مجدية عفا عليها الزمن، يمتلك النظام الوقت الكافي لتحضير انتقال سلمي ومنظم نحو دولة القانون. المسؤولية الآن على عاتق الحكام وأعوانهم التنفيذيين. وأما الذين، من بين هؤلاء، يعتقدون أن الاحتجاجات الحاشدة معطًى نفذت صلاحيته فيرتكبون خطأً جسيماً. يطمح الجزائريون بإصرار، عبر تاريخهم المتميز بديناميته، بحياة أفضل، وباحترام كرامتهم في إطار سيادي مبني على الحريات ومتمسك بالقانون والقضاء المستقل. من يستطيع إجبار هذه القوى المستنفرة، المولودة في أعماق الشعب الجزائري، على الحياد عن هذه الأهداف؟

علّق كوفيد-19 الحراك فعلاً، لكنه بكل تأكيد لم يخمده.

محتوى هذا المقال هو مسؤولية السفير العربي ولا يعبّر بالضرورة عن موقف مؤسسة روزا لكسمبورغ.

ترجمه عن الفرنسية: محمد رامي عبد المولى

______________

1-في علاقة بأمارات وبوادر الحراك سيكون من المفيد الاطلاع على المؤلف الجماعي "الحراك في الجزائر, اختراع انتفاضة"، تحت إشراف عمر بن درّة وفرنسوا غيز ورفيق البجاوي وسليمة ملاّح. صادر بالفرنسية عن "منشورات لا فابريك"، باريس 2020.
2-"ينايريين" كلمة مستحدثة يقصد بها القادة العسكريون المسؤولون عن انقلاب كانون الثاني/يناير 1991.
3-حبيب سويدية. محاكمة "الحرب القذرة". الجزائر : اللواء خالد نزّار ضد الملازم حبيب سويدية. صادر بالفرنسية عن دار "لا ديكوفارت"، باريس 2002.
4-في الميثولوجيا الإغريقية، كاسندرا هي ابنة الملك بريام، أحبها الإله أبولو ومنحها القدرة على التنبؤ بالمستقبل، لكنها لم تبادله الود ورفضته فعاقبها عبر جعل كلامها غير قابل للفهم والتصديق.
5-منصب الوالي في الجزائر يقابله منصب المحافظ في المشرق العربي.
6-المصطلح للمؤرخ الفرنسي فرنان بروديل.

مقالات من الجزائر

الصحافي ليسَ شرطيّاً… دائماً

في العاشر من آب/أغسطس، انتهت محاكمة الصحافي الجزائري خالد درارني، الذي كان موقوفاً احتياطياً منذ آذار/مارس، مع بداية الحراك الذي انطلق في 22 شباط/فبراير. حُكم عليه بثلاث سنوات حبس بتهم...

للكاتب نفسه