فوضى ليبيا والعنف في محيطها

ما أسهل أن يعتري القوى العالمية ذلك الإعياء الذي يتلو المعارك، والذي يعود بصورة رئيسة إلى نفور الناخبين من تمدّد الحروب. ومثل هذا الإعياء، بعد خمسة أشهر على شنّ حلف شمال الاطلسي أولى غاراته الجوية على ليبيا (19 آذار/مارس 2011)، هو الذي دفع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لأن يعرض على القذافي ممراً آمناً إلى فزّان مع مئتين من أنصاره مقابل أن يترك طرابلس. لكن القذافي طالب بأن يرافقه ألفان من
2013-04-24

عبد الله الماعزي

كاتب وباحث من ليبيا


شارك
| en
رويترز

ما أسهل أن يعتري القوى العالمية ذلك الإعياء الذي يتلو المعارك، والذي يعود بصورة رئيسة إلى نفور الناخبين من تمدّد الحروب. ومثل هذا الإعياء، بعد خمسة أشهر على شنّ حلف شمال الاطلسي أولى غاراته الجوية على ليبيا (19 آذار/مارس 2011)، هو الذي دفع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لأن يعرض على القذافي ممراً آمناً إلى فزّان مع مئتين من أنصاره مقابل أن يترك طرابلس. لكن القذافي طالب بأن يرافقه ألفان من هؤلاء الأنصار. والمدهش أنَّ ساركوزي وافق على ذلك، بعد التشاور مع حلفائه في الناتو.

وصِيغَ الاتفاق، وراح الجميع يعملون على الجوانب اللوجستية، بمن فيهم أقرب أصدقاء القذافي الذين توقعوا منه أن يوقّع. غير أنَّ القذافي ما لبث أن فاجأ الجميع بتمزيق الاتفاق والتوجّه إلى خليج السدرة أو خليج سرت على الساحل الجنوبي لإعلان موقفه النهائي. ومن المعروف أنّه أُسِرَ بعد ذلك بأسابيع (في 20 تشرين الأول/ اكتوبر 2011) بينما كان في قافلته تتجه صوب الصحراء. فهل كان ذلك ناجماً عن اعتقاده بأنّ عرض الممر الآمن جنوباً كان لا يزال سارياً؟

تشير الوثائق المسربة إلى أنَّ الاجهزة الجزائرية وفّرت للناتو إحداثيات موقع القذافي في رحلته الأخيرة تلك. ولعلّ السلطات الجزائرية التي كانت قد اطلعت على عرض ساركوزي ذاك، خشيت من احتمال وجود القذافي قرب حدود بلادها الجنوبية الشرقية، وتحالفه مع حركة الطوارق الانفصالية المعروفة باسم «سادة الصحراء».

كان الوضع في منطقة الساحل وجنوب ليبيا ليغدو أكثر تعقيداً، وتهديدُ جيران ليبيا وليبيا نفسها بالطبع أشدّ خطراً، لو أنَّ القذافي قبِل عرض ساركوزي واستقر شمال النيجر على سبيل المثال، حيث يحظى بالتعاطف والدعم. وما كان هذا ليفوت صنّاع السياسة في فرنسا. ولعل اعتبار القذافي عرض ساركوزي نوعاً من الفخّ في حقيقته لم يكن بالاعتبار البعيد عن الصواب.

الجزائر ومنطقة «الساحل» الافريقية

بيد أن جنوب ليبيا يبقى الخاصرة الرخوة للبلاد، حتى بدون جَيْب يديره القذافي، ذلك أنّه يتاخم شمال غرب السودان، وتشاد، والنيجر، وجنوب غرب مصر، وجنوب شرق الجزائر. ويُعرف الشريط الممتد من شمال تشاد وحتى موريتانيا والمحيط الأطلسي باسم منطقة الساحل، وهي واحدة من أفقر بقاع العالم، وموقع من مواقع الحرمان الاجتماعي والاقتصادي الهائل.

في الساحل، سيطرة الحكومة المركزية في أضعف حالاتها، وهذا يعني أنَّ إمكانية قيام جهات فاعلة غير حكومية، مثل تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، بالتجنيد والتسليح والتدريب في أعظم حالاتها. والأحداث الأخيرة في مالي والجزائر هي مثال من أمثلة هذا التهديد. ويُقال إنَّ مجموعة المقاتلين الجزائريين الذين احتجزوا غربيين في محطة «تيقنتورين» للغاز الطبيعي في الصحراء كانوا قد حصلوا على أسلحتهم من ليبيا، شأنهم شأن متمردي مالي الذين تسعى فرنسا الآن إلى سحقهم. ولا تقتصر أنشطة المتمردين على منطقة الساحل أو على جنوب ليبيا. والخطر المنبعث من الجنوب يشكل تهديداً حقيقياً لليبيا بأكملها وكذلك لجيرانها إلى الشرق والغرب.

كانت ليبيا، على مدى العامين الماضيين منذ بدء الانتفاضة لإسقاط القذافي، واحدة من أهم مراكز تجنيد «المجاهدين» الإسلاميين ومقاتلي القاعدة. وبات واضحاً أن تنظيم القاعدة آخذ في الانتشار في الصحراء. وكانت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون قد تحدثت أمام الكونغرس الأميركي عن الأحداث في بنغازي، محذرةً من أن الجماعات الجهادية قد أقامت شبكة تحالفات معقدة في شمال أفريقيا.

جنّد مختار بلمختار تلك المجموعة التي استولت على حقل تيقنتورين للغاز في إن أميناس جنوب شرق الجزائر، وهو ما نجم عنه مقتل 38 رهينة و29 مهاجماً. وكان بين المجموعة عدد من المصريين الناشطين في ليبيا. وتشير مصادر في الجزائر إلى أنَّ محمد لَمين بوشنب، المقاتل الذي قاد الهجوم على الموقع، كان قد اشترى الأسلحة التي استُعملت في الهجوم من العاصمة الليبية، طرابلس. وجرى تجمّع الخاطفين قبل الهجوم دون عائق في مدينة غات الليبية الجنوبية، على الحدود مع الجزائر.

ادّعى ضابط جزائري كبير أن منظمي هجوم تقنتورين هم المجموعة ذاتها التي نفّذت الهجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي. وهذا يتوافق مع تصريحات المسؤولين في وزارة الخارجية الاميركية أنَّ لبعض أعضاء جماعة «أنصار الشريعة»، المجموعة المحلية التي تعتقد الولايات المتحدة أنها نفّذت الهجوم على البعثة الديبلوماسية الأميركية في بنغازي، صلات بتنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، وهي واحدة من الجماعات التي باتت لها الآن أركان راسخة في شمال مالي.

حرب فرنسا في مالي، الى أين؟

السؤال المطروح هو إلى أي مدى ستمضي العملية الفرنسية الحالية في ملاحقة هذه الشبكة من «المجاهدين» الذين يعملون على طول منطقة الساحل؟ هل ستدّعي فرنسا حقّ مطاردتهم مطاردةً حامية الوطيس أم ستسعى إلى تحديد مصدر أسلحتهم داخل ليبيا وتدمّره؟ لا بدّ أنَّ فرنسا سوف تحسب بعناية فائقة حساب أيّ عمل تقوم به في ليبيا. ذلك أنَّ المنافسات السابقة راسخة، لا سيما بين «أوروبا القديمة» والولايات المتحدة. وهذه الأخيرة ليست لديها مشكلة مع عمل فرنسا لمصلحة حلف الناتو في منطقة الساحل، وخاصة في مستعمراتها السابقة في مالي والنيجر. غير أنَّها ستنظر بعين الريبة إلى أي محاولة فرنسية تتوخّى الهيمنة العسكرية الطويلة الأمد في جنوب ليبيا. ولا شكّ في أن فرنسا تعلم أين يقع هذا الخط، ولعلها لن تسعى إلى تخطيه.

ورطات متعددة: أوروبا ومصر وقطر...

مصر أيضاً تجد نفسها متورطةً على نحو متزايد في أحداث في ليبيا. ولدى مصر مخاوفها المشروعة بشأن الإفراط في تسرّب ما يحدث في منطقة الساحل والمنطقة الشرقية في ليبيا عبر حدودها. تشير مصادر مصرية إلى أنَّ صلات وثيقة تربط «الحركة السلفية الجهادية»، المجموعة التي قارعتها إدارة مرسي في سيناء، بجماعات مماثلة تعمل في جنوب ليبيا وشرقيها وفي منطقة الساحل. وفي المحادثات المصرية مع المسؤولين الليبيين، كثيراً ما طرحت مصر مسألة تدفق الأسلحة الثقيلة من ليبيا، بما في ذلك صواريخ أرض ــ أرض البعيدة المدى. كما ناقشت مصر هذه المسألة أيضاً مع حلفائها الأوروبيين والأميركيين الذين يبدو أنَّهم تحمسوا للجهود المصرية الرامية إلى تأمين حدودها الغربية واستقرارها، وكذلك للاستفادة من معرفتها السياسية والاستخباراتية الكبيرة بشرق ليبيا وجنوبها للتأثير على الأحداث ودفعها صوب الهدوء والاستقرار. غير أنَّ ذلك يتوقف على الحدّ الذي يمكن أن تبلغه هذه الجهود المصرية. وكلام بعض الأوساط الليبية أنّ مصر يمكن أن تُشَجَّع على المطالبة بالمنطقة الشرقية في ليبيا هو كلام غير صحيح، وطفولي سياسياً.

أوروبا كذلك قلقة للغاية على مصالحها في ليبيا. وفي الآونة الأخيرة، حثّت كلّ من بريطانيا العظمى، وألمانيا، وهولندا، (وأستراليا) مواطنيها على مغادرة مدينة بنغازي الليبية بسبب «تهديد واضح، وشيك، للغربيين» مرتبط بما تقوم به فرنسا في مالي وبخطر قيام «المتطرفين الإسلاميين بعمليات اختطاف جديدة».

وكما لو أنَّ منطقة الساحل تنقصها الدسائس والمؤامرات، كي يصدر مؤخّراً تقرير عن مديرية المخابرات العسكرية التابعة لوزارة الدفاع الفرنسية وتنشره الصحافة الفرنسية والدولية، ومفاده أن قطر تموّل الجماعات المسلحة، وأن القوات الخاصة القطرية تدعم بعض الفصائل المتمردة في شمال مالي بما في ذلك «أنصار الدين». ويطرح هذا التقرير الظنّي أسئلة بشأن مصالح قطر في الساحل وقدرتها على العمل باستقلال عن الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، وضد مصلحة الجزائر التي تُعَدّ قوة إقليمية هناك. غير أن التورط المالي والعسكري القطري في الساحل، متضافراً مع حضور قطر السياسي الواضح في ليبيا، كفيلٌ، إذا ما ثبت، بأن يشعل منطقة ملتهبة أصلاً إلى أبعد الحدود.

خطر «الدولة الفاشلة»؟

هذا يعيدنا من جديد إلى ليبيا حيث يدفع البلاد إلى الهاوية مزيج من التدخل الأجنبي، وسلطة مركزية ضعيفة، ووفرة الأسلحة الثقيلة خارج سيطرة الحكومة، وتزايد المشاعر الانفصالية الإقليمية، وقيادة تبدي حيال مصائب ليبيا انعداماً شاملاً للأهلية السياسية.

وفي حين يشكّل الوضع الأمني المتدهور في ليبيا مصدر قلق لدول الجوار وسواها، فإنَّ ليبيا وحدها التي يمكنها، بنوع من الثبات الاستراتيجي، أن تحلّ مشكلة التفرّق، والخروج على القانون، والاتجار بالأسلحة، ونفوذ القاعدة المتزايد في المنطقة. هذه المسيرة الفاجعة العمياء على حافة الكارثة، والتي لا بدّ من وقفها.

لا يسع جيران ليبيا أن يكونوا راضين حيال تداعيات مثل هذا السيناريو. وإذا لم تحقق ليبيا في القريب العاجل نمواً اقتصادياً وتبسط سيطرة الحكومة على جميع أنحاء البلاد، فإنه يكاد أن يكون من المحقق أن تلتحق بصفوف «الدول الفاشلة»، وأن تتحول منطقة الساحل ككل إلى أفغانستان أفريقيا في العقود التالية. وفي عواصف الاضطراب وعدم الاستقرار التي تتجمّع في المنطقة، لا بدّ أن تدفع دول شمال البحر الأبيض المتوسط وجنوبه ثمناً باهظاً. ذلك لأن مصير منطقة الساحل متشابك مع مصير ليبيا على نحوٍ لا يقبل الانفصال.

مقالات من الجزائر

دور البترول في النهاية البائسة لنظام بوتفليقة والجنرالات

حسين مالطي 2019-06-20

استغل عبد العزيز بوتفليقة بشكل مستمر البترول الجزائري وريعه كوسائل لترسيخ دعائم سلطته وتقويتها، وفيما بعد ضماناً لاستدامتها. اشترى "السلم الاجتماعي" كما استخدم عائدات النفط كطعم لمعسكر الجنرالات عبر السماح...

للكاتب نفسه

اختطاف ليبيا

ويلٌ لأمة تستقبل حاكمها بالتطبيل وتودِّعه بالصَّفير، لتستقبل آخر بالتطبيل والتزمير... ويلٌ لأمة مقسمة إلى أجزاء، وكل جزء يحسب نفسه فيها أمّة.جبران خليل جبرانوصلتني مؤخّراً رسالة من عبد المجيد العقيلي...