زنــــــوج تاورغاء ليبيا بــيـــن سلمى ومريم

في العام 1963، كانت لدادا سلمى، الدرداء التي ناهز عمرها الـ95 عاماً، ابتسامة تعدي من حولها، فلا تتمالك إلا ان تبتسم. وكانت عيناها نافذة على حزن هذا العالم تحكيان معاناة سلالتها. فهي أمَة سوداء معتقة أمضت سنواتها الأخيرة في «مأوى للفقراء» في ضواحي طرابلس. وكان تجار الرقيق الليبيون قد اختطفوا دادا سلمى من قريتها في جنوب السودان في أواخر القرن التاسع عشر وهي بعد في الخامسة من
2013-03-13

عبد الله الماعزي

كاتب وباحث من ليبيا


شارك
سجن أبو سليم في طرابلس (أ ب)

في العام 1963، كانت لدادا سلمى، الدرداء التي ناهز عمرها الـ95 عاماً، ابتسامة تعدي من حولها، فلا تتمالك إلا ان تبتسم. وكانت عيناها نافذة على حزن هذا العالم تحكيان معاناة سلالتها. فهي أمَة سوداء معتقة أمضت سنواتها الأخيرة في «مأوى للفقراء» في ضواحي طرابلس. وكان تجار الرقيق الليبيون قد اختطفوا دادا سلمى من قريتها في جنوب السودان في أواخر القرن التاسع عشر وهي بعد في الخامسة من عمرها، وباعوها لضابط ليبي ثري في الجيش العثماني.

الأمَة سلمى

وسلمى هو الاسم الذي أطلقه عليها مالكوها. وهي لا تذكر الاسم الذي أسمتها به أمها. وحكايتها لا تقتصر على النظرة الحزينة في عينيها. والمدهش، انها كانت لا تزال قادرة، حتى في سنواتها المتقدمة حين تبدأ الذاكرة بالتلاشي، على رسم صورة حية لأمها ونساء أخريات من قريتها، وهنّ يصرخن بعد أن حمل الخاطفون بناتهن في عربة خيل وانطلقوا بهن، فرحن يهلن التراب على رؤوسهن علامة الحسرة الشديدة وهن يلاحقن القافلة.
راحت المسافة بين العربة والأم الذاهلة تكبر وتكبر، وغرقت سلمى في بكاء غزير ما إن غاب عنها مرأى والدتها. وحين أنهك البكاء سلمى ورفيقاتها غلبهن النوم في النهاية. وبعد بضعة أيام وجدن أنفسهن في مدينة غريبة بين أناس غرباء في بيت غريب لا شيء يجمعه بكوخ الطين حيث ولدت وترعرعت. ولم تكن ربّة المنزل أماً بديلة بل مالكة الأمَة المسترقة حديثاً.
كانت حياة سلمى كأمة غاية في البؤس. وفي الثانية عشرة من عمرها ألقيت على كاهلها اعمال البيت جميعاً. وفي الرابعة عشرة اغتصبها سيدها وبات عليها ان ترضيه على هذا الصعيد علاوة على قيامها ببقية الأعباء. أما سيدة المنزل التي سرّها أن زوجها لم يتخذ زوجة أخرى، فكانت تفرغ غيرتها بمعاودة ضربها. وحين قطعت سلمى شوطاً في عقدها الثالث، دلها عبد مثلها على سبيل للفرار.
كانت سلمى من بين أوائل العبيد الذين نشدوا الانعتاق، مغتنمة فرصة مرسوم أصدره السلطان العثماني وقضى فيه للعبيد الذين ينشدون التحرر بحقهم في ذلك.
تحررت سلمى، لكنها كانت معدمة بلا أي مورد للعيش، فقصدت مأوى الفقراء خارج طرابلس. ومضت غالبية العبيد المحررين إلى قرية صغيرة قرب مصراتة، تدعى تاورغاء، لم تلبث ان تحولت إلى بلدة مع تزايد عدد العبيد المحررين. والحال، أن قرب هذه القرية من مصراتة لم يكن مصادفة. فلطالما كانت مصراتة واحدة من أكثر مجتمعات ليبيا انخراطاً في الأعمال والتجارة، سواء كانت تجارة التوابل من الهند أم تجارة العبيد من إفريقيا جنوب الصحراء، وهما دعامة عيش المدينة.

العمل لدى الاسياد السابقين

كانت المهمة الرئيسة امام المحررين حديثاً، وكانوا مستعبدين قبل قليل، هي معرفة أماكن أفراد أسرهم الذين افترقوا عنهم أيام العبودية. وكانت تاورغاء مكاناً مثالياً للمّ الشمل ويسرت بحث العبيد السابقين واحدهم عن الآخر. وإليها انتهى بحث الأبناء عن أمهاتهم أو آبائهم، وبحث الأزواج والزوجات عن أبنائهم الذين بيعوا ما إن وفروا أثمانهم أو حين تلح الحاجة إلى النقود على مالكيهم. غير أن الانعتاق لم يكن من غير تحديات. كان العبيد المحررون بحاجة إلى العمل، لكن المدينة لم تعرض عليهم أي وسيلة من وسائل البقاء. وكما كان الحال في الولايات الجنوبية الاميركية، واصل كثير من عبيد مصراتة السابقين العمل لدى من كانوا مالكيهم، في الزراعة غالبا أو في العمل المنزلي وكمربيات في حالة كثير من النساء. وسرعان ما وجد كل من في تاورغاء عملاً في مصراتة، وغدت تاورغاء بلدة/ مهجعاً. وكانت العلاقة بين سكان البلدة وسكان المدينة ودية عموماً لكنها لم تكن علاقة أنداد متساوين. وأراد العبيد السابقون ان يستقلوا بحياتهم العملية في حين صمم ملاك العبيد السابقون على إبقائهم حيث هم.

وفي ليبيا المستقلة

حتى في ليبيا بعد الاستقلال، كان أكبر تحد يواجه شعب تاورغاء هو افتقارهم إلى التمكين الاجتماعي ـ السياسي. وفي بلد أمسكت بسلطته المناطق الكبرى والقبائل والعشائر القوية، لم تكن لدى العبيد السابقين أي وسيلة للوصول إلى دوائر صنع القرار العليا بحسب التسلسل الهرمي في البلاد. ولقد تكفلت البنية الاجتماعية والسياسية في ليبيا بأن يبقى شعب تاورغاء، الذي لا نسب يربطه بالقبائل والعشائر الاخرى، ولا صلة دم، في ذلك الوضع الذي لا يتيح له ان يحظى بالاحترام أو يطالب بالالتفات إلى مشكلات جماعاته. وهذا ما جعل تاورغاء واحدة من أشد البلدات تخلفاً في ليبيا، وجعل بقاء شعبها متوقفا على مصراتة بصورة تكاد أن تكون كاملة.
يتفاخر شعب مصراتة بألمعيته في مجال الأعمال. وحيثما حل أهل مصراتة في ليبيا، شكلوا العمود الفقري لمجتمع الأعمال والتجارة وغدوا جزءاً من النخبة المصطفاة هناك. ولقد أمكن لمدينة تتمتع بمثل هذه الدرجة الرفيعة من الثقة بالنفس أن تكون سخية ومضيافة. ووجد القذافي فيها ملجأ حين وصلها (مناضلاً) لم يتعد المراهقة، بعد أن طرد من المدرسة الثانوية في مدينة سبها الجنوبية بسبب نشاطه السياسي. وهناك، في منازل بعض عائلات المدينة الأشد ثراء وبين زملاء الدراسة الجدد، وجد المأوى وحسن الضيافة والصداقة. ومن بين أصدقاء الدراسة في مصراتة هؤلاء، ومن بين أبناء الذين أحسنوا إليه، استقطب بعضاً من أشد الأعضاء نفوذاً في حركة «الضباط الأحرار» التي أنشأها وقامت بانقلاب الفاتح من أيلول/ سبتمبر 1969 ضد نظام الملك إدريس السنوسي. وفي مصراتة أيضاً، تزوّج القذافي من ابنة جنرال في الشرطة الملكية. والحال، أن زواج ملازم مُعدم وابن راع بدوي، من ابنة جنرال في الشرطة كان يعكس فرص الصعود الاجتماعي التي وفرها شعب مصراتة. ذلك أن مجتمع مصراتة الراقي كان مهيئاً لأن يفتح أبوابه لأولئك الذين ينمون عن طموح شخصي من خلال التعليم ونيل رتبة عسكرية كما في حالة القذافي.
غير أن السلالة لطالما كانت عقبة تعترض الصعود الاجتماعي. فقد كان من المستحيل على ليبي أسود من تاورغاء، حفيد عبد افريقي معتق، ان يتزوج من عائلة وجهاء في مصراتة. وكانت العبودية لا تزال وصمة عار تثقل كاهل ذرية العبيد المحررين، إذا ما جرى وطرحت للنقاش في أي من المجتمعين، وهو أمر نادراً ما كان يحصل. ولم تكن هنالك أي علامة اخرى من علامات التمييز الظاهرة: وبدا المجتمعان كلاهما كأنهما يتفهمان إمكانية الاختلاط على جميع المستويات ما عدا مستوى اختلاط الموروثات.

مريم المدللة

ولم يكن للموروثات أية أهمية بين طلبة المدارس في عام 2011. ولم يكن الانتماء العرقي أو اللون أو الخلفية الاجتماعية من معايير اختيار الأصدقاء، بمن فيهم أعز الأصدقاء، بين المراهقين في مصراتة.
ومن المؤكد أن هذا ما كان عليه الحال بالنسبة إلى مريم الجريئة ابنة الأربعة عشر ربيعاً، وابنة أحد رجال الأعمال الأثرياء في مصراتة. وتختار مريم أصدقاءها وفقا لغرائبهم في الصف. كلما ازدادت «شناعتهم» دخلوا أكثر دائرة أصدقائها العابثين. ويعلم أصدقاء مريم أنها حين تضع شيئاً ببالها فلا بد أن تصله. ولم يساورهم الشك يوماً في انها ستغدو جراحة ما دامت قد أعلنت عن رغبتها في دراسة الطب. وهي ظريفة وجميلة وذات حضور قيادي أكبر من سنها. وهي حياة وروح كل حفلة من حفلات المدرسة. ووصفها بأنها قرة عين والديها انما يقلل من شأنها.
اندلعت الثورة في منتصف عام مريم الدراسي. ووجد أهل مدينة مصراتة وأهل بلدة تاورغاء أنفسهم على طرفي نقيض. طوقت قوات القذافي مصراتة براً وبحراً، لكن أهلها رفضوا إلقاء أسلحتهم وصارت مصراتة «ستالينغراد» الثورة الليبية. المدينة التي احتضنت القذافي وساعدته في تسنم سدة السلطة، كانت الآن مصممة على الإطاحة بحكمه الذي دام 42 عاماً. ومصراتة هي المدينة المفتاح لمن يريد ان يحكم ليبيا موحدة، ولا غنى عنها في حكم الشطر الغربي ذي الاستقلال الذاتي من ليبيا. وكانت استعادة السيطرة على مصراتة مسألة حياة أو موت بالنسبة إلى القذافي.
أطلق القذافي كل نيران غضبه على المدينة وسكانها. وأراد لتاورغاء ان تكون منطلق هجوم لا شيء محظوراً فيه. وكان قد اجتذب أهل تاورغاء إلى صفه، مع رسالة شيطانية تستنفر لديهم واحدة من أحط غرائز البشر، ألا وهي غريزة الانتقام، غريزة تصحيح أخطاء الماضي. قال لشباب تاورغاء إنه لن تكون هناك مدينة تسمى مصراتة، وكل ما تغنمونه لكم. هذه فرصتكم للانتقام لقرون العبودية التي خضع لها أسلافكم والخلاص من تهميشكم الاجتماعي.
قبِل العشرات، وثمة من يقول المئات، من شباب تاورغاء، البلدة التي وفرت ملجأ لأسلافهم العبيد، عرض القذافي مساعدته في استعادة السيطرة على مصراتة وتطهيرها من «الجرذان»، وهي الاسم الذي أطلقه على الثوار.
بعد ثلاثة أسابيع من الثورة، اقتحم فيلا مريم خمسة رجال زنوج من تاورغاء سكارى ومسلحين ببنادق آلية. كان اخوة مريم مع غيرهم من الرجال في سن القتال في الجبهة يقاتلون قوات القذافي. ولم يكن في البيت من الرجال سوى جد مريم. وراح الخمسة يتناوبون على اغتصاب مريم وأختها وأمها. وأجبروا الجد على مشاهدة ذلك تحت تهديد السلاح.
تحدد مصير مريم إلى الأبد. تلك هي وصمة العار التي تطارد ضحايا الاغتصاب في مدينة محافظة مثل مصراتة، ألا تغادر مريم بيت أهلها إلى الأبد. سوف تزوج، بالاسم فحسب، من ابن عم لها بعيد يتطوع لستر عار العائلة. لكن الزواج لن يتم. سوف تظل مريم قرينة البيت إلى الأبد. لن تغدو جراحة. وإذا ما ترملت، قد يعاد تزويجها من احد لا يعرف حكاية اغتصابها. ولعلها تبدأ عندئذ حياة جديدة. لكن مريم لن تغدو جراحة قط.

انتصار؟

في نهاية المطاف، خرجت مصراتة من الثورة «منتصرة». وكانت تاورغاء هدفاً لهجمات انتقامية ودمرت إلى حد كبير. وقد وثقت تقارير هيومن رايتس ووتش وفاة عشرات الشبان من تاورغاء قضوا تحت التعذيب في سجون مؤقتة في مصراتة. ولا يزال هناك مئات المفقودين. وحقيقة الأمر انه لم تعد هنالك تاورغاء.
إلى أين نمضي إذاً؟ هل يمكن للمستقبل أن يتشكل من كومة من المظالم التاريخية. لا بد لدورة الانتقام والانتقام المضاد أن تتوقف في وقت ما، في مكان ما، وعلى نحو ما. يتعيّن على من يدعون حرصهم على مصلحة ليبيا أن يعطوا الأولوية لحل هذه المشكلة بالعدل والإنسانية، وبطريقة تتناول معاناة جميع سكان ليبيا وتطلعاتهم، سواء كانوا من جانب دادا سلمى أم من جانب مريم. إلى أن يحين وقت حدوث ذلك، سوف تستمر معاناة ليبيا وآلام شعبها سوف تدوم.

مقالات من تاغوراء

أسباب تأزم الانتقال السياسي والدستوري في ليبيا

لا تعاني ليبيا من مجرد انقسام على المستويين السياسي والأمني، بل بالإضافة إلى ذلك، فهناك انقسام وتدهور على المستويات الدستورية والنُظُمية والهوياتية والاجتماعية والاقتصادية والإدارية والجهوية والثقافية والقيمية في آن...

للكاتب نفسه

اختطاف ليبيا

ويلٌ لأمة تستقبل حاكمها بالتطبيل وتودِّعه بالصَّفير، لتستقبل آخر بالتطبيل والتزمير... ويلٌ لأمة مقسمة إلى أجزاء، وكل جزء يحسب نفسه فيها أمّة.جبران خليل جبرانوصلتني مؤخّراً رسالة من عبد المجيد العقيلي...