على متن "سفينة نوح" في السليمانية قبل 60 عاماً

نص رائع! قصة نجم الدين ملاّ ظاهرة فريدة في شمال العراق. وُلد الشاعر والكاتب التراثي الكردي في مدينة السليمانية سنة 1898، ونشأ في أحضان أسرة تحب العلم والأدب، وتتلمذ على يدي والده في العلوم الدينية. وقد عاش معظم حياته في بيت صغير في السليمانية، اتخذه مدرسة أهلية خاصة أطلق عليها اسم "سفينة نوح".
2020-10-21

عماد الدين رائف

كاتب وصحافي من لبنان


شارك
المعلم نجم الدين الملا في مدرسة "سفينة نوح".

أهداني المغامر التشيكي توماس فانيورك نسخة من كتاب "ألف ليلة وليلتان"، الذي يوثق فيه الرحالان التشيكوسلوفاكيان يرجي هانزلكا وميروسلاف زيكموند قسماً من رحلتهما عبر آسيا التي استمرت نحو خمسة أعوام. وكان فانيورك مع زميله لوكاش سوخا يعيدان إحياء رحلات هانزلكا وزيكموند (1) والسير على خطاهما، وتصوير الأماكن نفسها بعد مرور ستة عقود من الزمن، لتنظيم سلسلة من الفعاليات الثقافية في مناسبة عيد ميلاد زيكموند المئوي، في مدينته بلزن (شباط/ فبراير 2019).

فبعد الانتهاء من زيارة لبنان سنة 1959، انتقل الرحالان هانزلكا وزيكموند براً على متن سيارتي "تاترا 800" نحو سوريا فالأردن وفلسطين، ثم إلى العراق، وحلا في مدينة السليمانية سنة 1960. الكتاب الذي تأخر صدوره ست سنوات (براغ، منشورات الحرية، 1967) يقع في 450 صفحة من السرد الرتيب الذي لا يخلو من إسقاطات استشراقية متعالية. قليلة هي المواضيع الاجتماعية الملفتة فيه، ولعل أبرزها قصة نجم الدين ملاّ ومدرسته "سفينة نوح"، التي تعتبر ظاهرة فريدة في شمال العراق، ولا يخفي الرحالان دهشتهما الكبيرة بها.

من هو نجم الدين ملاّ؟ وُلد الشاعر والكاتب التراثي الكردي نجم الدين بن الملا غفور بن الملا علي بن الملا إبراهيم، المعروف بنجم الدين الملا، في مدينة السليمانية سنة 1898. نشأ في أحضان أسرة تحب العلم والأدب، وتتلمذ على يدي والده في العلوم الدينية. عاش معظم حياته في بيت صغير في السليمانية، اتخذه مدرسة أهلية خاصة أطلق عليها اسم "سفينة نوح". كتب الملا أواسط عشرينيات القرن العشرين مقالات أدبية وقصصاً تراثية وقصائد شعرية نشرها في مجلة "زارى كرمانجى" التي كان يصدرها حزني موكرباني. نشر كثيراً من قصصه في صحيفتي "زيان" و"زين"، وله مجموعة قصص مطبوعة بعنوان "أحكي لكم". توفي في 23 نيسان/ أبريل 1962. (انظر/ي "موسوعة جياى كورمنج").

في ما يأتي ترجمة ما كتبه الرحّالان التشيكوسلوفاكيان عن لقائهما بنجم الدين الملا، وقضائهما ثلاث حصص في فصل المبتدئين في مدرسته:

غلاف كتاب "ألف ليلة وليلتان"

"ها نحن في سفينة نوح"

إذا ما سُئلنا من كان الشخص الأكثر إثارة للاهتمام في كردستان، فلن نفكر ولو لدقيقة: "إنه نجم الدين المُلّا". عندما كان في العشرين من عمره، كان عطّالاً بطّالاً، إن لم يكن في الحانة فستجده مخموراً يفترش الطريق. قيل إنه برّي لا رغبة لديه في العمل. إلا أن نجم الدين كان شاباً ذكياً يحسن القراءة والكتابة، ولديه مال يصرفه على تسكعه.. إلى أن أتاه من عرّفه حدّه فأوقفه عنده! "اسمع يا نجم الدين، ما الهدف من حياتك؟ أهكذا تضيع وقتك وتؤذي صحتك؟ أليس من الأفضل لك أن تستخدم ما تعرفه؟ أنت لست غبياً، انظر من حولك فالناس لا يعرفون القراءة أو الكتابة. علِّمْهم!".

اليوم، نجم الدين في الستين من عمره. خلال السنوات الأربعين المنصرمة، تتلمذ على يديه ستة آلاف وخمسمئة شخص من أبناء مدينته، معظمهم من البالغين، ولم يكن يعلّم الأطفال سوى في أيام الإجازات. وهو إلى اليوم يرفض أن يتقاضى أجراً على التعليم، على الرغم من أنه فقير "مثل فأر الكنيسة". تلاميذه الذين يكنون له كل احترام، استطاعوا بفضله أن يحسّنوا حياتهم، ويرغبون في رد جميله عليهم بالكتابة عنه بين الحين والآخر. أما هو فلا يعلِّم فقط، إنما يكتب أيضاً فتظهر كل أسبوع إحدى حكاياته الخرافية أو قصصه وألغازه على صفحات صحيفة "زين". ألّف أكثر من أربعمئة حكاية للأطفال. وهو يستعمل تلك الحكايات والقصص في التعليم. يتحدث نجم الدين بالعربية والفارسية إلى جانب الكردية، واسم مدرسته "سفينة نوح".

لماذا نوح؟

"بالنسبة إلينا المسلمين، سفينة نوح تشكل رمزاً للحياة الجديدة. هي رمز الخلاص من العبودية، من الظلام، من الأمية"، كما يقول نجم الدين. لا أحد يعرف من أين جاء نوح العجوز، لكن الجميع يعلمون أنه هبط على سفح أرارات. وأرارات جبل كردي!

لم نكن نعلم شيئاً عنه إلى أن فتحنا موضوع المدارس الكردية مع المعلم ماجد أحمد الحداد حين كنا قرب آثار مواقد نبوخذ نصّر. قال لنا إن عددها غير كاف، وهي لا تستوعب الأطفال. أما معلموها فمعظمهم من طلاب المعاهد التربوية الذين أنهوا سنتهم الجامعية الأولى، على الرغم من أن التخرج من هذه المعاهد يحتاج إلى ثلاث سنوات. كما أن بعض المعلمين لم يلتحقوا بتلك المعاهد أصلاً، بل اجتازوا دورة تعليم مكثفة لمدة ستة أشهر. ويتفاوت المستوى بين معلم وآخر.. ثم دعانا بشكل مفاجئ إلى زيارة مكان مميز، وتطوع لمرافقتنا، فتوجهنا نحو أقدم جزء في المدينة.

خلال السنوات الأربعين المنصرمة، تتلمذ على يدي نجم الدين ستة آلاف وخمسمئة شخص من أبناء مدينته، معظمهم من البالغين، ولم يكن يعلّم الأطفال سوى في أيام الإجازات. وهو إلى اليوم يرفض أن يتقاضى أجراً على التعليم، على الرغم من أنه فقير "مثل فأر الكنيسة".

هو لا يعلِّم فقط، إنما يكتب أيضاً، فتظهر كل أسبوع إحدى حكاياته الخرافية أو قصصه وألغازه على صفحات صحيفة "زين". ألّف أكثر من أربعمئة حكاية للأطفال. وهو يستعمل تلك الحكايات والقصص في التعليم. يتحدث نجم الدين بالعربية والفارسية إلى جانب الكردية.

وصلنا إلى مدرسة الملا. هي في بيت ذي سقف خفيض، يمكن للمرء أن يطاله بيده، وقد نما عليه عشب قديم تفوح منه رائحة شمس الظهيرة. للمدرسة نوافذ ذات زجاج محجّر حاجب للرؤية، تناثرت تحتها بقايا طاولات صغيرة. استمعنا إلى الأصوات الآتية من الداخل، يزعق المعلم بلغة غير مألوفة فتردد من ورائه جوقة التلاميذ بأصوات رنانة. أدار السيد الحداد مقبض الباب فسكتت كل الأصوات فجأة. انحدرنا نحو غرفة فقيرة غير نظيفة. شاهدنا رجلاً مسناً في معطف عسكري شتوي خفيف، تزين أزاره البراقة نسور فرقة المشاة الأميركية. رمى الطبشورة من يده، مسحها بمعطفه واتجه نحونا لاستقبالنا. كان نجم الدين الملا مُربكاً، يشعر بالحرج من اقتحامنا المفاجئ مدرسته، فرك لحيته النامية بكفّه، ثم وضع يده خلف قبعته الصوفية المزينة بزخارف خضراء، فكّر وبدأ يوضب بعض المساعدات المدرسية الشتوية التي وصلته من بلدان مختلفة، ربما لإبعادها عن عدسات كاميراتنا، ثم ما لبث أن تركها، هزّ رأسه وعاد إلى مكانه.

في الفصل الدراسي

لم نر شيئاً مماثلاً في حياتنا. عمودان يتوسطان الغرفة فوقهما عوارض خشبية سميكة. على الجدار لوحان (سَبّورتان) تقشر طلاؤهما. إلى جانب النوافذ مقاعد لستة تلاميذ، والعديد من الأغراض غير الموضبة. كان علينا أن نجتاز الغرفة إلى زاويتها الخلفية اليمنى كي نتابع الدرس عن كثب. هناك يتموضع سرير نجم الدين محاطاً بالقوارير الزجاجية والأواني القديمة. أثناء التسلق لالتقاط صور مناسبة عليك أن تحرص على عدم إسقاط حلة الفاصولياء التي ترتاح فوق موقد الكيروسين ("البريموس") وألا تطأ بقدمك سلة البيض أو أن تقلب وعاء السلطة فتتناثر في الغرفة.

التلامذة المبتدئون في مدرسة "سفينة نوح"

تنظر من هناك إلى مقعد المعلم، تتدلى قربه شرابتان، حبل الأولى موصول بعدد من الأجراس الصغيرة، أما الأخرى فبجرس كبير. يضبط الملا النظام بأجراس الحبلين، يعلن بها عن بداية الحصة ونهايتها، ويوقظ التلاميذ إذا ما سهوا أثناء الحصة أو يزجرهم إذا ما شاغبوا. على الجدار تومض مجموعة صور متتنوعة الألوان، وعلقت بخيط رفيع لوحة إعلانية رسمت عليها فلاحة هولندية تحمل بين ييدها علبة ما تدعوك لشرائها.

"بالنسبة إلينا، المسلمين، سفينة نوح تشكل رمزاً للحياة الجديدة. هي رمز الخلاص من العبودية، من الظلام، من الأمية"، يقول نجم الدين. "لا أحد يعرف من أين جاء نوح العجوز، لكن الجميع يعلمون أنه هبط على سفح أرارات. وأرارات جبل كردي"!

تنظر حولك فتلفتك أشياء غريبة، طاولة خشنة ذات أدراج، مزينة بإناء فيه زهور نضرة. إلى جانب سرير الملا قفص مفتوح فيه قطتان. تجد قطة أخرى لكنها مطرزة على خرقة خاكية، وقططاً أخرى في صور معلقة على الجدران، وواحدة تزين الصينية التي يقدم عليها الملا الشاي لضيوفه. يقال إنه بدأ يحب القطط منذ هجرته زوجته بسبب انشغاله بتلاميذه. في كوّة قرب السرير تجد منبّه الملا الذي يوقظه يومياً إلى العمل منذ أربعين سنة. على الجدار حقيبة سفر معلقة، يستخدمها الملا كلما غادر القرية، وإلى جانبها إحدى العصي التاريخية التي ورثها "عن الشيخ محمود". هذه هي أعزّ ممتلكاته... تحت النوافذ، وهذا الأهم، مكتبة هي عبارة عن لوحين مسطحين فوقهما الكثير من الكتب والكراريس والصحف القديمة، وألبومات طوابع بريدية رسمت عليها فراشات وحيوانات وزهور. وعلى آخر الرف علب فيها الكثير من قطع الطبشور التي تستهلك وقت نجم الدين ويده.

لكن بغض النظر عن خلفيات النظام الأكاديمي لدى الملا وطريقة حياته، فإن صراخه في الفصل الدراسي بعيد كلّ البعد عن كونه حالماً زاهداً أو رومانسياً. فبعدما شرح لتلامذته الأحرف الخمسة الأولى من الأبجدية قبل دقيقة، سمّع لهم الدرس منصتاً لهم، ولم يكن مضطراً لمنحهم درجات على التسميع، فبعد كل إجابة أمكن كل واحد منهم أن يخمّن علامته من تعابير وجه الملا. بعد ذلك أخذ دفتراً سميكاً وغدا يقرأ عليهم الحكايات. كانوا يستمعون إليه كأن على رؤوسهم الطير، وهو كان يقرأ بصعوبة على الرغم من أن كل صفحة لم تتضمن أكثر من عشرة سطور ذات حروف كبيرة جميلة. كان يستعين بعدسة مكبّرة ليراها والعرق يتصبّب على جبهته من الجهد. انتهى، مسح جبهته بكمّ معطفه وابتسم ابتسامة عريضة.

زملاؤنا التلامذة

"ماذا يقول يا ماجد؟". "يقول إن بإمكانكما الجلوس على المقعد الدراسي، ستستمعان إلى الدرس مع أنه لا يمكنكما الكتابة أو القراءة، لكنكما ستمتنعان عن التحدث". حسناً، دعنا نتعرف إلى زملائنا تلامذة الفصل الأول، وهم عبارة عن مجموعة من ذوي الشوارب يجلسون حشراً في المقاعد المدرسية: "عبد الله راشد، اثنان وعشرون عاماً، بنّاء". "محمد رشيد علي، ثلاثة وعشرون عاماً، سائس، وهذا عبد الله أخي". رؤوف محمود، ثلاثة وعشرون عاماً، عامل بناء". احمرّ وجه يوسف فتّاح خجلا وهو يعرّفنا بنفسه، وهو بنّاء كذلك، إلا أنّه أصغر التلامذة سنّاً فهو في السابعة عشرة من عمره، ولا يحلق لحيته بعد. أما أكبر التلامذة سناً فهو عثمان أمين وهو في الثامنة والعشرين، وقد أمضى نصف حياته عاملاً في محل بقالة. "وأنا عبد الرحمن مصطفى، صائغ، عمري أربعة وعشرون عاما". عرفونا بأنفسهم واحداً تلو الآخر ثم جلسوا من جديد في مقاعدهم. بعد استراحة دامت خمس دقائق، قضينا في الفصل نصف ساعة مع الأرقام، وأخيراً نصف ساعة مع التاريخ، وكان الجميع ينتظرون بفارغ الصبر انتهاء هذه الحصة. من كان يعرف التاريخ جيداً حصل على قطعة حلوى، وكانت قطع الحلوى المخصصة للمتميزين من التلامذة موضوعة في آنية زجاجية مربعة كبيرة أهداها للملا تلميذه السابق كرمان هاوري.

لم نر شيئاً مماثلاً في حياتنا. عمودان يتوسطان الغرفة فوقهما عوارض خشبية سميكة. على الجدار لوحان تقشر طلاؤهما. إلى جانب النوافذ مقاعد لستة تلاميذ، والعديد من الأغراض غير الموضبة. كان علينا أن نجتاز الغرفة إلى زاويتها الخلفية اليمنى كي نتابع الدرس عن كثب. هناك يتموضع سرير نجم الدين محاطاً بالقوارير الزجاجية والأواني القديمة.

قبل أن نودّع الملا قصّ علينا قصّة كردية وسمح لنا بتسجيلها على شريط المسجلة. يبدو أنها كانت قصة خيالية مضحكة وحيوية، فكان التلامذة يتبسمون وضحكوا أكثر من مرة، كانوا يغطون أفواههم بأيديهم كي لا تطغى ضحكاتهم على صوت الملا في التسجيل. ما إن انتهت القصّة وأطفأت المسجلة حتى سعل الملا، ونهض نحو حبل الجرس الكبير سحبه معلناً انتهاء الدوام.

خرج التلامذة إلى الشارع الهادئ وانتظروا. أطفأت سفينة نوح أنوارها. وقف نجم الدين الملا على عتبة الباب وأعطى تلامذته واجباتهم المدرسية.

______________

1- ترجمتُ فصلاً من كتاب هانزلكا وزيكموند "الهلال المقلوب"، بعنوان "أناس بيروت الصغار"، ونشر في "السفير العربي" في ثلاث حلقات.

مقالات من العراق

العنف الأسري في العراق: مسودات قوانين وضحايا بلا حماية

ديمة ياسين 2020-11-21

تستقبل "البيوت الآمنة" و"دور الإيواء" ضحايا التعنيف الأسري، لكن الأحزاب الدينية ترفض وجودها بحجة تهديدها "ثوابت الدين الإسلامي"، وترفضها العشائر لأنها تهدد بطبيعة الحال سطوة العشيرة. لذلك بقيت معظم تلك...

للكاتب نفسه