هادي، الرئيس العقبة

تخوض السعودية حرباً في اليمن، على حدودها الجنوبية، بمواجهة جماعة الحوثي المرتبطة ـ ولو بشكل محدود - بإيران، وضد الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، الحالم بالعودة إلى السلطة عبر تحالف عسكري/ جهوي أبرمه مع الحوثيين. وبعد أكثر من ثلاثة أشهر، تواجه السعودية العديد من العقبات أمام تحقيق أي انتصار، نتيجة عوامل وتحديات معقدة. لكن أكبر مشكلة تواجهها هي الرئيس الحالي عبد ربه منصور هادي. يحتاج
2015-07-02

فارع المسلمي

باحث زائر في المعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاتام هاوس)، من اليمن


شارك
نزار الهنداوي-الأردن

تخوض السعودية حرباً في اليمن، على حدودها الجنوبية، بمواجهة جماعة الحوثي المرتبطة ـ ولو بشكل محدود - بإيران، وضد الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، الحالم بالعودة إلى السلطة عبر تحالف عسكري/ جهوي أبرمه مع الحوثيين. وبعد أكثر من ثلاثة أشهر، تواجه السعودية العديد من العقبات أمام تحقيق أي انتصار، نتيجة عوامل وتحديات معقدة. لكن أكبر مشكلة تواجهها هي الرئيس الحالي عبد ربه منصور هادي. يحتاج المرء أن يكون فاقد البصيرة تماماً كي لا يدرك، بعد 3 أعوام، منذ ترؤسه، ليس أن الرئيس هادي لم يكن رجل المرحلة الذي توقعه اليمنيون والقوى الخارجية فحسب، بل إنه أصبح عقبة حقيقية أمام فرص السلام نفسه في هذا الصراع المحتدم. وخوض السعودية الحرب لإعادته إلى السلطة صعب التحقق، وسيواجه العديد من التحديات الواقعية على الأرض، حتى ضمن المعسكر المناهض للحوثيين. والأهم، تنعدم فرص توحيد الجيش اليمني تحت قيادة رئيس يعتبر الكثير من قادته العسكريين أنه خذلهم في مراحل مختلفة وسلمَ مؤسساته تدريجياً إلى ميليشيات. إضافة إلى ذلك، لا يوجد وحدة عسكرية واحدة تقاوم الحوثيين دفاعاً عن عودة الرئيس هادي، بل هي تفعل دفاعاً عن وجودها المباشر. وحتى في الجنوب، فإن الرئيس هادي لا يمتلك أي تأثير على الجماعات التي تواجه الحوثيين، بل يُعد بعضها عملياً مناهضاً لهادي وليس فقط غير موالٍ له.
من ناحية ثانية، لعب الرئيس هادي دوراً كبيراً، هو وطاقمه، في تعبيد الطريق أمام الحوثيين للوصول إلى السلطة. ومن الصعب أن تكون أدوات التسليم هي نفسها أدوات الاستعادة في بلد معقد كاليمن. لقد أدى تلويح الرئيس هادي المتكرر بمشروعي الأقاليم والدستور اللذين لا يتمتعان بشعبية لدى عموم اليمنيين، ومحاولته تمرير هذين بالقوة، إلى مفاقمة الغضب الشعبي الذي بنا عليه الحوثيون صعودهم في بادئ الأمر. كما أدت رغبته في التخلي عن حلفائه الجدد (الإخوان المسلمين) الى تواطئه في تسليم المعسكرات للحوثيين في لحظات معينة. ويروي ديبلوماسي غربي زاره ليلة سقوط عمران في 8 تموز/ يوليو 2014، بأن الرئيس كان منهمكاً في متابعة مباراة كرة قدم كأس العالم بين البرازيل وألمانيا في تلك الليلة، وغير آبه بما يجري على بعد 50 كيلومتراً من العاصمة. وفي 21 أيلول/ سبتمبر، بدأ وزير الدفاع اليمني حينها، محمد ناصر احمد، بتسليم معسكرات "نقم" للحوثيين بتوجيه هاتفي من الرئيس هادي.
وحتى في محافظة عدن، لم يكن لدى الرئيس هادي أي خطة للدفاع عن المدينة أو الجنوب ضد الاجتياح المشترك من قبل الحوثيين وصالح. وبعد أيام من وصوله إليها، حذره وفد مخابراتي من إحدى الدول الخليجية من وجود خطة لاقتحام المدينة. لكنه، بعد خروج الوفد، سخر من هـذه التحذيرات أمام مساعديه. وحتى حينما طلبت منه جبهة الضالع إمدادها بالسلاح، اكتفى بتسليمها 100 ألف طلقة رشاش.
ومع وصول الرئيس هادي متوعكاً الى الرياض لتوقيع طلب "عاصفة الحزم" التي لم يكن يعلم بقدومها حتى هو، خشيت السعودية من حدوث أسوأ السيناريوهات، أي وفاة هادي الذي تخوض الحرب باسمه، فدعي خالد بحاح للمجيء من نيويورك ضمن صفقة تشمل التسلم التدريجي لصلاحيات هادي، وهو مخرج صحيح بموجب الدستور النافذ وخطوة عملية لتمكين أشخاص أقل إثارة للجدل وأكثر تجاوزاً للتناقضات الجغرافية والطائفية المتفاقمة في البلاد بفعل نار الحروب الحالية.
لكن، بعد فترة استجمام مكثفة في الرياض، استعاد هادي عافيته فاستمر في سوء الإدارة الذي تميز به خلال وجوده في السلطة.. وهو يقضي معظم وقته في عزلة بقصره الفخم في العاصمة السعودية، بينما صورته تزداد تآكلا في اليمن. ومع كل يوم جديد، يبدو واضحاً أن فرص عودته إلى اليمن تنخفض فتصبح أقل من فرص عودة الشاه إلى إيران!
في آخر اجتماع لوفده الداخلي قبل بدء مفاوضات جنيف في 14 حزيران/ يونيو بأيام، لمناقشة الخطة التفصيلية للتفاوض على القرار 2216 القاضي بوجوب تسليم الميليشيات السلاح الثقيل والخروج من المدن وإطلاق المعتقلين السياسيين والعسكريين، وبعد ما يوازي ساعتين من النقاش المستفيض بين الوفد على تفاصيل بنود القرار، أضاف هادي: "والقرار 2216؟"... الواقع أن رئيس البلاد الذي يشير إليه حتى أقرب مساعديه بـ "الشيبة" (الرجل المسن) لم يكن يعرف حتى محتوي القرار الذي يتفاوض عليه.
وتتآكل شعبية هادي في اليمن لفشله هو وطاقمه في تحمل أدنى مسؤولياتهم أمام الأزمة الإنسانية والغذائية المتفاقمة. ومع أن الأمم المتحدة أعلنت مؤخرا أن أكثر من عشرين مليون إنسان يمني بحاجة إلى نوع من المساعدة الإنسانية، قال وزير خارجية هادي المكلف، رياض ياسين (الذي يمثل في وعي اليمنيين العام نفس ما كان يمثله احمد شلبي في العراق عام 2003)، إن "اليمنيين مبالغون في معاناتهم". اشتكى مسؤول خليجي من أن دولة خليجية صغيرة خصصت نصف مليون دولار شهرياً للحكومة اليمنية في المنفى لإدارة الملف الخارجي، لكن الوزير الذي يعد احد أبرز رجال هادي (والـذي يدير الملف الخارجي بمساعدة ابنه وشقيقه فقط) يصر على تحويلها إلى حسابه الشخصي.
وبدلا من تحريك سلطاته لوضع حد للأزمة المتفاقمة في اليمن، يعمل هادي وطاقمه على ترتيب أوضاعهم في الخارج. وفي الواقع، فهم عملوا فعلياً على تعطيل حتى فرص الهدنة في جنيف، وبدون امتلاك أي خطة بديلة.. سوى الاستمرار في الأزمة. لقد أوفد الرئيس الى جنيف مدير مكتبه السابق، احمد عوض بن مبارك، للتأكد من عدم وصول الأطراف السياسية إلى اتفاق سلام أو حتى لخطوط عامة نحو اتفاق سلام. يدرك الرئيس هادي أن أي حل في اليمن يعني تنحيه عن المسار العام باتفاق حتى مناصريه قبل مناهضيه، الذين يعارضون الحوثي فقط لأنه أراد فرض واقع بالقوة. ولذلك عمل ويعمل بقوة ضد كل الجهود الجادة نحو السلام في اليمن لأنه يدرك أنها ستتجاوزه مباشرة.
يعرف السعوديون حجم الورطة التي يمثلها هادي، لكنهم في الوقت نفسه ليسوا على عجلة للتخلص من عبئه. وفي مقابلة خاصة في الرياض، قال العميد أحمد عسيري الناطق باسم "قوات التحالف"حول نيات التعامل مع هادي: "هـذا شأن يمني داخلي"، ليستدرك لاحقاً: "وعلى أية حال، نحن الآن في حالة حرب وهناك آلية تعمل لمثل هذه الأمور بعد الحرب، بدأت معالمها بتعيين نائب الرئيس خالد بحاح". أي انها مسألة وقت.
لكن الرئيس هادي أسس نفسه كرئيس للأزمات، وبدلا من أن يجهد لتجاوزها، يعمل على استمرارها لاستمرار دوره.
يبدو "فطام" الرئيس هادي أحد شروط تبيّن أفق لانتهاء هذه الحرب. كما يتعين على السعودية التعجيل في تنفيذ تعهداتها الإغاثية نحو اليمن وتسهيل عملية وصول البضائع والمواد الغذائية والالتزام بالقانون الإنساني الدولي وقوانين الحروب.. مضافاً إلى ذلك، إلغاء الاعتمادات المخصصة لرجال سياسة وقبائل تحت بند "اللجنة الخاصة" التي أضرت باليمن وبالسعودية سوياً، وتحويلها إلى صندوق تنموي للبلاد على غرار الصندوق الكويتي في السابق.
امتلكت دول الخليج إلى حد ما ترف البعد الجغرافي عن مؤثرات الحالتين السورية والعراقية، حيث لا تجمعها بهما آلاف الكيلومترات من الحدود المسكونة. لكنها في اليمن لا تمتلك هذا الترف، ولا ترف الوقت: فإذا ما تكرر ما يجري في سوريا أو في العراق على امتداد حدودها، فبإمكانه أن يحول شبه الجزيرة العربية كلها إلى جحيم هائل.


وسوم: العدد 150

للكاتب نفسه