الاتحاد العام التونسي للشغل ومـواضـــيـع الــصــــراع مــع "الـنـهـضــــة"

عاشت تونس، منذ الإعلان عن الإضراب العام في 13 كانون الأول/ديسمبر الماضي، على وقع المفاوضات بين «الاتحاد العام التونسي للشغل» والحكومة. «هذا الاضراب الذي لم يُنَفَّذ» بلور كل التوترات، وأجّج الخشية من حصول «خميس أسود» جديد. إلا انّ المواجهة كانت قد بدأت قبل ذلك بأشهر عدّة، إذ ظهر التوتر منذ إضراب موظّفي البلديات في شباط/فبراير الماضي. وقد اتّهم الاتحاد
2013-01-16

خنساء بن ترجم

صحافية من تونس


شارك
الاعتداء على مقر الاتحاد على يد "لجان حماية الثورة" في الرابع من كانون الأول / ديسمبر 2012 (الصورة خاصة ب"المغرب ماغازين" - تونس)

عاشت تونس، منذ الإعلان عن الإضراب العام في 13 كانون الأول/ديسمبر الماضي، على وقع المفاوضات بين «الاتحاد العام التونسي للشغل» والحكومة. «هذا الاضراب الذي لم يُنَفَّذ» بلور كل التوترات، وأجّج الخشية من حصول «خميس أسود» جديد. إلا انّ المواجهة كانت قد بدأت قبل ذلك بأشهر عدّة، إذ ظهر التوتر منذ إضراب موظّفي البلديات في شباط/فبراير الماضي. وقد اتّهم الاتحاد النقابي حركة «النهضة» علناً بالوقوف خلف مهاجمة مقرّه العام في منطقة فريانة، وبرمي النفايات أمام مقاره في تونس العاصمة. حتى أن الاتحاد العام أكّد توفّر الأدلّة لديه عن الاتهامات المذكورة. وقد استنكر الأمين العام المساعد في «الاتحاد العام»، المكلف شؤون التواصل فيه، سامي طاهري، ما وصفه بالمناورة من أجل «إخضاع الاتحاد العام، وإسكات أي معارضة». أمّا «النهضة»، فقد نفت ضلوعها في الاعتداءات، واتهمت «بعض الأطراف» من داخل «الاتحاد العام» باستخدام الاضرابات والحركات الاجتماعية لغايات حزبية. ثمّ هدأت الأمور شيئاً فشيئاً، لكن التوتر كان جلياً في عيد العمال في الأول من أيار/مايو 2012. في ذلك اليوم، ظهرت تظاهرة غريبة الشكل في جادة بورقيبة الشريان الرئيسي للعاصمة، حيث ترافقت الشعارات ذات الطابع الاجتماعي للثورة، «العمل والحرية والكرامة الوطنية» بأخرى مناهضة لها، أو موالية للحكومة، ردّدها مناصرو حركة «النهضة» ومعارضوهم.
وبعد بضعة أشهر، تبنّى «الاتحاد العام التونسي للشغل» مطالب مختلف الحركات الاجتماعية في سيدي بوزيد، وأعلن الاضراب العام في المنطقة بتاريخ 14 آب/أغسطس. وفي نهاية شهر أيلول/سبتمبر الماضي، عاد التوتر، ما أرغم حاكم المنطقة على ترك منصبه تحت الضغط الشعبي. وشكّلت تلك الحادثة ضربة قاسية للحكومة التي رأت أنّ سياستها وإدارتها للأزمة تفشل. وفي سليانة، غذّى غياب التواصل بين «الاتحاد العام» وحاكم المنطقة صراعاً اجتماعياً مضمراًً. وقد أدى قمع الشرطة لتظاهرة نظّمها «الاتحاد العام»، الى حركة احتجاج غير مسبوقة دفعت بعشرات الآلاف من السكان إلى مغادرة المدينة، في تعبير رمزي عن رفضهم الخضوع لسيطرة الحاكم. واتهمت حركة «النهضة»، التي راحت الأحداث تسبقها، «اليسار» و«النظام القديم» بالوقوف خلف هذه التظاهرات. وفي العاشر من كانون الأول/ديسمبر 2012، وفي موقف أعلنه في الإذاعة الوطنية، شرح راشد الغنوشي كيف أنّ «الاتحاد العام» هو واجهة للأحزاب السياسية بهدف إسقاط الحكومة، مشيراً إلى أنّ شعارات كـ «المواجهة المواجهة حتى إسقاط النظام»، تمّ تردادها من قبل بعض النقابيين في سليانة. وقد اتهم وزير الداخلية علي العريّض، ومن ثمّ الغنوشي مباشرة، «وطد» (حزب الوطنيين الديموقراطيين الموحَّد) بالمسؤولية عن الانتفاضة. وأرغمت الحكومة مجدداً على سحب حاكمها، بينما هدّد رئيس الحكومة بتقديم استقالته في حال ترك الحاكم منصبه. وبحسب المراقبين، فإنّ الهجوم على مقرّ «الاتحاد العام» في الرابع من كانون الأول/ديسمبر 2012، كان ردة فعل قامت بها قاعدة حركة «النهضة» غير الراضية عن نتائج مواجهة افترضت أنها تصبّ في مصلحة «الاتحاد العام». ومن سخرية التاريخ أنّ الرابع من كانون الأول/ديسمبر قد طُبع بحدثين هامَّين يترجمان كِباشاً بين منطقَين، أحدهما يميل نحو التوافق والآخر نحو المواجهة. وفي التاريخ نفسه، في منطقة القصبة قلب تونس العاصمة القديمة، وقّعت الحكومة التي تديرها حركة «النهضة» مع «الاتحاد العام التونسي للشغل» و«الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والمهن» (UTICA)، وهي نقابة أرباب العمل، اتفاقاً تاريخياً ينصّ على رفع الأجور، بينما كان النقابيون في ساحة محمد علي، وخلال تحضيرهم لإحياء ذكرى اغتيال فرحات حشاد، يفاجَأون بتظاهرة معادية لهم نظّمتها «لجان حماية الثورة»، المقربة جداً من حركة «النهضة». وفي تلك التظاهرة، أطلقت شعارات «الشعب يريد تطهير الاتحاد العام التونسي للشغل» أو «الشعب يريد إسقاط الاتحاد العام». وتطوّرت الأمور سريعاً إلى اشتباكات عنيفة. وقد اتّهم «الاتحاد العام» حركة «النهضة» بإرسال ميليشياتها لمهاجمة نقابييه، بينما ادّعى الحزب الاسلامي أنّ التظاهرة كانت سلمية، وأنّ «ميليشيات» الاتحاد العام هي من بدأ العنف.

مقرّ "مقدَّس"

في الثقافة السياسية التونسية، يحمل المقرّ العام للاتحاد العام التونسي للشغل، وساحة محمد علي حيث يقع، أهمية استثنائية. فهما لا يجسّدان عدداً من رموز الهوية التونسية فحسب، كمحمد علي الهمّي وفرحات حشاد وأحمد تليلي، لكنهما يمثلان أيضاً مساحة للتفاعل بين مختلف الفئات الاجتماعية ومختلف الاتجاهات السياسية. فقد وجدت جميع المعارضات السياسية في هذين المكانين ملاذاً لها هرباً من الديكتاتورية. وخلال الثورة، كانت التظاهرات تنطلق من مقار الاتحاد العام التونسي للشغل، أكان في تونس أمو في المناطق. إنه رمز «مقدّس»، ومَن هاجموه يوم كان «الاتحاد العام» يحيي ذكرى إحدى أبرز شخصياته، كانوا يدركون تماماً ماذا يفعلون.

استراتيجيات الهجوم ضد الاتحاد العام التونسي للشغل

تمّ اعتماد استراتيجيتين لمهاجمة «الاتحاد العام»، وهما مختلفتان بحسب قادة حركة النهضة الاسلامية وقاعدتها الشعبية. يعرب قادة الحزب الحاكم من دون تحفُّظ عن معارضتهم قيادة «الاتحاد العام»، وذلك رغم إنكار عدائهم هذا التنظيم النقابي. وبحسب مسؤولي «النهضة»، فإنّ قيادة النقابة «تتلاعب بالاتحاد لتحقيق أهداف سياسوية»، وكان يجب أن تكتفي بالدور النقابي (المطلبي/الاجتماعي). غير أن «الاتحاد العام» يضمّ العديد من الاتجاهات السياسية، من بينها الإسلاميون، والعديد من الفئات الاجتماعية. بالتأكيد، يمكن لبعض الاتجاهات أن تكون أكثر تأثيراً من أخرى، وهو ما أظهره فوز لائحة «التوافق اليساري» خلال مؤتمر طَبَرْقَة في كانون الأول/ديسمبر 2011. لكن على امتداد تاريخ «الاتحاد العام»، لم يتمكن أي حزب من الهيمنة بالكامل عليه، بما في ذلك الحزب الدستوري (الحاكم قبل الثورة). إنّ تحدّي القيادة الجديدة للاتحاد العام التونسي للشغل يعني تناسي أنّها انتُخبَت ديموقراطياً من قبل الأعضاء النقابيين. في المقابل، فإنّ عدم فهم طبيعة المطالب الشعبية في المناطق، والارتباك إزاء إدارة الصراع الاجتماعي، يسهّلان التفسيرات الاختزالية وتعظيم دور بعض اللاعبين غير القادرين موضوعياً على توفير الشرح لحراك شعبي بهذا الحجم. من جهة أخرى، تلجأ القاعدة الشعبية لحركة «النهضة» و«روابط حماية الثورة» إلى نمط آخر من الاستراتيجية، من خلال تنظيم التعبئة وحملات التنديد عن طريق الشبكات الاجتماعية، وأيضاً عن طريق التظاهرات المضادّة التي قد تؤدّي إلى اعتداءات جسدية ضد النقابيين، أكان ذلك خلال الأحداث الأخيرة، أو خلال أزمة مستشفى هادي شاكر (رفض عمال المستشفى مديرها المعيَّن، الذي تدخل الجيش لإيصاله إلى مكتبه).
في المقابل، تهدف الدعوة إلى «تطهير» الاتحاد العام التونسي للشغل إلى إثارة الشقاق بين القيادة القديمة الفاسدة للاتحاد النقابي التاريخي في البلاد من جهة، وقيادته الجديدة المنتخبة من جهة ثانية. كما تبدو مسألة «النضال ضد النظام القديم» انتقائية بالكامل، بما أنّ أياً من الحملات لم تستهدف «الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والمهن» (UTICA)، وهو نقابة أرباب العمل في تونس، رغم أن تورُّط أوساط رجال الأعمال مع نظام بن علي أمر ثابت. إنها وسيلة لإعادة كتابة التاريخ بهدف التعمية على الدور السياسي الذي أدّاه الاتحاد العام التونسي للشغل على امتداد تاريخ البلاد وخلال الثورة، بهدف تحييده عن مستقبل البلاد.

خطر تعميق الاستقطاب الحاد

بدت اللجنة الإدارية للاتحاد العام التونسي للشغل، التي عقدت اجتماعاتها في الخامس من كانون الأول/ديسمبر الماضي، منقسمة بين الجذريّين من جهة، أو أنصار خيار الاضراب العام، والداعين إلى مراقبة الإضرابات المناطقية من جهة أخرى، أي بين جماعة التوافق، وأنصار خيار الضغط الجذري. وبحسب بعض النقابيين، فإنّ تصريحات الغنوشي التي اتهم فيها الاتحاد العام للشغل بالمسؤولية عن العنف، مطالباً بتفتيش مقاره، مع إطلاقه في الوقت نفسه مواقف تمجّد «لجان حماية الثورة»، وهي في أصل الاعتداءات العنفية، أدّت إلى اختلال موازين القوى لمصلحة الداعين لتنفيذ الإضراب العام في «الاتحاد». وكان مقرراً القيام به في 13 كانون الأول/ديسمبر، قبل أن يتم إلغاؤه في اللحظة الأخيرة. في غضون ذلك، اندلعت الإضرابات المناطقية في كل من سيدي بو زيد وصفاقس وقفصة والقصرين، في السادس من كانون الأول/ديسمبر الماضي، مظهرة القوة التعبوية لـ«الاتحاد العام». فنظمت تظاهرة مضادّة، مماثلة في قوتها، من قبل «النهضة»، قادها أئمّة مساجد في صفاقس. وظن البعض أنه من المناسب إصدار فتاوى لوصم الإضراب العام بأنه «غير شرعي»، بينما قام آخرون بإطلاق خطب تتهم الاتحاد العام التونسي للشغل بأنه ألعوبة بيدي النظام القديم واليسار «الكافر». لم يكن اتخاذ قرار الاضراب العام سهلاً، إذ إنّ خطر فشله يبقى أقل شأناً من خطر حصول مواجهات عامّة كان يمكن لها أن تنتهي بطريقة بالغة السوء، نظراً لحدة الاستقطاب الذي بلغته الساحة السياسية التونسية منذ بضعة أشهر. حتى أنّ جزءاً من الليبراليين الذين خاضوا بعد الثورة حملةً مناهضة للاتحاد العام التونسي للشغل، متهمين إياه بـ«أخذ البلد نحو الحائط المسدود»، وجدوا أنفسهم متحالفين مع اليسار الراديكالي دفاعاً عنه في مواجهة «النهضة». وتؤشر هذه التحولات إلى درجة ضعف أحزاب المعارضة التي تجد أن «الاتحاد العام» هو الحصن الوحيد في مواجهة خطر هيمنة «النهضة». وبكل الأحوال، فإنّ هذا الدعم الإشكالي الذي يوفّره جزء من الليبراليين لـ«الاتحاد العام» لا يترافق بالضرورة مع دعم لسياسة اجتماعية، وهذه تبقى نقطة ضعف حركة «النهضة». لكن هذا الدعم يعزّز الاستقطاب الحاصل على قاعدة «المتديّنين» في مواجهة «العلمانيين»، أي وفق انتماء ايديولوجي ـ ثقافي.
إنّ إطلاق العنان للأهواء حول الاتحاد العام التونسي للشغل يؤكّد دوره على أرض الواقع كسلطة مضادة، ليس للسياسات الاجتماعية فحسب، بل أيضاً لمخاطر الانحرافات ذات الطابع الاستبدادي.

يُنشر بالاتفاق مع le Maghreb Magazine، العدد 16، كانون الثاني/يناير 2013

* خنساء بن ترجم ضيفة "شباب السفير" لهذا الأسبوع:
لطرح الأسئلة: http://shabab.assafir.com/Interview/?InterviewID=149

مقالات من تونس

اليسار التونسي ما "بعد الثورة": امتحان الحركات الاجتماعية

سؤال حالة اليسار التونسي اليوم عبر أربع تحركات اجتماعية وقعت في السنوات الاخيرة: تجربة التسيير الذاتي في واحات جمنة، اعتصام "بتروفاك" في جزيرة قرقنة، اعتصام "الكامور"، الاحتجاجات على قانون المالية...

للكاتب نفسه

تونس تقدم نموذجاً ثورياً مغايراً: التفاوض/ التوافق بالملموس 

بعد سنتين ونصف من الصراعات الحادة حول مسألة الهوية والحريات والنظام السياسي الذي سيتم اعتماده، بدأ المجلس الوطني التأسيسي نقاش مشروع الدستور بنداً بنداً. ويبدو الوصول أخيراً الى هذه اللحظة...