أسئلة قلقة بشأن التطرف الديني في بلادنا

مأزق المؤسسات الدينية، ومشاريع تجديد الخطاب الديني أن هذه المؤسسات تتعامل مع المكون الفكري فقط لظاهرة التطرف العنيف. وقد أجمعت كثير من الدراسات التي تناولت "الجهاديين الجدد" أن الظاهرة تحركت على أرضية المظالم السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بل والشخصية - خاصة بعد انكسار، وكسر الموجة الأولى من الانتفاضات العربية - وتمّ استدعاء الفكري تالياً لإعطاء مبرر لاختيار الرد العنيف على هذه المظالم.
2020-08-28

هشام جعفر

صحافي وباحث من مصر


شارك
عنان العليان - السعودية

"المؤسسات الدينية الحكومية في الشرق الأوسط: هل يمكنها منع التطرف العنيف؟" هو بحث صدر للباحثَين جورج فهمي وباتريسيا ساسنال في تموز/ يوليو 2020

وهو ضمن سلسلة أبحاث الاتحاد الأوروبي، يقوم فيها بالتحقيق في التحديات التي تواجه السياسة الخارجية الأوروبية، من خلال تحديد المخاطر المرتبطة بمجالات الدولة المنهارة، وتحليل الاستراتيجية العالمية للاتحاد الأوروبي وأدوات السياسة الخارجية لأوروبا. ويقيّم المشروع كيف يمكن تعزيز استعداد الاتحاد الأوروبي، والدول الأعضاء فيه لتوقع التهديدات بانهيار الحوكمة، منعها والاستجابة لها ولتعزيز المرونة في الاستجابة الأوروبية.

التوصية الأساسية التي ينتهي إليها الباحثان في هذا الصدد هي:"يمكن لمؤسسات الدولة الدينية في كل من مصر وتونس أن تلعب دوراً مهماً في دحض نزاع التطرف الديني الذي يدعو إلى العنف. لكن المشكلة الأولى لهذه المؤسسات لا تكمن في خطابها الديني، بل في شرعيتها الدينية. الشباب الساخطون على الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلاد، والذين يرغبون بالانضمام إلى التنظيمات الجهادية يعتبرون المؤسسات الدينية الرسمية مجرد أبواق للنظام الحاكم. ومن أجل أن تلعب المؤسسات الدينية الرسمية دوراً فعالاً في مواجهة خطاب العنف باسم الدين الذي تروج له المنظمات الإرهابية، يجب عليها أولاً أن تبدأ بترسيخ شرعيتها الدينية. وبعد ذلك فقط تكيّف خطابها الديني. يتطلب تعزيز شرعيتها الدينية إجراءين رئيسيين: أن تحافظ المؤسسة الدينية الرسمية على استقلالها عن النظام السياسي، وألا يحتكر النظام السياسي المجال الديني".

يجادل هذا المقال الباحثين في الكامن وراء توصياتهما والغائب عنهما.

مجال ديني تعددي حر

تعددية الخطابات الدينية باتت حقيقة واقعة، بل هي حقيقة تاريخية حكمت مسار التاريخ الإسلامي كله. إن أحد أهم الصراعات الدائرة في المنطقة، هي الصراع حول أنماط التدين المتعددة، ولكنه صراع سياسي بامتياز يتلبس بلبوس ديني أو باستخدام ديباجات دينية. بعبارة أكثر وضوحاً: السياسيُ اخترق الدينيَّ ليعيد إنتاجه تعبيراً عن مصالح من يقف وراءه. وما نشهده هو أزمات وصراعات سياسية ذات أبعاد دينية وثقافية، تختبر أطرافها المختلفة فيها توازنات القوى والمصالح فيما بينها في ظل امتزاج شديد للمصالح بالمشاعر الدينية. فمع غلبة السياسي وتغوّله، يتم استدعاء الجميع على أرضيته، وهو ما يُشعل خطوط التماس. ومن ثمّ فمن الضروري التمييز بين المستويات المتعددة وخاصة بين السياسي وبين الديني والثقافي، مع إدراك أرضية السياسي التي يتحرك عليها الديني.

ما نشهده هو أزمات وصراعات سياسية ذات أبعاد دينية وثقافية تختبر فيها أطرافها المختلفة توازنات القوى والمصالح فيما بينها، في ظل امتزاج شديد للمصالح بالمشاعر الدينية.

عند هذه النقطة يبرز مأزق المؤسسات الدينية، ومشاريع تجديد الخطاب الديني. فهذه المؤسسات تتعامل مع المكون الفكري فقط لظاهرة التطرف العنيف، وقد أجمعت كثير من الدراسات التي تناولت "الجهاديين الجدد" أن الظاهرة تحركت على أرضية المظالم السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بل والشخصية - خاصة بعد انكسار وكسر الموجة الأولى من الانتفاضات العربية - وتم استدعاء الفكري تالياً لإعطاء مبرر لاختيار الرد العنيف على هذه المظالم.

والمشكل فيما يخص الخطابات الدينية عامة هي مسألة القبول الاجتماعي الذي يتحدد بسياقات من خارجه. فالواقع المأزوم يستهلك خطابات مأزومة /متطرفة، تغذي الواقع المأزوم. ونكون بإزاء حلقة جهنمية لا تكسرها إلا مشاريع إصلاحية تعالج مشكلات الواقع، فتفسح المجال لإنتاج خطابات دينية تدعم هذا الإصلاح ويتحقق لها القبول الاجتماعي.

____________
من دفاتر السفير العربي
داعش... ليس أعجوبة!
____________

وإذا تم الاعتراف بتعددية الخطابات الدينية، وما يقف وراءها من مصالح، نكون بإزاء أجندة مختلفة على المستوى الوطني، وأدوار أخرى للمؤسسات الدينية. جوهر الأجندة الوطنية في هذا الموضوع هو تنظيم العلاقة بين الديني والمجال العام، ومنه السياسي. "الديني" لا الدين: فالأديان جميعاً لها تعلّقٌ بالمجال العام ومنها السياسة، أما الديني فهو تأويلات وتفسيرات وقراءات للدين، ومؤسسات وأشخاص/ جماعات وتنظيمات، وتوظيفات واستخدام للدين لإضفاء الشرعية على السلوك السياسي والاقتصادي والاجتماعي، أو الصراع حول من يملك هذه الشرعية.

علاقة الديني بالمجال العام:
• متطورة، لأنها ترتبط بالسياقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وكذا السياسية.
• متعددة، لأن إدراكات البشر وقراءاتهم للنص الديني تختلف وتتفاوت، وفي أحيان تكون متصادمة متناقضة مع بعضها، تناقضاً قد يصل إلى الصراع.

هنا يصبح المطلوب من المؤسسات الدينية ليس مساعدة السلطة السياسية على احتكار المجال الديني - الذي لا يمكن بأي حال احتكاره لأسباب متعددة - ولكن إدارته والمساعدة في تنظيمه بعيداً عن العنف.

تقدم لنا تجربة ماليزيا نموذجاً، فهي جرت في بيئة تعترف فيها الدولة بمجال ديني تعددي حر. في هذه البيئة لا تجد سردية داعش قبولاً اجتماعياً بل تهميشاً. تنتهي إحدى الدراسات إلى "أن حقيقة عدم وجود خطاب ديني واحد وموحد داخل ماليزيا يقلل بشكل أكبر من جاذبية داعش. الخطابات حول الأنواع المختلفة للإسلام منفصلة ومتناقضة وحتى غير متسقة داخلياً. على هذا النحو، هناك تنافس على الأصالة الإسلامية داخل طبقات مختلفة من الدولة والمؤسسة الإسلامية الأوسع. هذه الصراعات الخطابية في السياق المحلي لها صدًى أقوى لدى المسلمين الملايو أكثر من الروايات المتشددة لداعش، والتي ينفرون منها جغرافياً وثقافياً".

الاستقلال عن المشاريع الإقليمية

الخطابات المتعددة على المستويات العالمية، وعبر الوطنية والوطنية تتقارب و / أو تتباعد في الوقت نفسه على المستوى المؤسسي الديني والسياسي في المنطقة.

وتصير معضلة المؤسسات الدينية في المنطقة ليس فحسب أخذ مسافة متساوية من الأطراف السياسية كافة وعدم اندماجها في مشروع السلطة السياسية، لاكتساب الشرعية الدينية لدى قطاعات جماهيرية متسعة، ولكن أيضاً اتخاذها مسافة من المحاور الإقليمية الثلاثة المصطرعة في المنطقة (السعودي-الإماراتي ومصر جزء منه، والتركي-القطري، والإيراني). فالمحاور الثلاثة توظف مؤسساتها الدينية الوطنية والدولية في الصراع فيما بينها، بما يؤدي إلى إلقاء ظلال قاتمة على شرعية هذه المؤسسات، بل هو يؤدي إلى العزوف عن التدين، وبحث فئات اجتماعية متسعة، خاصة من الشباب والشابات، عن صيغ جديدة، باعتبار أن هذه المؤسسات باتت جزءاً من الاستقطابات المحلية والإقليمية ففقدت بذلك مصداقيتها. فـ"الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين" المقرب من الحركات السياسية الإسلامية ومقره قطر، و"اتحاد حكماء المسلمين" الذي يرأسه شيخ الأزهر ومقره أبوظبي، وقام لمناهضة سردية الإسلام السياسي، مثالان صارخان على توظيف الديني في صراعات المحاور الإقليمية. وهذا ليس جديداً (الحرب العراقية الإيرانية مثالاً) ، ولكن الجديد أمران: الأول أن المباريات باتت صفرية، وبالتالي ففي ذلك قضاء على أي مجال ديني تعددي أو محاولة للوصول لذلك، وهو عكس حركة التاريخ واعتبارات الواقع. المستجد الثاني هو فشل صيغة المحاور الإقليمية الثلاثة .

معضلة المؤسسات الدينية في المنطقة ليس فحسب أخذ مسافة متساوية من الأطراف السياسية كافة، وعدم اندماجها في مشروع السلطة السياسية، وذلك لاكتساب الشرعية الدينية لدى قطاعات جماهيرية متسعة، ولكن أيضاً اتخاذها مسافة من المحاور الإقليمية الثلاثة المصطرعة في المنطقة (السعودي-الإماراتي ومصر جزء منه، والتركي-القطري، والإيراني).

التناحرات بين دول المنطقة في الوقت الحالي لعبة ذات محصلة صفرية بين الجهات الفاعلة الرئيسية. ويبدو أن إنشاء نظام للأمن الجماعي أمرٌ بعيـد المنال، حيث يشارك الخصوم بنشاط فـي جهـود تغيير الأنظمة والتدمير المتبادل.

بغض النظر عن أي محور إقليمي تنتمي إليه أو تشجعه أو تصطف خلفه، من المحاور الإقليمية الثلاثة التي توزعت عليها دول وقوى وحركات تحت الدول، بغض النظر عن انحيازاتك، فقد ثبت فشل صيغة المحاور الإقليمية التي استمرت لعقد حتى الآن، ويجب تجاوزها. ثبت فشلها لأنها:

• أنتجت حتى الآن ثلاثة حروب أهلية على الأقل، وأفرزت استقطابات مدنية ومذهبية وطائفية داخل العديد من البلدان وعبر-الوطني.
• لم يستطع أحدها أن يحسم الصراع لصالحه في أي مكان، ولن يستطيع، لأن توازنات القوى الدولية تحول دون ذلك، وليبيا وسوريا واليمن أمثلة على ذلك.
• أضعفت قوى المنطقة، وإمكانياتها لصالح المشروع الصهيوني واتفاقيات التطبيع معه.
• هذه المحاور الثلاثة ليست بعيدة عن صراعات القوى العظمى والكبرى. فقد تحولت المنطقة، وستتحول أكثر بعد كورونا، إلى رهينة للصراعات بين واشنطن وموسكو، وبين واشنطن وبكين.
• تتعامل بعض هذه القوى مع المحاور الإقليمية بمنطق "أمطري حيث شئتِ فسيأتيني خراجك". انظر مثلاً ما تفعله الولايات المتحدة مع أزمة الحصار القطري، أو ما تفعله مع حلفائها في ليبيا لتُوازِن الوجود الروسي.
• الشعوب هي من يدفع ثمن ذلك كله، من قتلى وجرحى ولاجئين وفقر وعدم تنمية.
• والمستفيد الأول من ذلك كله هو الاستبداد. زاد النزوع الاستبدادي وتصاعد في دول المنطقة جميعاً، بما فيها دولة كتركيا كان نظامها واعداً من حيث المسار الديمقراطي.

تعتبر التناحرات بين دول المنطقة في الوقت الحالي لعبة ذات محصلة صفرية بين الجهات الفاعلة الرئيسية. كما يبدو أن إنشاء نظام للأمن الجماعي أمرٌ بعيـد المنال، حيث يشارك الخصوم بنشاط فـي جهـود تغيير الأنظمة والتدمير المتبادل. علاوة على ذلك، وبمجرد أن يواجه أحد الأنظمة تحدياً ما، فإنه يعمل بشكل تلقائي على إثارة النعرات الطائفية/المذهبية لتعزيز قواعد دعمه، مما يؤدي إلى خلق دائرة من العنف. وبالتالي، ومع تصاعد التنافس السياسي إلى مواجهات عسكرية وصراعات أهلية، فإن العنف غير المقيد سيدمر كل احتمال للتسويات.

وتنتهي تقارير دولية كثيرة إلى حقيقة أساسية: "الأمن الجماعي أو الموت الجماعي". إلا أن صياغة نظام للأمن الجماعي بعيد المنال في هذه اللحظة، لأسباب عدة ، مما يزيد من تفاقم النزاع في المنطقة. فهل يمكن للمؤسسات الدينية أن تواجه التطرف العنيف في سياق يحض على العنف والعسكرة من كل الأطراف، ويصير التساؤل المطروح هنا: هل تساهم المؤسسات الدينية في الحض علي العنف ولو من طريق غير مباشر؟

لا نجاح من غير ديموقراطية

الاستنتاج السائد في بحوث مناهضة الراديكاليات العنيفة، هو أن الديمقراطية في حد ذاتها ليست استراتيجية لمنع التطرف العنيف. ومع ذلك، توفر الديمقراطية بيئة مناسبة لمناقشة الاستراتيجيات الوقائية على مستوى الدولة والمجتمع المدني، دون التركيز فقط على النهج الأمني، كما هو الحال غالباً في ظل الأنظمة الاستبدادية.

وعلى الرغم من أن الأنظمة الاستبدادية قادرةٌ على منع أعمال العنف، من خلال زيادة التكاليف الشخصية للتحول إلى العنف عبر الإجراءات القاسية، فإن مثل هذه الإجراءات هي نفسها المحرك الرئيسي للتطرف الأيديولوجي. وبمجرد تخفيف القبضة الأمنية ، يجد الأعضاء المتطرفون بالفعل مساحة للعمل، والاستفادة من الإحباطات الاجتماعية والاقتصادية لتجنيد أعضاء جدد، والمثل البارز الذي يقدم في هذا الصدد هو تونس بن علي. فبعد الإطاحة به بانتفاضة شعبية أواخر 2010، صارت تونس واحدة من أكبر مصدّري المقاتلين السلفيين الجهاديين، حيث قاتل أكثر من 5500 تونسي مع الجماعات الجهادية في العراق وليبيا ومالي وسوريا واليمن، حسب تقديرات الأمم المتحدة في 2015.

على الرغم من أن الأنظمة الاستبدادية قادرة على منع أعمال العنف، من خلال زيادة التكاليف الشخصية للتحول إليه عبر الإجراءات القاسية، فإن مثل هذه الإجراءات هي نفسها تصبح المحرك الرئيسي للتطرف الأيديولوجي. وبمجرد تخفيف القبضة الأمنية، يجد المتطرفون بالفعل مساحة للعمل، والاستفادة من الإحباطات الاجتماعية والاقتصادية لتجنيد أعضاء جدد

تقدم لنا الخبرة الماليزية مثالاً آخر على لماذا فشلت أيديولوجية داعش المتطرفة في حشد دعم إسلامي كبير: "لأنها تتعارض مع الإجماع السياسي الحالي في ماليزيا - حتى لو كان هشاً ومتوتراً في بعض الأحيان - بشأن احترام سيادة القانون ونظام الحكم. هذا الإجماع بين المسلمين وبين المسلمين وغير المسلمين (الذين يشكلون حوالي 40 في المئة من إجمالي السكان) الذي تم تشكيله على مدى عدة عقود من القومية، يتعارض مع أيديولوجية داعش في عدم التسامح تجاه غير المسلمين، والمسلمين الذين يعارضون داعش، ويتعارض مع مواقف حول الحكم والانتخابات والحريات المدنية. يمكن توقع أن أية محاولة من قبل أنصار داعش لزيادة نفوذها ستقابل برد قوي من معظم المسلمين الملايو" .

ختاماً...

فهل يمكن للمؤسسات الدينية أن تحقق استقلالها في ظل التماهي بين أنظمة الحكم والدولة العربية، بما يجعل أية محاولة لتغيير هذه الأنظمة يحمل مخاطر إسقاط الدولة؟

وهل يمكن الحديث عن مجال ديني تعددي في ظل غياب لمجال عام تعددي حر؟

وهل يمكن للمؤسسات الدينية أن تحوز الشرعية الدينية دون أخذ مسافة من المحاور الإقليمية الثلاثة المصطرعة في المنطقة؟

وأخيراً، فهل يمكن للمؤسسات الدينية أن تناهض التطرف العنيف دون أن تجدد خطابها، ليجابه المظالم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي غذّت العنف؟

______________

1- State Religious Institutions in the MENA: Can They Prevent Violent Radicalization? Georges Fahmi and Patrycja Sasnal, EU- Listo, Policy Papers Series, July 2020
RSIS Publications No 331, Piya SUKHANI-2
The route to radicalisation for Malay-Muslim Women, Singapour 2020
3-هشام جعفر- مصر وليبيا: من الحرب على الإرهاب إلى مقاربة بناء الدولة
RSIS Publications No 331 -4 المصدر المذكور سابقا

مقالات من العالم العربي

إلى أين؟ طبعاً الى جهنّم

2020-09-24

على الرغم من أن اللبنانيين صاروا يعرفون جهنم جيداً، يتوقّعونها عند كل مفترق، يعاينونها في أسعار السلع والخدمات، ويختبرون أكثر تجلياتها فجاجةً في انفجار مرفأ بيروت... إلّا أنهم يسمعونها منطوقة...